الجزء الأول: حرب تعيد خلط الأوراق: الشرق الأوسط وتحالفات جديدة أمام اختبار القوة الأمريكية
تسلسل لا يتوقف: من “حرب الأيام الاثني عشر” إلى مفاوضات مسقط
بدأ هذا المسار قبل هذا الصيف بوقت طويل. ففي يونيو 2025، شنّ سلاح الجو الأمريكي، فيما عُرف لاحقا بـ”حرب الأيام الاثني عشر”، ضربات على ثلاثة مواقع ضمن البرنامج النووي الإيراني في فوردو ونطنز وأصفهان، قبل أن يضع وقف لإطلاق نار هش حدا لتلك الجولة في 24 يونيو من العام نفسه. لم تكن تلك الجولة سوى مقدمة. ففي 28 فبراير 2026، استأنفت إسرائيل والولايات المتحدة ضرباتهما ضد إيران بحجم أوسع بكثير، في حرب امتدت، وفق منظمة العفو الدولية، إلى نحو اثنتي عشرة دولة وأسفرت عن سقوط أكثر من خمسة آلاف قتيل خلال أسابيع قليلة. وأدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش منذ اليوم الأول اللجوء إلى القوة بوصفه مخالفا لميثاق الأمم المتحدة، دون أن يتمكن من تغيير مسار النزاع.
ردّت إيران باستهداف مضيق هرمز، الممر الذي كان يمر عبره حتى عام 2025 نحو ربع تجارة النفط الخام البحرية العالمية وقرابة خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال. وفي 4 مارس 2026، أعلن الحرس الثوري الإيراني سيطرته الكاملة على المضيق بعد إلحاق أضرار بثماني سفن تجارية على الأقل. وأعلنت شركة قطر للطاقة “القوة القاهرة” على جميع صادراتها، فيما تراجع الإنتاج المجمّع للكويت والعراق والسعودية والإمارات بأكثر من عشرة ملايين برميل يوميا بحلول منتصف مارس. ووُقّع وقفان لإطلاق النار في 7 و17 أبريل، أحدهما بين واشنطن وطهران، والآخر بين إسرائيل ولبنان، لكن أيا منهما لم يصمد. وأعقب ذلك توقيع مذكرة تفاهم في إسلام أباد في 15 يونيو، برعاية باكستانية، ثم توقيع أكثر رسمية كان مقررا في جنيف في 19 يونيو. غير أن الأعمال العدائية استؤنفت في 8 يوليو. وحتى منتصف أغسطس، تاريخ إعداد هذا الملف، لا تزال المفاوضات بشأن إعادة فتح المضيق متواصلة في مسقط، بينما أعلنت واشنطن للتو استهدافها سفينة اتُهمت بخرق الحصار الإيراني. النمط الذي يتبلور ليس نمط حرب تقترب من نهايتها، بل نزاع يشتعل من جديد على فترات منتظمة، إذ لا تعدو كل هدنة أن تكون قوسا مؤقتا قبل استئناف القتال.
مضيق هرمز في قلب الاختلال الطاقوي العالمي
خلّفت هذه الحالة من عدم الاستقرار المزمن آثارا اقتصادية تتجاوز حدود المنطقة بكثير. فقد تجاوز سعر خام برنت، الذي كان يتحرك حول 65 دولارا قبل تصعيد فبراير، عتبة 120 دولارا بعد إغلاق المضيق في مطلع مارس، قبل أن يتراجع بأكثر من 13 في المئة عند الإعلان عن كل هدنة، وهو ما يدل على أن الأسواق باتت تُدرج علاوة مخاطرة جيوسياسية دائمة بدل التعامل مع الأمر كصدمة عابرة. ووفق دائرة البحوث التابعة للكونغرس الأمريكي، لا يمكن لأي من الطرق البديلة، سواء أنابيب النفط البرية السعودية أو الإماراتية، أن تعوّض عجزا في النقل يقدَّر بنحو اثني عشر مليون برميل يوميا. كما يظل طريق البحر الأحمر، الذي أضعفته أصلا هجمات الحوثيين على الملاحة التجارية منذ 2023، معرّضا هو الآخر للخطر.
وقد أنتج هذا الوضع أثرا متناقضا أشار إليه عدد من المحللين في مجال الطاقة: فالمنتجون الواقعون خارج منطقة النار، وفي مقدمتهم الجزائر وليبيا، وجدوا أنفسهم في موقع المستفيد من أزمة ليسوا طرفا فيها. فقد أعادت سوناطراك توجيه جزء من صادراتها من غاز البترول المسال نحو آسيا، مستفيدة من تراجع المعروض العالمي منه بحريا من نحو 5.4 إلى 4.8 مليون برميل يوميا بين فبراير ومايو 2026. غير أن هذا التحول الطاقوي ليس بلا ثمن مقابل: فهو يضع المنشآت الجزائرية، التي كانت تُعامَل حتى وقت قريب باعتبارها هامشية في حسابات القوى الكبرى، في قلب خارطة جديدة لنقاط الضعف الطاقوية العالمية. وهذه النقطة ستكون محور الجزء الثالث من هذا الملف.
تعدد الجبهات الطرفية: السمة الفارقة لهذه الحرب
ما يميّز هذه الحرب عن مواجهات سابقة بين إسرائيل وإيران هو قدرتها بالتحديد على الانتشار في مسارح لا صلة ظاهرة لها بالبرنامج النووي الإيراني. فقد أعاد لبنان فتح جبهة كان يُظن أنها استقرت، مع قصف إسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت طوال شهر مارس، أسفر وفق اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن دمار وخسائر مدنية جسيمة بعد أكثر من خمسة أسابيع من الأعمال العدائية المتواصلة. وشهد العراق استهداف قواعده العسكرية، بما فيها تلك التي تستضيف قوات أمريكية في التاجي وبلد وقرب مطار بغداد، بضربات مسيّرات وصواريخ في الساعات التي تلت أولى الضربات الأمريكية. أما اليمن الحوثي، المنخرط أصلا منذ 2023 في مضايقة الملاحة التجارية في البحر الأحمر، فقد استأنف هجماته على ناقلات النفط في اللحظة نفسها التي كانت فيها السعودية تتفاوض على اتفاق مكة، وهو ما ساهم مباشرة في قرار الرياض البحث عن ردع جماعي يتجاوز المظلة الأمريكية وحدها. أما قطر، فقد استُهدفت قاعدتها في العديد بصواريخ إيرانية أسفرت عن انفجارات سُمعت حتى في العاصمة الدوحة.
