الرئيسيةالبيئة والمناخالتنمية المستدامةمن الغاز إلى الماء: هل يمكن للجزائر أن تصنع صناعة جديدة من...

من الغاز إلى الماء: هل يمكن للجزائر أن تصنع صناعة جديدة من تحلية البحر؟

في 14 أكتوبر 2025، أعلنت مجموعة سوناطراك تغيير اسم إحدى فروعها من الشركة الجزائرية للطاقة إلى الشركة الجزائرية لتحلية مياه البحر. بعد ثمانية أشهر، وقّعت الشركة ذاتها ثلاث اتفاقيات بحثية لتحويل المياه المالحة الناتجة عن التحلية إلى مادة اقتصادية، وهو ما يعيد طرح سؤال لم يحظ باهتمام كافٍ حتى الآن: هل يبقى التحلية أداة لتأمين الحنفيات فقط، أم يمكن أن تتحول إلى صناعة جزائرية قابلة للتصدير؟

لم يكن تغيير الاسم في أكتوبر 2025 مجرد إجراء إداري. فالشركة التي تأسست سنة 2001 تحت مسمى الشركة الجزائرية للطاقة راكمت أكثر من عشرين عاماً من الخبرة في قطاع المحروقات. أصبحت رسمياً الشركة الجزائرية لتحلية مياه البحر، في تحول ترجمته مجموعة سوناطراك بأنه استجابة لتحديات متنامية في مجال الأمن المائي.

وفي منتصف يونيو 2026، وقّع مسؤولو الشركة بمقر وزارة الطاقة والمناجم بالجزائر العاصمة ثلاث اتفاقيات إطارية جديدة. حضر التوقيع وزير الدولة للمحروقات محمد عرقاب، إلى جانب وزيرة البيئة كوثر كريكو ووزير الأشغال العمومية عبد القادر جلاوي. الاتفاقيات أُبرمت مع الديوان الوطني للبيئة والتنمية المستدامة، والمديرية العامة للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، وجامعة قاصدي مرباح بورقلة.

بناء محطة تحلية ضخمة لم يعد يشكل عائقاً تقنياً بالنسبة للجزائر. فالبلاد تدير اليوم تسع عشرة محطة تعمل بتقنية التناضح العكسي، بطاقة إنتاجية تبلغ 3.7 مليون متر مكعب يومياً، تغطي نحو 42 بالمئة من احتياجات الأسر من مياه الشرب. غير أن السلسلة الصناعية الكاملة لا تختصر في صب الخرسانة وتركيب المضخات.

الأغشية شبه المنفذة التي تفصل الملح عن الماء تظل الحلقة الأكثر تعقيداً تقنياً، والجزائر لا تزال تستوردها في معظمها. لا يتجاوز معدل الإدماج الوطني للمعدات المستعملة في المحطات 30 بالمئة، بحسب ما نشره موقع اقتصادي متخصص في يونيو 2026. وتسعى الشركة، بحسب تقرير سابق لوكالة الأنباء الجزائرية نشر في مارس 2026، إلى تشجيع المصنعين المحليين على توفير جزء أكبر من هذه المعدات.

إلى جانب الأغشية، تطرح الطاقة تحدياً موازياً. تستهلك عملية التناضح العكسي ما بين أربعة وخمسة كيلوواط ساعي لكل متر مكعب من الماء. وهو ما دفع الشركة، بحسب تصريح مسؤول الاتصال فيها مولود حشلاف لوكالة الأنباء الجزائرية في فبراير 2026، إلى إدماج تقنيات متقدمة تدريجياً لخفض استهلاك الكهرباء في محطاتها. أما الصيانة وقطع الغيار، فتبقى الحلقة الأقل ظهوراً إعلامياً رغم كونها الأكثر تكراراً على المدى الطويل، إذ تواجه المحطات القائمة تحديات تتعلق بانسداد نقاط سحب المياه وتآكل الأغشية بمرور الوقت.

الاتفاقيات الثلاث الموقعة في يونيو 2026 تستهدف ملفاً مختلفاً: تثمين المياه المالحة الناتجة عن التحلية، التي تحتوي على معادن وأملاح ذات قيمة صناعية، أبرزها الكلور والمغنيزيوم والليثيوم. الاتفاقية الأولى مع الديوان الوطني للبيئة تتعلق بالمراقبة البيئية وتبادل المعطيات. أما الثانية مع المديرية العامة للبحث العلمي فتستهدف تشجيع مشاريع البحث التطبيقي حول تحويل الأملاح والمواد المعدنية إلى منتجات صناعية. والثالثة مع جامعة ورقلة تخص التكوين والتأطير العلمي. وأوضحت وزيرة البيئة كوثر كريكو أن هذا التوجه يعكس انتقالاً من منطق معالجة النفايات التقليدي إلى منطق التثمين ضمن اقتصاد دائري.

