تتفاوض موانئ دبي العالمية مع السلطات الإماراتية على إنشاء ميناء جديد ومحطة حاويات في الفجيرة على خليج عُمان، في مسعى لتقليص الاعتماد على ميناء جبل علي وتجاوز مضيق هرمز الذي تعطلت فيه الملاحة مرارا خلال الحرب الأخيرة مع إيران. المشروع، الذي قد يدخل الخدمة خلال نحو عام ونصف بحسب مصادر مطلعة على الملف، يعكس تحولا أوسع في السياسة الإماراتية يستهدف الوصول إلى ما تسميه أبوظبي “اعتمادا صفريا” على المضيق، بصرف النظر عن حالته.
كشفت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، في تقرير نقلته عنها صحيفة العربي الجديد يوم 13 يوليو 2026، أن موانئ دبي العالمية (DP World) تجري محادثات مع جهات حكومية إماراتية لبناء ميناء متعدد الأغراض جديد كليا في منطقة الفجيرة الساحلية، إلى جانب محطة حاويات إضافية داخل الميناء القائم في الإمارة. وبحسب المصادر ذاتها، لا تزال هيكلة المشروع وآلية تمويله قيد النقاش، فيما رجّح مسؤول كبير في الشركة أن يكتمل الميناء الجديد خلال نحو عام ونصف. تتراوح الاستثمارات الأولية المرصودة بين مئات ملايين الدولارات، مع إمكانية زيادتها لاحقا وفق حجم الطلب على الطاقة الاستيعابية الجديدة.
الفجيرة من ميناء نفطي هامشي إلى ورقة استراتيجية
لم تكن الفجيرة، حتى وقت قريب، أكثر من محطة تخزين وتزود بالوقود على هامش الاقتصاد الإماراتي. غير أن موقعها الجغرافي على بحر العرب، خارج مضيق هرمز الذي يعبر منه نحو 20 مليون برميل نفط يوميا، أي قرابة خمس الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية بحسب تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية لعام 2024، جعل منها منفذا لا غنى عنه كلما تعطلت الملاحة في المضيق. ويربط خط أنابيب حبشان-الفجيرة حقول أبوظبي الداخلية بساحل خليج عُمان منذ سنوات، وهو ما سمح للإمارات بمواصلة تصدير جزء من نفطها طوال أشهر الحرب رغم الإغلاق شبه الكامل للمضيق.
جبل علي: من عصب التجارة الإماراتية إلى تراجع بلغ 95 % في ذروة الحرب
لعقود، شكّل ميناء جبل علي في دبي الركيزة الأساسية لنمو الإمارة كمركز عالمي لإعادة التصدير، إذ يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط عبر شبكة تضم منطقة حرة ضخمة ومستودعات ومنشآت صناعية متكاملة. غير أن موقعه يفرض على كل سفينة عبور مضيق هرمز قبل دخول الخليج العربي، وهو ما جعله عرضة مباشرة لتداعيات التصعيد بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026. وبحسب فايننشال تايمز، تراجعت حركة الميناء بنسبة تراوحت بين 90 و95 % في ذروة الأزمة، بعدما أغلقت طهران المضيق فعليا وتعرضت منشآت إماراتية لهجمات بصواريخ وطائرات مسيّرة.
الأرقام تعكس حجم الرهان: تعامل جبل علي مع نحو 15.6 مليون حاوية قياسية خلال العام الماضي وحده، بينما تدير موانئ دبي العالمية شبكة عالمية تضم نحو 80 محطة في 40 دولة، نقلت عبرها 88 مليون حاوية قياسية سنة 2024، أي ما يعادل عُشر حركة الحاويات العالمية. ووسط الاضطرابات المرتبطة بالحرب، خفّضت وكالة موديز توقعاتها لأرباح الشركة من 6.6 مليار دولار في 2025 إلى نحو 5.9 مليار دولار هذه السنة.
خورفكان ودبا: الساحل الشرقي يتحول إلى ورشة موانئ متسارعة
لا يقتصر التوسع على الفجيرة وحدها. أعلنت شركة Gulftainer، ومقرها الشارقة، استثمارا بقيمة ملياري دولار لتوسعة محطة حاويات خورفكان، المنشأة الوحيدة على الساحل الشرقي التي تعمل حاليا بكامل طاقتها التشغيلية خارج مضيق هرمز، والتي تسعى لرفع طاقتها إلى أكثر من 10 ملايين حاوية قياسية سنويا. وقفزت حركة الحاويات الأسبوعية في خورفكان من نحو 8 آلاف حاوية قبل اندلاع الحرب إلى ما يصل إلى 65 ألف حاوية بعد تحويل جزء من الشحن من موانئ الخليج، بينما ارتفعت طاقتها اليومية لاستقبال الشاحنات من نحو 100 شاحنة إلى قرابة 8500 شاحنة، ما وضع ضغطا كبيرا على الطرق ومرافق الجمارك والتخزين. وتحد الطبيعة الجبلية للموقع من المساحة المتاحة لتخزين البضائع قرب الرصيف، ما دفع المشغل إلى إنشاء مجمعات لوجستية داخلية في سجاء والذيد لتفادي الاختناقات. في المقابل، تشهد دبا، الواقعة على الحدود مع شبه جزيرة مسندم العُمانية، تحضيرات مماثلة لتوسعة طرفها الخاص بالمنتجات السائبة.
من النفط إلى الحاويات: نحو “اعتماد صفري” على هرمز
التوسع المينائي ليس سوى ركن واحد من استراتيجية إماراتية أشمل. أعلن وزير التجارة الخارجية ثاني بن أحمد الزيودي، في تصريحات لوكالة بلومبرغ، أن أبوظبي ماضية في خطة تشمل الفجيرة ودبا وخورفكان، مؤكدا: «نتجه نحو اعتماد صفري على مضيق هرمز، بصرف النظر عن كونه مفتوحا أو مغلقا». وتشمل الخطة أيضا شبكة جديدة من خطوط الأنابيب والسكك الحديدية والطرق تربط الموانئ الشرقية بحقول النفط والغاز ومنشآت البتروكيماويات في عمق البلاد.
في هذا السياق، أعلنت شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) في 15 مايو 2026 دخول خط أنابيب “غرب-شرق 1” مرحلة الإنشاء، وهو مشروع يستهدف مضاعفة الطاقة التصديرية عبر الفجيرة بحلول 2027. الخط الحالي، الذي ينقل خام أبوظبي من حقول الإنتاج الداخلية إلى ساحل خليج عُمان، يعمل قرب طاقته القصوى البالغة 1.5 مليون برميل يوميا منذ إغلاق المضيق، ويسعى المشروع الجديد لرفع هذه القدرة إلى نحو 3 ملايين برميل. غير أن مسؤولين في القطاع يقرّون بأن إعادة توجيه صادرات أخرى، كالغاز المسال والألمنيوم، بعيدا عن هرمز يطرح تعقيدات لوجستية أكبر بكثير من تلك المرتبطة بالنفط الخام.
الفجيرة نفسها لم تعد خارج مرمى النيران
يكشف تاريخ الأشهر الأخيرة عن مفارقة تلازم مشروع التوسع: البديل عن هرمز ليس بالضرورة بمنأى عن التصعيد الذي يفرضه هرمز نفسه. ففي الرابع من مايو 2026، أصاب هجوم بطائرة مسيّرة منشأة للمنتجات البترولية في الفجيرة، ما أدى إلى اندلاع حريق محدود وإصابة ثلاثة عمال، بحسب ما أعلنته وزارة الطاقة والبنية التحتية الإماراتية. ونقلت وكالتا تسنيم وفارس الإيرانيتان عن الحرس الثوري الإيراني إعلانه توسيع ما وصفه بـ”خطوط السيطرة” البحرية لتشمل مناطق قريبة من الفجيرة، في مؤشر على أن استهداف الميناء البديل يحمل بحد ذاته رسالة سياسية موجهة إلى أبوظبي بقدر ما هو ضربة لوجستية.