هذا المنطق القائم على الانتشار، أكثر من كثافة القتال في المسرح الإيراني الإسرائيلي نفسه، هو ما يستحق الانتباه عند التساؤل عن خطر امتداد النزاع إلى المغرب العربي. فحرب تُنشّط تباعا لبنان والعراق واليمن وقطر في غضون أسابيع قليلة تُظهر ميلا لاستقطاب مسارح طرفية أبعد بكثير من بؤرتها الأولى، متى وجدت جهات محلية فيها مصلحة تكتيكية أو رأت قوى خارجية فيها فرصة للتأثير على ميزان القوى العام. ولا شيء يضمن، من حيث البنية، أن تتوقف هذه الديناميكية عند حدود الشرق الأوسط بمعناه الضيق.
ميلاد كتلة سنية: اتفاق مكة للدفاع المشترك
الحدث الأكثر دلالة هذا الصيف، من زاوية موازين القوى الإقليمية، ليس عسكريا بل دبلوماسيا. ففي 7 أغسطس 2026، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة اتفاق دفاع جماعي ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعتبر هجوما عليها جميعا، على غرار المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو. ويأتي هذا الاتفاق ليوسّع اتفاق الدفاع المشترك الثنائي الذي كانت الرياض وإسلام أباد قد وقّعتاه في سبتمبر 2025، بضم القوة العسكرية التركية، العضو في حلف الناتو وصاحبة ثاني أكبر جيش فيه من حيث العديد.
أما مسألة انضمام مصر إلى هذا الاتفاق فلا تزال، خلافا لما أُشيع في الأيام الأولى، محل جدل لم يُحسم بعد. فقد طُرحت هذه الفكرة أصلا في اجتماع جمع وزراء خارجية الدول الأربع على هامش قمة الرياض في مارس 2026، دون أن يفضي إلى أي التزام ملزم، وفق ما وثّقته “ويكيبيديا” بالإنجليزية. وصرّح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لوكالة الأناضول بعد أيام من توقيع اتفاق مكة أنه يتوقع انضمام القاهرة في المرحلة المقبلة فور تسوية بعض المسائل الفنية العالقة. غير أن موقع “ميدل إيست آي” نقل عن ثلاثة مصادر سعودية مطّلعة أن الرياض هي من عارضت فعليا ضم مصر، على خلفية تحفظات إزاء قربها من محور الإمارات وإسرائيل وقبرص، فيما نقلت مصادر مصرية لصحيفة “الأخبار” اللبنانية أن القاهرة نفسها تتحفظ على الالتزامات العسكرية الآلية التي قد يفرضها الاتفاق في ظل استمرار الحرب الأمريكية الإيرانية. وبين هاتين الروايتين المتضاربتين، يبقى المؤكد الوحيد أن مصر لم تنضم فعليا حتى تاريخ إعداد هذا الملف، وأن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان اكتفى بالإعلان عن أن الاتفاق مفتوح أمام الدول الشقيقة الراغبة في الانضمام، دون تسمية أي دولة بعينها.
ويزيد من هذا الغموض أن نص الاتفاق نفسه لم يُنشر بعد، وأن حدود الالتزامات العسكرية الفعلية بين الأطراف الثلاثة لم تتضح كليا، وهو ما كشفته حادثة دالة رصدتها صحيفة “جيروزاليم بوست”: فحين استهدف الحوثيون منشأة نفطية سعودية في جازان بعد يومين فقط من توقيع الاتفاق، لم تصدر عن أنقرة أو إسلام أباد أي ردة فعل عملياتية أو حتى تصريح رسمي. تبقى إذن مصالح كل طرف من أطراف اتفاق مكة، ومستقبل توسعته، رهينة توازنات لا تزال قيد التبلور، على أن تتضح ملامحها بشكل أكبر في الأسابيع المقبلة.
نقلت وكالة الأناضول عن مصدر مقرّب من الجيش السعودي، دون تسمية صريحة، أن المشروع كان مطروحا للنقاش منذ فترة طويلة، لكن »التطورات الأخيرة في المنطقة عجّلت وتيرة الإنجاز«. تُخفي هذه الصياغة الحذرة استنتاجا أكثر حدة رصده عدد من المراسلين الدبلوماسيين في الأيام التالية: إعلان اتفاق مكة يوجّه رسالة إلى إيران، لكن أيضا إلى الولايات المتحدة، التي بات حلفاؤها الخليجيون أنفسهم ينظرون إليها كشريك لم تعد موثوقيته مضمونة. فخلال أسابيع الضربات الأكثر كثافة، اضطرت جيوش الخليج، رغما عنها، إلى حماية القواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها، دون أن تنجح واشنطن في منع الردود الإيرانية التي طالت أراضي هذه الدول نفسها. المفارقة أن الممالك ذاتها التي بنت عقيدتها الأمنية على الضمانة الأمريكية هي من تبني اليوم بنية ردع جماعية مستقلة عن واشنطن، دون أن تقطع معها.
واشنطن أمام اختبار القوة
لا تشكّل الأزمة الإيرانية الإسرائيلية سوى المظهر الأكثر وضوحا لظاهرة أوسع: تراجع قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على بنية أمنية عالمية متماسكة في عدة مسارح في آن واحد. والمثال الإسباني كاشف لهذا التآكل. فوفق تحليل نشره الموقع الإسرائيلي “واي نت”، رفضت مدريد، خلال الحملة العسكرية في فبراير ومارس، السماح لواشنطن باستخدام قاعدتيها في روتا ومورون بشكل كامل، مع استمرارها في إنفاق أقل من الأهداف التي حددها حلف الناتو للدفاع. هذه الخطوة، إلى جانب الموقف المتشنج الذي تبنّته حكومة بيدرو سانشيز تجاه إدارة ترامب، فتحت، وفق التحليل نفسه، ثغرة قد يسعى المغرب وإسرائيل، الجامعهما اتفاق أبراهام، إلى استغلالها في ملف قديم وحساس هو سبتة ومليلية. وسيتم تفصيل هذه الديناميكية في الجزء الثاني من هذا الملف.