هذا التحول ليس معزولاً عن مسار بدأته الشركة قبل أسابيع من توقيع الاتفاقيات. ففي مطلع يونيو 2026، وعلى هامش الطبعة الثانية للملتقى الوطني حول تحلية مياه البحر، أعلن مدير التطوير بالشركة سفيان زميش عن إطلاق دراسات جدوى تشمل استغلال الهيدروجين الأخضر وتثمين المياه الجوفية الصحراوية، إلى جانب تثمين المياه المالحة. ووصف الهيدروجين الأخضر بأنه »قطاع واعد« يستحق اهتماماً خاصاً في إطار التحول الطاقوي. وتحظى محطة فوكة 2، التي دخلت الخدمة في فبراير 2025 بطاقة 300 ألف متر مكعب يومياً، بأولوية في هذه التجارب البحثية.

تندرج هذه الجهود ضمن الاستراتيجية الوطنية للمياه للفترة 2021-2030، التي تراهن على رفع نسبة تغطية احتياجات الشرب من التحلية من 42 إلى 60 بالمئة بحلول نهاية العقد. ولتحقيق هذا الهدف، تعتزم الجزائر رفع عدد محطاتها من 19 إلى 27 محطة، بطاقة إنتاجية إجمالية تصل إلى 5.7 مليون متر مكعب يومياً، تخدم أكثر من 28 مليون نسمة. أكد الرئيس المدير العام للشركة لحسن بادة هذه الأهداف في حوار صحفي نشر في أبريل 2026. وقد أُنجزت آخر خمس محطات كبرى في 25 شهراً فقط، بتعبئة نحو 10 آلاف عامل بشكل متواصل.

هذه الوتيرة تضع الجزائر، بحسب بيانات الشركة نفسها، في مرتبة الدولة الأولى أفريقياً والثانية عربياً ومتوسطياً من حيث الطاقة الإنتاجية للتحلية. غير أن حجم الاستثمار الضخم في البنية التحتية يطرح سؤالاً لم يُطرح بنفس الإلحاح حتى الآن: هل يمكن تحويل هذه الخبرة التراكمية إلى قيمة اقتصادية تتجاوز حدود السوق الداخلية؟

لم تعد تحلية المياه في الجزائر مجرد إجراء لتأمين الحنفيات. فهي تتحول تدريجياً إلى ورقة يقاس نجاحها الاقتصادي بقدرة القطاع على تصدير خبرته الهندسية، لا بالاكتفاء باستيراد معداته. مؤسسة كوسيدر، التي شاركت في بناء عدد من محطات التحلية الكبرى خلال مدد قياسية لم تتجاوز عامين لكل محطة، تملك طموحات معلنة لدخول أسواق أفريقية. وتستفيد الشركة من تجربتها في تنفيذ محطات صغيرة ومتوسطة وكبيرة الحجم، بحسب تقرير نشره موقع اقتصادي جزائري متخصص في فبراير 2026.

المقارنة مع المغرب تكشف حجم التحدي الذي لا يزال قائماً. فبينما تسعى الرباط إلى رفع معدل الإدماج الصناعي المحلي في قطاع التحلية من 35 إلى 70 بالمئة خلال العقد المقبل، عبر خارطة طريق من ثلاث مراحل، بحسب ما نقله موقع اقتصادي مغربي متخصص في مايو 2026، لا تزال الجزائر عند عتبة 30 بالمئة من الإدماج المحلي. الفارق يوضح أن التحول من دولة تبني محطات إلى دولة تصنع سلسلة قيمة كاملة يتطلب أفقاً زمنياً يمتد لسنوات وليس لأشهر.

على المستوى العالمي، تشير تقديرات قطاعية إلى أن حجم سوق المياه يتجاوز 800 مليار دولار، مع نمو سنوي يتراوح بين 6 و8 بالمئة. في المقابل، لا تتجاوز حصة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من هذا السوق نحو 7 بالمئة، رغم أنها من أكثر المناطق تعرضاً لندرة المياه. هذا الفارق بين الحاجة الفعلية والحصة السوقية يفتح هامشاً لدول مثل الجزائر إن نجحت في بناء سلسلة صناعية متكاملة بدل الاكتفاء بتشغيل محطات مستوردة المعدات.