هذه الحادثة تلخص جوهر الرهان الإماراتي: تحويل الاعتماد من ممر جغرافي واحد إلى شبكة موزعة من الموانئ وخطوط الأنابيب لا يلغي الخطر الجيوسياسي، بل يعيد توزيعه على مساحة أوسع يصعب على طهران التحكم فيها بالكامل.
تنافس داخلي بين دبي وأبوظبي وعائلة الشرقي الحاكمة
يضيف المشروع طبقة تنافسية داخل الإمارات نفسها. فميناء الفجيرة القائم يُدار حاليا عبر مجموعة موانئ أبوظبي (AD Ports) بموجب امتياز مدته 35 عاما وُقّع سنة 2017 مع سلطة موانئ الفجيرة، الخاضعة لسيطرة الأسرة الحاكمة آل الشرقي. ودخول موانئ دبي العالمية، المملوكة لحكومة دبي، على خط الاستثمار في الإمارة ذاتها يطرح تساؤلات عن طبيعة التنسيق المرتقب بين الطرفين، في وقت لم تحسم فيه تفاصيل الشراكة بعد. مسؤولون في الشركة أكدوا أن جبل علي «سيظل جبل علي»، أي أنه سيحتفظ بمكانته كمركز رئيسي، وأن الفجيرة تمثل استثمارا دفاعيا إضافيا لا بديلا كاملا عنه.
يبقى الموعد الأكثر دلالة على جدية المشروع مرتبطا بمساره التنفيذي. فإذا تأكد الجدول الزمني الذي قدّمه مسؤولو موانئ دبي العالمية، فإن الميناء الجديد في الفجيرة قد يدخل الخدمة الفعلية خلال النصف الأول من عام 2028، بالتزامن تقريبا مع دخول خط أنابيب “غرب-شرق 1” حيز التشغيل المقرر سنة 2027. عندئذ فقط ستتضح ملامح الخريطة اللوجستية الجديدة التي تراهن عليها أبوظبي لفصل مستقبلها التجاري عن مصير مضيق ظل لعقود بوابتها شبه الوحيدة إلى الأسواق العالمية.
المصادر
- العربي الجديد – “موانئ دبي تخطط لميناء في الفجيرة لتجاوز مضيق هرمز”
https://www.alaraby.co.uk/economy/موانئ-دبي-تخطط-لميناء-في-الفجيرة-لتجاوز-مضيق-هرمز – اطلع عليه في 15 يوليو 2026 - CNBC – “Is Hormuz open? Trump’s toll threat intensifies rush to bypass the Strait altogether”
https://www.cnbc.com/2026/07/14/strait-hormuz-uae-saudi-gulf-trump-tolls.html – اطلع عليه في 15 يوليو 2026 - IndexBox / The Maritime Executive – “UAE Expands East Coast Port Capacity to Reduce Strait of Hormuz Dependency”
https://www.indexbox.io/blog/uae-plans-new-port-on-fujairah-coast-to-bypass-strait-of-hormuz/ – اطلع عليه في 15 يوليو 2026 - Waya Media – “الإمارات تخطط لبناء ميناء جديد لتجاوز مضيق هرمز”
https://waya.media/arabi/الإمارات-تخطط-لبناء-ميناء-جديد-لتجاوز/ – اطلع عليه في 15 يوليو 2026 - رووداو عربي – “ميناء الفجيرة ومضيق هرمز.. موقع استراتيجي في قلب…”
https://www.rudawarabia.net/arabic/middleeast/05052026 – اطلع عليه في 15 يوليو 2026 - مصراوي – “بديلا عن مضيق هرمز.. الإمارات تعلن بناء خط أنابيب جديد لتصدير النفط”
https://www.masrawy.com/news/news_publicaffairs/details/2026/5/15/2988548 – اطلع عليه في 15 يوليو 2026
أحمد ناصر