وبمعزل عن الحلقة الإسبانية، يواصل مسار عدم الاعتماد على الدولار الذي تقوده مجموعة بريكس+ تقدمه، بحذر لكن بثبات، في خضم هذه الأزمة. فالمجموعة، التي توسعت منذ 2024 لتضم السعودية والإمارات وإيران ومصر وإثيوبيا، ثم انضمت إليها إندونيسيا في 2025، تمثل اليوم، وفق أرقام متداولة في عدة تحليلات اقتصادية، نحو 46 في المئة من سكان العالم و37 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. لم تعد بريكس تتبنى الخطاب الهجومي عن القطيعة مع الدولار الذي كانت ترفعه في 2023 و2024، بعدما خفّفت روسيا نفسها من طموحاتها في هذا المجال. غير أن المنطق العميق لا يزال قائما: تطوير أنظمة دفع قابلة للتشغيل البيني، وتعزيز استخدام العملات المحلية في التبادل التجاري، وبناء بنية مالية أقل ارتباطا بواشنطن، خطوة تلو أخرى. وكل واقعة إكراه اقتصادي أمريكي، وكل تجميد لأصول، وكل عقوبة أحادية، يغذّي هذه الديناميكية دون الحاجة إلى قمة رسمية لإقرارها.
نحو تعددية قطبية صراعية لا نظام عالمي مستقر
ما يكشفه صيف 2026 ليس بروز نظام عالمي جديد متماسك، بل تعايش عدة بنى أمنية متنافسة وغير مكتملة. تبقى الولايات المتحدة القوة العسكرية الأولى في العالم والضامن الرئيسي لأمن إسرائيل، لكن مصداقيتها كحامٍ موثوق لشركائها العرب تآكلت خلال هذه الأزمة. وتكتفي الصين وروسيا بإدانة التصعيد دون تدخل عسكري، مفضّلتين توطيد نفوذهما عبر القنوات الاقتصادية والدبلوماسية لمجموعة بريكس+. وتُقدم قوى إقليمية، في مقدمتها السعودية وتركيا، على تطوير أدوات ردع مستقلة مع الحرص على تجنب أي قطيعة مع واشنطن. هذه المعادلة تطابق بدقة ما تصفه عدة مراكز أبحاث أمنية اليوم بـ”الفوضى التعددية القطبية”. إنه عالم لا تملك فيه أي قوة هيمنة لا جدال فيها، وتُعاد فيه صياغة التحالفات وفق إيقاع الأزمات لا وفق بنية مستقرة. وعندما يتعذر حسم النزاعات مباشرة بين القوى الكبرى، فإنها تنتقل نحو مسارح طرفية تتقاطع فيها مصالح عدة كتل دون أن تصطدم وجها لوجه.
هذا المنطق القائم على الانتقال نحو مسارح طرفية هو صلب الإشكالية التي يطرحها هذا الملف. فمغرب عربي يجتازه أصلا تنافس جزائري مغربي حاد، وقضية الصحراء الغربية، وعدم استقرار ليبي، ووجود قوى خارجية في الساحل، يتوفر نظريا على عدد من المكوّنات التي حوّلت، في مناطق أخرى، منافسات إقليمية إلى مسارح مواجهة غير مباشرة بين القوى الكبرى. ويتناول الجزء الثاني من هذا الملف مدى واقعية هذا الخطر، والشكل الذي قد يتخذه.
الجزء الثاني: مغرب عربي بين نارين: خطوط الصدع وسيناريوهات العدوى
مغرب عربي منقسم أصلا بفعل اتفاقيات أبراهام
لم تُحدث حرب الشرق الأوسط الصدوع المغاربية، بل كشفتها وعمّقتها. فمنذ انضمام المغرب إلى اتفاقيات أبراهام في ديسمبر 2020، مقابل اعتراف أمريكي بسيادته على الصحراء الغربية، انخرطت الرباط في شراكة أمنية مع إسرائيل لا يتوقف عمقها عن التزايد. ففي يناير 2026، وقّع الجيشان المغربي والإسرائيلي، خلال الاجتماع الثالث للجنتهما العسكرية المشتركة المنعقد في تل أبيب، خطة عمل عسكرية للعام الجاري، مصادفة الذكرى الخامسة لتطبيع العلاقات بينهما. ويصف الجيش الإسرائيلي المغرب اليوم بأنه »شريك أساسي للاستقرار« الإقليمي. وقد ترجم هذا الترابط نفسه، خلال الحرب ضد إيران، إلى موقف دبلوماسي لا لبس فيه: من بين دول المغرب العربي الثلاث، كان المغرب الأكثر انحيازا صراحة إلى جانب الضربات الأمريكية والإسرائيلية، في حين فضّلت الجزائر وتونس، خارجتين عن تقليدهما الدبلوماسي القائم على عدم الانحياز، التزام الحذر.
ويقترن هذا التحول الدبلوماسي بمعطى لا يقل أهمية على المستوى الإقليمي. ففي 31 يناير 2026، تبنّى مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2797، الذي يعترف بمخطط الحكم الذاتي المغربي كمرجعية رئيسية لتسوية نزاع الصحراء الغربية، بدعم فاعل من واشنطن. وبالنسبة للرباط، غذّى هذا الانتصار المزدوج، العسكري والدبلوماسي، شعورا بالقوة لم يمر دون أن يلاحظه الجزائريون. وقد لاحظ عدد من المحللين الجزائريين أن المغرب أصبح أكثر جرأة في استفزازاته تجاه الجزائر منذ توقيع اتفاقيات أبراهام، وهو سلوك يعزونه إلى قناعة الرباط بأنها باتت تحظى بحماية أمريكية إسرائيلية دائمة.
الجزائر بين التضامن التاريخي والحذر المحسوب
يجسّد الموقف الجزائري من هذه الحرب معضلة دبلوماسية أوسع. فالجزائر تربطها بإيران علاقة قديمة، أُعيد إحياؤها عام 2000 بعد انقطاع أعقب الثورة الإيرانية، تخللتها زيارات الرئيسين خاتمي عام 2004 وأحمدي نجاد عام 2007، ودعم متكرر لحق طهران في تطوير تقنية نووية مدنية. بل إن زيارة رسمية للمرشد الأعلى علي خامنئي إلى الجزائر كانت مطروحة لعام 2026، دون تحديد موعد نهائي. وخلال الجولة الأولى من هذا النزاع، أي حرب الأيام الاثني عشر في يونيو 2025، أدانت الدبلوماسية الجزائرية بشدة الضربات الإسرائيلية، منددة بعدوان وصفته بأنه لم يكن ممكنا لولا الإفلات من العقاب الذي يتمتع به المعتدي.
والتناقض صارخ مع الموقف المتبنى منذ فبراير 2026. ففي 1 مارس، نشرت وزارة الخارجية الجزائرية بيانا عبّرت فيه عن “تضامنها الكامل” مع الدول العربية المستهدفة بالضربات، دون أن تسمّي إيران ولو مرة واحدة، ودون إدانة صريحة لإسرائيل أو الولايات المتحدة. وفسّر عدد من المعلّقين، من بينهم الباحثة السياسية خديجة محسن فينان، هذه “الإدانة دون تسمية” على أنها إشارة إلى حساب دبلوماسي دقيق: مراعاة إدارة ترامب في وقت لا يزال فيه ملف الصحراء الغربية قيد النقاش، وأمل جزائري، وإن بدا متناقضا، في أن تفتح هذه الأزمة نافذة للتموقع كشريك طاقوي موثوق لواشنطن. هذا الصمت، الذي رصده أيضا عدد من المحللين الجزائريين المستقلين، يتناقض مع التقليد الدبلوماسي للبلاد، المبني تاريخيا على الدفاع عن سيادة الدول ورفض التدخل الأجنبي، وهو مبدأ لم تتمسك به الجزائر بالقدر نفسه من الحزم في وقائع أخرى حديثة تتعلق بواشنطن.
مفارقة المظلة المزدوجة
غير أن الحرب نفسها أفرزت درسا كان يُفترض، منطقيا، أن يُهدّئ الحماس المغربي بدل أن يؤججه. فخلال أسابيع الضربات الأكثر كثافة، وجدت ممالك الخليج نفسها، بما فيها الأقرب حلفا لواشنطن، مضطرة إلى تأمين دفاعها بنفسها في مواجهة الردود الإيرانية، قبل أن تتمكن القوات الأمريكية المتمركزة على أراضيها من حمايتها بفعالية. وقد غذّى هذا الواقع، الذي رصدته الصحافة الجزائرية، قراءة مفادها أن الضمانة الأمنية الأمريكية الإسرائيلية التي يتباهى بها المغرب قد تكون أقرب إلى وهم دبلوماسي منها إلى تأمين عملياتي حقيقي.
والمنطق هنا واضح. فشريك يعجز عن حماية السعودية والإمارات، ركيزتي منظومته الإقليمية التاريخيتين، يقدّم ضمانة هشة لشريك من الدرجة الثانية كالمغرب. ويصح هذا الاستنتاج بوجه خاص في حال مواجهة مباشرة مع جار يملك ميزانية دفاع تبلغ 25 مليار دولار ويُصنَّف ثاني أقوى جيش في أفريقيا.
سبتة ومليلية وإغراء خريطة إيبيرية جديدة
من أبرز سيناريوهات العدوى الملموسة التي رصدها مراقبون إقليميون سيناريو يخص الحدود الشمالية للمغرب لا حدوده الشرقية. فالتحليل الذي نشره الموقع الإسرائيلي “واي نت”، والمشار إليه في الجزء الأول، يطرح فرضية تستحق أن تؤخذ على محمل الجد بالنظر إلى مصدرها. فرفض إسبانيا فتح قاعدتيها في روتا ومورون بالكامل أمام العمليات الأمريكية ضد إيران، إلى جانب عدم التزامها المزمن بأهداف الإنفاق الدفاعي التي حددها الناتو، فتح، وفق التحليل، نافذة غير مسبوقة أمام الرباط. وقد يستغل المغرب، مدعوما بشريكه الإسرائيلي الذي بات يربطه به تعاون عسكري منظم، هذه الفرصة لإحياء المطالبة التاريخية بسبتة ومليلية، الجيبين الإسبانيين الواقعين على الساحل المغربي. وتبقى هذه الفرضية، في هذه المرحلة، في خانة التحليل الاستشرافي لا الوقائع الثابتة. لكن مجرد صياغتها في وسيلة إعلام إسرائيلية متخصصة في الشؤون الأمنية يعكس الطريقة التي تعيد بها حرب الشرق الأوسط تشكيل الحسابات الاستراتيجية أبعد بكثير من نطاقها الجغرافي المباشر، وصولا إلى أقصى الأطراف الغربية للمغرب العربي.
مثلث ليبيا والساحل والمتوسط
في الشرق والجنوب، تبقى نقاط الضعف البنيوية للمغرب العربي سابقة على الحرب الإيرانية، لكنها تتفاقم في ظل المناخ الإقليمي العام من التوتر. فليبيا لا تزال، منذ سقوط معمر القذافي عام 2011، بلدا مقسّما بين إدارتين متنافستين: في الغرب، حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس بقيادة عبد الحميد الدبيبة، المدعومة عسكريا من تركيا، وفي الشرق والجنوب، المشير خليفة حفتر وحكومته المسماة حكومة الاستقرار الوطني في بنغازي، المدعومة من مصر وروسيا. وشهد هذا الانقسام واقعة مثيرة للريبة في يناير 2026، حين لقي رئيس أركان الجيش الليبي، محمد الحداد، الذي كان يعارض علنا دمج المليشيات في الجهاز العسكري الرسمي الذي يسعى إليه الدبيبة، حتفه في تحطم طائرة في تركيا، في ظروف تصفها مصادر مقرّبة من الملف بأنها ملتبسة. وتصف مؤسسة البحوث الاستراتيجية المتوسطية هذا الوضع بـ”الإدارة المشتركة التنافسية” للنزاع الليبي من قبل موسكو وأنقرة، وهما قوتان غير عربيتين تتباين مصالحهما الجيوسياسية، لكن حضورهما المشترك يحوّل ليبيا إلى ما يصفه عدد من الباحثين بمنطقة رمادية دائمة، على مسافة قريبة من السواحل الأوروبية والجزائرية.
ويأتي هذا الاضطراب الليبي، الذي وصفته مجلة “رايدز” المتخصصة بأنه تهديد مباشر للحدود الشرقية للجزائر، ليضاف إلى حضور قوات شبه عسكرية روسية في الساحل، والتوتر المستمر مع دول تحالف الساحل منذ حادثة إسقاط الطائرة المسيّرة المالية في أبريل 2025. وفي هذا السياق المتوتر أصلا، يضيف انفتاح جبهة تنافس غير مباشر جديدة بين كتل سنية في الشرق الأوسط، وهي كتل تجتازها بدورها خطوط صدع مع إيران وأذرعها الإقليمية، طبقة إضافية من التعقيد على مسرح ساحلي ليبي تنشط فيه أصلا روسيا والصين وتركيا. وقد ينعكس موقف مصر النهائي من اتفاق مكة، سواء انضمت إليه لاحقا أم بقيت خارجه، على حساباتها في الملف الليبي، وربما على خياراتها المستقبلية تجاه الجزائر.
وقد سبق أن كثّفت الإمارات العربية المتحدة أيضا دعمها لحكومة بنغازي عبر قنوات لوجستية ومالية، وفق ما توثقه عدة تحليلات متخصصة في الشأن الليبي، وهو ما يضيف طرفا خليجيا رابعا إلى معادلة تتشابك فيها بالفعل مصالح تركيا وروسيا ومصر.
تونس، الحلقة الأضعف في مغرب متوتر
تحتل تونس، في هذه المعادلة، موقعا خاصا. فهي، بخلاف الجزائر التي تملك ثقلا عسكريا، وبخلاف المغرب الذي يمتلك اليوم ارتباطا دبلوماسيا صريحا بإسرائيل، اختارت هي الأخرى، على غرار الجزائر، الحذر إزاء الحرب ضد إيران، دون أن تملك الأدوات الطاقوية نفسها لتحقيق أي مكسب اقتصادي منها. وهذه الهشاشة البنيوية، المقترنة بوضع اقتصادي داخلي متعثر منذ سنوات، تجعل من تونس النقطة الأكثر مسامية في مغرب عربي واقع بين ضغوط الهجرة القادمة من الجنوب وإعادة تشكيل التحالفات القادمة من الشرق. وهكذا يتبلور مغرب عربي بثلاث سرعات: مغرب مندمج بالكامل في البنية الأمريكية الإسرائيلية، وجزائر تسعى للحفاظ على مسافة متساوية باتت أقل قابلية للاستمرار، وتونس تتقلص هامش مناورتها الدبلوماسية كلما ترسّخ موقف جاريها.
مواجهة مباشرة أم حرب بالوكالة؟ أي سيناريو لمنطقة المغرب العربي؟
سيكون من المبالغة القول إن المغرب العربي مقبل على حرب مفتوحة على غرار ما يجري حاليا في الخليج. فلا واحد من سيناريوهات المواجهة المباشرة الثلاثة التي يطرحها المحللون عادة، سواء كان مواجهة جزائرية مغربية حول الصحراء الغربية، أو تدخلا أجنبيا واسعا في ليبيا، أو تصعيدا في النزاع الحدودي مع مالي، يملك اليوم شرارة إشعال فورية مماثلة للبرنامج النووي الإيراني. المنطق الأرجح، وهو ما تتبناه أغلب أعمال الاستشراف التي جرى الرجوع إليها في إعداد هذا الملف، ليس حربا معلنة بل تكثيفا للتنافس غير المباشر. ضغوط دبلوماسية متبادلة، وحرب معلومات، وتوظيف لورقة الهجرة، وفوق كل ذلك تعدد أشكال الحرب الهجينة، وهو ما يفصّله الجزء الثالث من هذا الملف بدقة. وفي هذه المنطقة الرمادية، الواقعة بين السلم الشكلي والمواجهة المفتوحة، سيُحسم على الأرجح جوهر عدوى النزاع الشرق أوسطي إلى المغرب العربي في السنوات المقبلة.
الجزء الثالث: الحرب الهجينة: أشكالها الملموسة في المغرب العربي وخارطة طريق للجزائر
لماذا تصبح الجزائر هدفا استراتيجيا أكثر من ذي قبل
الاستنتاج الأول الذي يفرض نفسه، بعد الجزأين الأول والثاني من هذا الملف، هو أن القيمة الاستراتيجية للجزائر ارتفعت آليا بفعل الحرب في الشرق الأوسط نفسها، وأن ارتفاع القيمة الاستراتيجية يقترن دوما بارتفاع التعرض للخطر. فقبل أزمة مضيق هرمز، كانت الجزائر مورّدا مهما للغاز، لكنها كانت واحدة من فاعلين عديدين في سوق عالمية يغذيها الخليج إلى حد كبير. ومنذ مارس 2026، أصبحت من بين العدد المحدود من المنتجين القادرين على تسليم النفط والغاز دون المرور بأكثر الطرق البحرية عرضة لنيران إيران أو الحوثيين، وهو ما يجعلها، بحكم الواقع، بنية تحتية حساسة لأمن الطاقة الأوروبي، وبدرجة أقل الآسيوي. وهذا المركز الجديد، مقترنا بصعود ممر الهيدروجين الأخضر نحو ألمانيا وخط الأنابيب العابر للصحراء الذي دخل طور الإنشاء حديثا، يحوّل المنشآت الغازية الجزائرية إلى هدف محتمل لنمط من النزاع لم يكن النفط ولا الغاز، في السابق، بهذه الجاذبية له.
الأشكال الملموسة للحرب الهجينة في المغرب العربي
يشير مفهوم الحرب الهجينة، الذي سبق تناوله في تحليلات سابقة تخص التموضع الاستراتيجي الجزائري، إلى الجمع، دون بلوغ عتبة الحرب المفتوحة، بين عدة أنماط عمل متزامنة: هجمات إلكترونية على البنى التحتية الحيوية، وحملات تضليل منسقة، وضغط اقتصادي ومالي، وتوظيف تدفقات الهجرة، ومضايقة غير متكافئة على الحدود عبر وسائل منخفضة الكلفة كالمسيّرات التجارية المسلّحة. ما يتغير مع حرب الشرق الأوسط هو أن هذه الوسائل، الموثقة حتى الآن بشكل منفصل في سياق الساحل أو في سياق التوترات مع الاتحاد الأوروبي، باتت اليوم مغذاة بسياق إقليمي استُخدمت فيه بالفعل على نطاق واسع ضد أهداف مماثلة.
وتُعد الحرب السيبرانية التجسيد الأكثر مباشرة لهذا التحول. فقد رصدت شركة كاسبرسكي 78.5 مليون حادثة إلكترونية جرى إحباطها في الجزائر خلال عام 2025 وحده، وهو رقم يعكس ضغطا كبيرا أصلا حتى قبل تصعيد 2026، وسط استهداف واسع لقطاعات الطاقة والاتصالات والخدمات العمومية. ويشكّل تعميم هجمات الحرمان من الخدمة والاختراقات التي استهدفت، في مواضع أخرى من المنطقة، أنظمة التحكم الصناعي في المنشآت النفطية والغازية خلال الأزمة الإيرانية سابقة لا يمكن للسلطات الجزائرية تجاهلها، خاصة أن البلاد أطلقت منذ 2025 استراتيجية وطنية للأمن السيبراني تمتد حتى 2029 لاستباق هذا النوع من السيناريوهات بالتحديد.
أما الوسيلة الثانية فهي حرب المعلومات. فالتنافس الجزائري المغربي، المهيكل أصلا حول حملات نشطة على شبكات التواصل الاجتماعي، يجد في السياق الشرق أوسطي قاموسا جديدا: اتهامات متبادلة بالانحياز لهذه الكتلة أو تلك، وتضخيم لروايات تقدّم هذا البلد أو ذاك بوصفه تابعا لقوة أجنبية، واستغلال للانقسامات الداخلية التي تثيرها الحرب في الرأي العام العربي، الممزق بين التضامن الإسلامي والواقعية السياسية. وهذا الميدان الإعلامي خصب بشكل خاص، ذلك أن الموقف الجزائري الملتبس عمدا من إيران يمنح مادة سهلة لمن يريد تصوير الجزائر بوصفها متناقضة أو انتهازية.
الوسيلة الثالثة، الاقتصادية والمالية، ترتبط بتعرّض الجزائر لديناميكيات التخلي عن الدولار وإعادة تشكيل سلاسل الدفع العالمية التي تقودها مجموعة بريكس+، والتي لا تنتمي إليها الجزائر بصفة عضو كامل رغم ترشحها المتكرر. فبلد منتج للمحروقات لا يزال يعتمد إلى حد بعيد على نظام مالي مقوّم بالدولار، بينما يتزايد تبادله التجاري مع شركاء منخرطين في مسار التخلي عن الدولار، يتعرّض لمخاطر صرف وتسوية تزيدها حدة التقلبات الراهنة في أسواق النفط.
أما الوسيلة الرابعة والأخيرة فتبقى الضغط غير المتماثل على الحدود، الموثق أصلا في الساحل عبر التهريب الموظَّف والمضايقة بواسطة مسيّرات خفيفة. لا شيء يشير حتى الآن إلى أن سيناريو من هذا النوع قائم على الحدود الجزائرية المغربية أو على الواجهة المتوسطية. غير أن تعميم هذه الممارسات في مسارح أخرى تتقاتل فيها قوى إقليمية بالوكالة، من اليمن إلى السودان، يدعو إلى عدم استبعاد انتقالها التدريجي إلى مغرب عربي تتيح خطوط صدعه، الموصوفة في الجزء الثاني من هذا الملف، تربة مواتية.
سابقة الحوثيين ومسألة الوسائل منخفضة الكلفة
تستحق حالة الحوثيين، في هذه المرحلة من الملف، تناولا خاصا، إذ تُظهر كيف يمكن لفاعل غير حكومي محدود الإمكانات أن يعطّل جزءا كاملا من التجارة العالمية. فقد أثبت المتمردون اليمنيون، منذ 2023، أن مزيجا من المسيّرات البحرية والصواريخ المضادة للسفن والألغام كفيل بإحداث تراجع مستمر في حركة الملاحة في البحر الأحمر، مضطرا جزءا واسعا من النقل البحري العالمي إلى الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح بدل قناة السويس. ولهذه السابقة قيمة عقائدية تتجاوز المسرح اليمني وحده: فهي تثبت أن فاعلا بميزانية عسكرية لا تُقارن بميزانيات الأساطيل الغربية يستطيع مع ذلك أن يفرض كلفة اقتصادية غير متناسبة على خصومه، لمجرد أنه يجعل أمن ممر بحري استراتيجي غير مضمون. وإذا نُقل هذا المنطق إلى السياق المتوسطي، فإنه يدعو إلى عدم الاستهانة بهشاشة الطرق التجارية والطاقوية الجزائرية، بما فيها تلك التي كانت تُعتبر حتى الآن آمنة، إذا وجدت فيها جهات غير حكومية مصلحة تكتيكية ضمن حرب أوسع بالوكالة.
ما يجب أن تفعله الجزائر الآن: خمسة محاور للاستعداد
أمام هذه الحزمة من المخاطر، لا يمكن للاستجابة الجزائرية أن تقتصر على مجرد رفع ميزانية الدفاع، التي بلغت أصلا 25 مليار دولار عام 2026، وهو ما يضع البلاد في المرتبة الثانية أفريقيا والسابعة والعشرين عالميا وفق تصنيف “غلوبال فاير باور”. تتبلور من التحليل السابق خمسة محاور متكاملة.