نتائج دراسات الجدوى التي أعلنت عنها الشركة الجزائرية لتحلية مياه البحر حول الهيدروجين الأخضر وتثمين المياه المالحة، إلى جانب مسار رفع معدل الإدماج المحلي، ستحدد خلال الأشهر المقبلة ما إذا كان قطاع التحلية سيبقى أداة لتأمين الحاجة الداخلية، أم سيتحول إلى رافعة صناعية تصديرية.


المصادر

  1. وكالة الأنباء الجزائرية – توقيع ثلاث اتفاقيات تعاون في مجالات البيئة والبحث والتكوين
    https://www.aps.dz/fr/algerie/sante-et-environnement/mqf66y3d-signature-de-trois-accords-de-cooperation-dans-les-domaines-de-l-environnement-la-recherche-et-la-formation – نشر في: 15 يونيو 2026 – تاريخ الاطلاع: 14 أغسطس 2026
  2. وكالة الأنباء الجزائرية – محطات التحلية: الشركة الجزائرية لتحلية مياه البحر تعتمد حلولاً مبتكرة للتحكم في الطاقة
    https://www.aps.dz/fr/economie/industrieenergie-et-mines/ml6opj99-usines-de-dessalement-l-adc-adopte-des-solutions-innovantes-pour-maitriser-l-energie – نشر في: 3 فبراير 2026 – تاريخ الاطلاع: 14 أغسطس 2026
  3. الشركة الجزائرية لتحلية مياه البحر – سوناطراك تعلن تغيير اسم فرعها من الشركة الجزائرية للطاقة إلى الشركة الجزائرية لتحلية مياه البحر
    https://algerie-eco.com/2025/10/14/sonatrach-aec-devient-algerian-desalination-company-adc/ – نشر في: 14 أكتوبر 2025 – تاريخ الاطلاع: 14 أغسطس 2026
  4. موقع ماغرب إيمرجنت – تحلية المياه: سوناطراك توقع ثلاث اتفاقيات أكاديمية لتثمين المياه المالحة
    https://maghrebemergent.news/fr/dessalement-sonatrach-signe-trois-accords-academiques-pour-valoriser-la-saumure/ – نشر في: 15 يونيو 2026 – تاريخ الاطلاع: 14 أغسطس 2026
  5. موقع ماغرب إيمرجنت – تحلية المياه: سوناطراك تستكشف الهيدروجين الأخضر وتثمين المياه المالحة
    https://maghrebemergent.news/fr/dessalement-sonatrach-explore-lhydrogene-vert-et-la-valorisation-de-la-saumure/ – نشر في: 3 يونيو 2026 – تاريخ الاطلاع: 14 أغسطس 2026
  6. صحيفة الوطن – حوار مع الرئيس المدير العام للشركة الجزائرية لتحلية المياه لحسن بادة
    https://elwatan.dz/lahcene-bada-pdg-de-lalgerian-desalination-company-adcfiliale-du-groupe-sonatrach-nous-mettons-definitivement-lalgerie-a-labri-du-stress-hydrique/ – نشر في: 5 أبريل 2026 – تاريخ الاطلاع: 14 أغسطس 2026
  7. موقع إيكوتايمز الجزائري – تحلية مياه البحر والأمن المائي: كيف تستبق الجزائر الأثر السلبي للتغير المناخي
    https://ecotimesdz.com/algerie-securite-hydrique-strategie-dessalement-2030/ – نشر في: 11 فبراير 2026 – تاريخ الاطلاع: 14 أغسطس 2026
  8. موقع ميدياس24 المغربي – تحلية المياه: ثمانية إلى عشر سنوات لتغيير المستوى الصناعي
    https://medias24.com/2026/05/01/dessalement-8-a-10-ans-pour-changer-dechelle-industrielle-amine-mohamed-1669693/ – نشر في: 1 مايو 2026 – تاريخ الاطلاع: 14 أغسطس 2026

بقلم: يوسف عبد الله
المصدر ALAHRAR.NET

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

يوسف عبد الله
يوسف عبد اللهhttps://alahrar.net/
يوسف عبد الله صحفي اقتصادي يتابع قضايا الأسواق والطاقة والاستثمار وريادة الأعمال والتنمية المستدامة. يهتم بتحليل المؤشرات الاقتصادية وشرح أثر القرارات المالية في الشركات والأسر والمجتمعات، كما يتابع التحولات المرتبطة بالطاقة النظيفة والأمن الغذائي والمياه. يحرص في كتاباته على تقديم الأرقام في سياق واضح، بعيداً عن المصطلحات المعقدة والمبالغة.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة