خلال أسبوع واحد فقط، وثقت مصادر مقدسية اقتحام أكثر من 1489 مستوطناً باحات المسجد الأقصى بحماية شرطة الاحتلال والقوات الخاصة، وسط استمرار القيود المفروضة على دخول المصلين الفلسطينيين. وبلغ عدد المقتحمين خلال ما يُعرف إسرائيلياً بذكرى “خراب الهيكل”، يومي 23 و24 تموز/يوليو، أكثر من 3200 مستوطن في يوم واحد. في موازاة ذلك، كشفت صور الأقمار الصناعية عن جدار ترابي إسرائيلي يمتد على أكثر من 23 كيلومتراً داخل قطاع غزة، فيما تتوسع خطة استيطانية في الضفة الغربية تشمل مئة بؤرة جديدة داخل المناطق المصنفة (أ) و(ب) وفق اتفاقيات أوسلو، وهي مناطق كانت حتى وقت قريب تحت سيطرة إدارية فلسطينية كاملة أو مشتركة.
3200 مستوطن في يوم واحد: الأقصى بين ذكرى دينية ومطالب بالاقتحام الليلي
نظّمت منظمات استيطانية تُعرف بجماعات “الهيكل المزعوم” حملة حشد واسعة لإدخال أكثر من خمسة آلاف مستوطن إلى باحات المسجد الأقصى، مطالبة بالسماح بالاقتحام الليلي عقب ما تسمى “مسيرة السيادة”. وأدانت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية هذه الدعوات، معتبرة أنها تمثل محاولة لتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في الموقع. شارك وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير شخصياً في أحد الاقتحامات، وهو ما اعتبرته الرئاسة الفلسطينية مؤشراً على تحول الاقتحامات من نشاط جماعات هامشية إلى سياسة تحظى بغطاء حكومي مباشر. وأصدر وزراء خارجية ثماني دول عربية وإسلامية بياناً مشتركاً حذروا فيه من استمرار الاقتحامات تحت حماية القوات الإسرائيلية ورفع العلم الإسرائيلي داخل الباحات، فيما جددت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية إدانتها معتبرة الأمر انتهاكاً جسيماً لحرمة المقدسات الإسلامية.
مئة بؤرة داخل المدن الفلسطينية: من حزام الاستيطان إلى الاختراق الداخلي
تختلف الخطة الاستيطانية الحالية عن الموجات السابقة في طبيعتها الجغرافية أكثر من حجمها. فبدل الاكتفاء بإحاطة التجمعات الفلسطينية بأحزمة استيطانية خارجية، تستهدف الخطة إقامة مئة بؤرة استيطانية داخل المنطقتين (أ) و(ب) أنفسهما، أي داخل الرقعة التي تحتفظ فيها السلطة الفلسطينية نظرياً بصلاحيات إدارية أو أمنية. ويرى محللون فلسطينيون أن هذا الانتقال من التطويق الخارجي إلى الاختراق الداخلي يجعل أي انسحاب استيطاني مستقبلي أكثر تعقيداً سياسياً وأمنياً. صادقت الحكومة الإسرائيلية في الوقت نفسه على تخصيص 337.8 مليون دولار لبناء مستوطنات جديدة وربطها بالبنية التحتية، إضافة إلى أكثر من 100 مليون شيكل لتخطيط بؤر إضافية. ووثقت محافظة القدس وحدها 269 اعتداءً للمستوطنين خلال النصف الأول من عام 2026، مع ارتفاع عدد البؤر في المحافظة إلى 23 بؤرة تحاصر 37 تجمعاً بدوياً يقطنه أكثر من سبعة آلاف مواطن.
23 كيلومتراً من التراب: كيف تعيد إسرائيل رسم خريطة غزة ميدانياً
يقيم الجيش الإسرائيلي ساتراً ترابياً مرتفعاً يمتد على طول أكثر من نصف مساحة قطاع غزة الخاضعة لسيطرته، عند الحد المعروف بـ”الخط الأصفر”، وهو الخط الذي انسحبت إليه القوات الإسرائيلية بموجب اتفاق وقف إطلاق النار مع حركة حماس في تشرين الأول/أكتوبر الماضي. ووصف رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير هذا الخط بأنه “خط الحدود الجديد لإسرائيل، وخط دفاع أمامي للمستوطنات، وخط انطلاق للهجوم”، فيما أوضح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أن إسرائيل “بحاجة إلى حدود أوسع وقابلة للدفاع”، معتبراً حدود 1967 “غير قابلة للدفاع”. ورصدت منظمة “بتسيلم” الحقوقية الإسرائيلية تدمير نحو 1500 مبنى داخل الخط الأصفر بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، بينما وثقت الأمم المتحدة مقتل ما لا يقل عن 224 فلسطينياً قرب الخط حتى نهاية شباط/فبراير 2026. ويربط باحثون في معهد الدوحة للدراسات هذا المسار بمسار مشابه استحدثته إسرائيل جنوب لبنان، حيث فرضت منطقة عازلة بعمق يتراوح بين 4 و10 كيلومترات على طول الحدود.