المحور الأول يتعلق بتنويع الممرات الطاقوية وحمايتها ماديا ورقميا. فالمركز الجديد للجزائر كمورّد بديل يتفادى مضيق هرمز يشكّل أصلا دبلوماسيا وماليا كبيرا، لكن يجب ألا يترجم إلى تركيز مفرط للتدفقات على عدد محدود من البنى التحتية الهشة. والصعود المتزامن لممر الهيدروجين نحو ألمانيا، وخط الأنابيب العابر للصحراء نحو نيجيريا والنيجر، والربط الكهربائي مع إيطاليا، يسير في الاتجاه الصحيح، شريطة أن يستفيد كل من هذه المحاور من بنية أمن سيبراني مخصصة ومعزولة، بدل بنية رقمية مشتركة قد يؤدي اختراقها إلى التأثير على المنظومة بأكملها. ويقتضي هذا التوجه أيضا مراجعة دورية لخرائط المخاطر الخاصة بكل منشأة على حدة، بدل الاكتفاء بتقييم عام لقطاع الطاقة، تماشيا مع ما توصي به الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني الممتدة حتى 2029.
المحور الثاني دبلوماسي، ويتعلق بإدارة المعضلة الإيرانية نفسها. فاستراتيجية “التضامن دون تسمية” المعتمدة منذ مارس 2026 مكّنت الجزائر من تفادي قطيعة صريحة مع واشنطن دون التنكر الكامل لعلاقة تاريخية مع طهران. غير أن هذا الغموض المحسوب يحمل كلفة متصاعدة كلما طالت الحرب: فهو يعرّض الجزائر لتهمة عدم الاتساق من شركائها التقليديين في الجنوب العالمي، دون أن يضمن لها في المقابل رضا أمريكيا في ملف الصحراء الغربية، الذي حسمته واشنطن أصلا لصالح الرباط. وقد يكون توضيح تدريجي للعقيدة الجزائرية، مبني على مبادئ عدم التدخل التاريخية التي تتمسك بها البلاد في مواضع أخرى، أكثر قابلية للاستمرار على المدى الطويل من صمت مطوّل يظل معناه محل تأويل.
المحور الثالث يتعلق بالمناعة الإعلامية. فأمام التصاعد المتوقع لحملات التضليل التي تستغل التنافس مع المغرب والغموض الذي يكتنف الموقف الجزائري من إيران، من شأن تعزيز القدرات الوطنية على الرصد والتكذيب السريع، مقترنا بتواصل مؤسسي أكثر تفاعلا مما شوهد حتى الآن، أن يقلّص الأثر الذي قد تحدثه هذه الحملات على الرأي العام الداخلي وعلى صورة البلاد الدولية.
المحور الرابع يخص تنويع التحالفات الاقتصادية والمالية، الذي بدأ فعليا برفع الجزائر من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي في يونيو 2026، وبتحول تجاري نحو الأسواق الآسيوية لصادرات غاز البترول المسال. ودون البحث عن انضمام متسرع إلى بريكس+، تملك الجزائر مصلحة في تأمين آليات دفع بديلة لجزء من مبادلاتها، خصوصا مع الشركاء الأفارقة والآسيويين الأكثر انخراطا في هذا المسار، بما يحدّ من تعرضها لتقلبات مالية لا تتحكم في مساراتها.
المحور الخامس والأخير إقليمي، ويتعلق بترسيخ التقارب الذي بدأ عام 2026 مع دول تحالف الساحل. فساحل مستقر ومتعاون يشكّل، في ظل توتر عام في الشرق الأوسط وتنافس متصاعد مع المغرب وصولا إلى الأطراف الأطلسية للقارة، عمقا استراتيجيا لم يعد بمقدور الجزائر الاستغناء عنه. ويجب أن يقترن التطبيع مع النيجر ومالي، الموثق في تحليلات سابقة لهذه المنصة، بتعاون أمني ملموس، هو وحده القادر على تحويل مصالحة دبلوماسية إلى سياج فعلي ضد اختراق الحدود الجنوبية.
نافذة استعداد قبل أن تتجمد خطوط التماس
تؤكد حرب الشرق الأوسط، بطول مدتها وبإعادة التموضعات التي أفرزتها بالفعل خلال أشهر قليلة، من اتفاق مكة إلى تعمّق الشراكة العسكرية الإسرائيلية المغربية، أن العالم يدخل مرحلة تُحسم فيها التنافسات الإقليمية بشكل متزايد لا عبر مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى، بل عبر العدوى نحو مسارح طرفية. ولا يفلت المغرب العربي من هذا المنطق، والعلامات المبكرة التي جرى رصدها، سواء تعلق الأمر بالصدع الدبلوماسي الذي كشفته الحرب الإيرانية أو بفرضية إعادة النظر في الوضع القائم في سبتة ومليلية، تشير إلى أن المنطقة لا تزال تملك نافذة استعداد قبل أن تتجمد خطوط الصدع هذه في كتل جامدة. وهذه النافذة، بالتحديد، ما يتوجب على الجزائر استغلالها الآن بدل تركها تُغلق.
المصادر
- ويكيبيديا (بالفرنسية) – “نزاع إيران وإسرائيل من 2024 إلى 2026″ و”حرب الأيام الاثني عشر” – التسلسل الزمني لضربات يونيو 2025 واستئناف النزاع في 2026 https://fr.wikipedia.org/wiki/Conflit_Iran-Isra%C3%ABl_de_2024_%C3%A0_2026 – تم الاطلاع عليه في 14 أغسطس 2026
- منظمة العفو الدولية، الفرع الفرنسي – دعوة إلى وقف دائم لإطلاق النار وحصيلة إنسانية للنزاع https://www.amnesty.fr/actualites/urgence-cessez-le-feu-durable-au-moyen-orient/ – تم الاطلاع عليه في 14 أغسطس 2026
- ويكيبيديا (بالفرنسية) – “أزمة مضيق هرمز 2026” – سيطرة الحرس الثوري على المضيق واستهداف السفن التجارية https://fr.wikipedia.org/wiki/Crise_du_d%C3%A9troit_d’Ormuz_(2026) – تم الاطلاع عليه في 14 أغسطس 2026
- ويكيبيديا (بالإنجليزية) – “الأثر الاقتصادي لحرب إيران 2026” – تأثير الأزمة على أسعار النفط وإنتاج الخليج والغاز المسال https://en.wikipedia.org/wiki/Economic_impact_of_the_2026_Iran_war – تم الاطلاع عليه في 14 أغسطس 2026
- دائرة البحوث بالكونغرس الأمريكي – تقرير حول مضيق هرمز وتأثيره على أسواق النفط والغاز https://www.congress.gov/crs-product/R45281 – تم الاطلاع عليه في 14 أغسطس 2026
- الجزيرة – تغطية مباشرة لحرب إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، ومفاوضات مضيق هرمز مطلع أغسطس 2026 https://www.aljazeera.com/news/liveblog/2026/8/11/iran-war-live-trump-claims-the-strait-is-open-seeks-iranian-compensation – تم الاطلاع عليه في 14 أغسطس 2026
- راديو كندا – توقيع اتفاق الدفاع المشترك بمكة المكرمة بين السعودية وباكستان وتركيا https://ici.radio-canada.ca/nouvelle/2274170/pacte-defense-arabie-saoudite-pakistan-turquie – تم الاطلاع عليه في 14 أغسطس 2026
- ميدل إيست آي – مصادر سعودية تؤكد معارضة الرياض لضم مصر إلى اتفاق مكة رغم الضغط التركي https://www.middleeasteye.net/news/saudi-arabia-opposed-egypts-inclusion-mecca-agreement-sources-say – تم الاطلاع عليه في 20 أغسطس 2026
- ويكيبيديا (بالإنجليزية) – “اتفاق مكة للدفاع المشترك” – تسلسل مباحثات مصر الرباعية في مارس 2026 وتصريحات إردوغان وفيدان حول توسعة الاتفاق https://en.wikipedia.org/wiki/Mecca_Joint_Defence_Agreement – تم الاطلاع عليه في 20 أغسطس 2026
- جيروزاليم بوست – غياب أي رد فعل عملياتي من تركيا وباكستان بعد استهداف الحوثيين منشأة نفطية سعودية في جازان https://www.jpost.com/middle-east/article-905130 – تم الاطلاع عليه في 20 أغسطس 2026
- واي نت – تحليل حول الموقف الإسباني خلال الحملة ضد إيران وفرضية الضغط المغربي الإسرائيلي على سبتة ومليلية https://www.ynetnews.com/opinions-analysis/article/bki11ns9tzx – تم الاطلاع عليه في 14 أغسطس 2026
- موقع مفاتيح الشرق الأوسط – التقارب العسكري والدبلوماسي المغربي الإسرائيلي، ومذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية ليونيو 2026 https://www.lesclesdumoyenorient.com/Israel-Maroc-un-rapprochement-aussi-discret-que-reussi.html – تم الاطلاع عليه في 14 أغسطس 2026
- تي إس إيه الجزائر – تحليل حول مفارقة المظلة الأمريكية الإسرائيلية المزدوجة لممالك الخليج https://www.tsa-algerie.com/iran-israel-etats-unis-pourquoi-le-maroc-doit-revoir-ses-calculs/ – تم الاطلاع عليه في 14 أغسطس 2026
- أورينت 21 – خديجة محسن فينان، “حرب إيران: المغرب العربي يرفض إدانة الولايات المتحدة” https://orientxxi.info/Guerre-en-Iran-Le-Maghreb-se-refuse-a-condamner-les-Etats-Unis – تم الاطلاع عليه في 14 أغسطس 2026
- لوماتان دالجيري – بيان وزارة الخارجية الجزائرية الصادر في 1 مارس 2026 https://lematindalgerie.com/guerre-en-iran-lalgerie-exprime-sa-solidarite-avec-les-pays-arabes-agresses/ – تم الاطلاع عليه في 14 أغسطس 2026
- لا نوفيل روفو بوليتيك – هشام عبود، الموقف الجزائري من إيران خلال حرب الأيام الاثني عشر لعام 2025 https://nouvellerevuepolitique.fr/hichem-aboud-comment-alger-a-lache-son-allie-iranien-et-sest-rapproche-des-monarchies-arabes/ – تم الاطلاع عليه في 14 أغسطس 2026
- مجلة رايدز – ميزانية الدفاع الجزائرية لعام 2026 والتهديدات الإقليمية المرصودة شرق وجنوب البلاد https://raids.fr/premium/algerie-budget-menaces-et-cooperation/ – تم الاطلاع عليه في 14 أغسطس 2026
- دبلوماتيكا – تصنيف “غلوبال فاير باور” 2026 وتركيبة ميزانية الدفاع الجزائرية https://diplomatika.net/lalgerie-puissance-militaire-regionale-pourquoi-25-milliards-de-dollars-de-defense-en-2026/ – تم الاطلاع عليه في 14 أغسطس 2026
- موقع أفريك – موقف الجزائر من أزمة مضيق هرمز وفرص سوناطراك https://www.afrik.com/choc-petrolier-2026-le-baril-frole-les-110-l-algerie-en-position-de-force-face-a-la-crise-d-ormuz – تم الاطلاع عليه في 14 أغسطس 2026
- أجينزيا نوفا – توجه سوناطراك نحو الأسواق الآسيوية لغاز البترول المسال خلال أزمة هرمز https://www.agenzianova.com/en/news/algeria-sonatrach-punta-sullasia-mentre-la-crisi-di-hormuz-sconvolge-il-mercato-del-gpl/ – تم الاطلاع عليه في 14 أغسطس 2026
- فيراج بريبا – تركيبة مجموعة بريكس+ المحدّثة لعام 2026 وديناميكية التخلي عن الدولار https://www.virageprepa.com/articles/les-brics-d%C3%A9finition-membres-et-enjeux-g%C3%A9opolitiques – تم الاطلاع عليه في 14 أغسطس 2026
- صحيفة الوطن – بيانات كاسبرسكي حول الحوادث السيبرانية في الجزائر خلال 2025 https://elwatan.dz/kaspersky-devoile-les-cybermenaces-en-algerie-785-millions-dincidents-bloques-en-2025/ – تم الاطلاع عليه في 14 أغسطس 2026
تحرير: أحمد ناصر
المصدرALAHRAR.NET