محكمة العدل الدولية والأمين العام للأمم المتحدة: موقف قانوني واحد
خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وهو الموقف الذي استند إليه الأمين العام للأمم المتحدة عندما أعرب عن قلقه إزاء قرارات إسرائيلية جديدة بشأن الضفة الغربية، داعياً إسرائيل إلى العدول عنها والحفاظ على حل الدولتين التفاوضي باعتباره المسار الوحيد لسلام دائم يتوافق مع قرارات مجلس الأمن. وفي موقف مماثل، اعتبرت المفوضة السامية السابقة لحقوق الإنسان أن الضم غير قانوني “سواء شمل 30% أو 5% من أراضي الضفة الغربية”. من جهته، صرّح وزير الخارجية الألماني بأن “القانون الدولي هو العامل الحاسم، ولا ينبغي السماح بأي ضم فعلي أحادي الجانب”، في وقت وقّعت فيه مجموعة من الدول بياناً مشتركاً يدعو الشركات إلى الامتناع عن المشاركة في مناقصات البناء بمنطقة E1 المحيطة بالقدس. أما مؤسسة الدراسات الفلسطينية فتخلص إلى أن مخططات الضم تستهدف تحديداً منطقة الأغوار شرق الضفة، ومنطقة E1 المحيطة بالقدس، ومنطقة G غرب الضفة، وهي المناطق التي تحتفظ فيها إسرائيل بالسيطرة الأمنية بموجب اتفاق أوسلو.
الرواية الإسرائيلية الرسمية: التبرير الأمني مقابل التوسع المكاني
تربط الحكومة الإسرائيلية إجراءاتها في الضفة الغربية بما تصفه بتهديد أمني متواصل، مؤكدة أن “الإرهاب في يهودا والسامرة لا يزال يشكل خطراً على مواطني إسرائيل”، وهو التبرير الذي استُخدم لتسريع شرعنة المزارع الاستيطانية القائمة وإنشاء مزارع جديدة عقب كل عملية مسلحة. وفي القدس، تقول الرواية الرسمية الإسرائيلية إن نصب بوابات حديدية عند مداخل الأقصى إجراء أمني بحت في ظل تكرار اقتحامات جماعات متطرفة، بينما يرى منتقدون أن هذه الإجراءات امتداد للقيود المفروضة على الوصول إلى الموقع. ويشير محللون إلى أن هذا التوجه يتزامن مع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في تشرين الأول/أكتوبر 2026، في ظل سعي حكومة بنيامين نتنياهو إلى إبقاء الملف الفلسطيني في صدارة المشهد الأمني والسياسي. لافتاً للانتباه أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي نفسه حذر من أن استمرار الضغط على الموارد والقوة البشرية قد يستنزف المؤسسة العسكرية، وهو تحذير صادر من داخل المنظومة الأمنية ذاتها التي تستند إليها الحكومة لتبرير سياساتها.
ما الذي يتبقى من حل الدولتين؟
لم يعد اقتحام الأقصى وتوسع البؤر الاستيطانية وبناء الجدار الترابي في غزة ملفات تُدار بجداول زمنية منفصلة: تقاطعت الأشهر الأخيرة من عام 2026 بين الجبهات الثلاث بوتيرة متسارعة، وفي كل منها إجراء ميداني يقلّص هامش أي تسوية سياسية مستقبلية. فبينما تصر الحكومة الإسرائيلية على تصنيف كل ملف كإجراء أمني قائم بذاته، يخلص باحثون فلسطينيون ودوليون إلى أن الأثر المجمّع لهذه الإجراءات يقطع أوصال الجغرافيا الفلسطينية بين شمال الضفة وجنوبها، ويفصل القدس عن محيطها، ويقلّص مساحة الحياة الممكنة داخل قطاع غزة. تبقى الأسابيع المقبلة اختباراً لمسار ثانٍ من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وللموقف الذي ستتخذه الدول الموقعة على بيان مايو/أيار 2026 حيال تنفيذ تعهداتها بشأن حل الدولتين.
مصادر
- الأمم المتحدة في فلسطين – بيان الأمين العام بشأن قرار إسرائيلي جديد يتعلق بالضفة الغربية المحتلة https://palestine.un.org/ar/309764 – تم الاطلاع في 27 يوليو 2026
- وكالة وفا (الأنباء الفلسطينية الرسمية) – أبرز عناوين الصحف الفلسطينية، 25 يوليو 2026 https://www.wafa.ps/news/2026/7/25/ – تم الاطلاع في 27 يوليو 2026
- الجزيرة نت – الاحتلال يستعد لتوسيع عملياته في الضفة.. فما أبرز أهدافه؟ https://www.aljazeera.net/politics/2026/7/1/ – تم الاطلاع في 27 يوليو 2026
- مونت كارلو الدولية (RFI بالعربية) – جدار ترابي جديد وتوسيع الخط الأصفر: إسرائيل تعيد رسم خريطة قطاع غزة ميدانياً https://www.mc-doualiya.com/الشرق-الأوسط/20260722 – تم الاطلاع في 27 يوليو 2026
- صحيفة القدس – خطة استيطانية تستهدف قلب الضفة الغربية: مئة بؤرة جديدة تدفع نحو إنهاء عملي لاتفاق أوسلو https://www.alquds.com/ar/posts/248746 – تم الاطلاع في 27 يوليو 2026
- مؤسسة الدراسات الفلسطينية – مخططات ضم أراضٍ فلسطينية محتلة في ميزان القانون الدولي https://www.palestine-studies.org/ar/node/1650186 – تم الاطلاع في 27 يوليو 2026
- مركز الدوحة للدراسات (معهد الدوحة) – الخط الأصفر: الاستراتيجية الإسرائيلية في إنشاء المناطق العازلة https://www.dohainstitute.org/ar/PoliticalStudies/Pages/the-yellow-line-israeli-strategy-in-creating-buffer-zones.aspx – تم الاطلاع في 27 يوليو 2026
أحمد ناصر



