حطّت طائرة بيدرو سانشيز في مطار هواري بومدين قادمة مباشرة من نيويورك، حيث كان قد حضر مساء الأحد نهائي كأس العالم الذي جمع إسبانيا بالأرجنتين، دون أي توقف في مدريد. واستقبل الرئيس عبد المجيد تبون ضيفه في قصر المرادية لعقد محادثات ثنائية رفيعة المستوى، أعقبها اجتماع عمل مع رئيس الحكومة لضبط آليات المرحلة الجديدة من التعاون، من بينها إحياء اللجان المشتركة الجزائرية الإسبانية. ورافق هذه الزيارة الخاطفة، التي لم تتجاوز ساعات معدودة، منتدى أعمال جزائري إسباني يهدف إلى ترجمة هذا الانفتاح السياسي إلى نتائج اقتصادية ملموسة. ورغم قصر مدة الزيارة، فإن رمزيتها تتجاوز بكثير الساعات المحدودة المخصصة لها في برنامج اليوم.
الغاز في صدارة الأجندة: نحو 1.8 مليار متر مكعب إضافية عبر مدغاز
تتصدر ملفات الطاقة أجندة سانشيز بلا منازع، إذ ضمّ الوفد المرافق له وزيرة الانتقال البيئي والتحول الطاقوي سارة أخيسن، إلى جانب مسؤولين تنفيذيين من أربع شركات إسبانية كبرى هي ناتورخي وريبسول وإيناغاس ومويفي. وبحسب مصادر حكومية إسبانية نقلتها الصحافة المدريدية، تسعى مدريد إلى رفع وارداتها من الغاز الجزائري بما يصل إلى 1.8 مليار متر مكعب إضافية، موزعة بين 0.4 و0.8 مليار متر مكعب عبر أنبوب مدغاز، وما بين 0.5 و1 مليار متر مكعب في شكل غاز طبيعي مسال تنقله ناقلات متخصصة.
ويربط أنبوب مدغاز، الذي يصل بني صاف الجزائرية بمدينة ألميريا الإسبانية، البلدين عبر خط النقل المباشر الوحيد بينهما منذ إغلاق أنبوب المغرب أوروبا عام 2021. وترتفع طاقته الحالية إلى نحو 10.6 مليارات متر مكعب سنويا، بعد أن وافقت الجزائر خلال الربيع الماضي على رفع معدل الضخ اليومي من 28 إلى 32 مليون متر مكعب. في المقابل، تملك مؤسسة سوناطراك 51 بالمائة من رأسمال شركة مدغاز، وتسعى إلى الحصول على التزامات ثابتة بشأن استغلال طاقة الأنبوب لضمان عائداتها، فيما تفضل الشركات الإسبانية هامشا أكبر من المرونة التعاقدية تبعا لتقلبات السوق الطاقوي.
وأظهرت بيانات شركة إيناغاس أن الجزائر باتت منذ مطلع 2026 المورد الأول للغاز الطبيعي إلى إسبانيا، بعد أن بلغت الإمدادات خلال النصف الأول من السنة 64230 غيغاواط ساعة، بزيادة 4 بالمائة على أساس سنوي.
مويفي والهيدروجين الأخضر: البعد الاستشرافي للشراكة الطاقوية
لا تقتصر أجندة الوفد الإسباني على الغاز التقليدي، فحضور شركة مويفي، المعروفة سابقا باسم سيبسا، والمتخصصة في الوقود المستدام والجزيئات منخفضة الكربون، يفتح الباب أمام الشق الأكثر استشرافا في هذه الشراكة، وهو الهيدروجين الأخضر. وتملك الجزائر مقومات طبيعية تؤهلها لأن تصبح لاعبا في هذه السوق الناشئة، أبرزها معدل التشمس المرتفع والموقع الجغرافي القريب من الممرات الطاقوية المستقبلية نحو أوروبا.
ويأتي هذا الاهتمام في وقت تسعى فيه دول أوروبية عدة إلى تنويع مصادر إمداداتها من الطاقة النظيفة بعيدا عن الاعتماد الحصري على الهيدروكربونات. غير أن كلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر لا تزال مرتفعة مقارنة بالغاز الطبيعي، ما يجعل من هذا الملف مسارا متوسط المدى أكثر منه التزاما فوريا قابلا للتنفيذ الآني.
من التجميد إلى إعادة التفعيل: مسار أربع سنوات لمعاهدة 2002
على الصعيد الدبلوماسي، يُنتظر أن تشكل هذه الزيارة محطة رمزية بارزة، إذ ترجّح مصادر متطابقة أن تكون مناسبة للإعلان الرسمي عن إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقعة بين البلدين عام 2002، والتي جُمّدت إثر أزمة 2022. واندلعت تلك الأزمة بعد أن غيّرت مدريد موقفها من قضية الصحراء الغربية لصالح مخطط الحكم الذاتي المغربي، فردّت الجزائر باستدعاء سفيرها وتعليق الاتفاقيات الثنائية.
ومنذ ذلك الحين، سار مسار التقارب بخطى متدرجة: تعيين سفير جزائري جديد في مدريد عام 2023، ثم استئناف جزئي للمبادلات التجارية عام 2024، تلتها زيارة وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى الجزائر في مارس 2026، وهي الأولى من نوعها منذ اندلاع الأزمة. وأثمر هذا المسار نتائج ملموسة وقابلة للقياس، إذ ارتفعت التدفقات اليومية عبر مدغاز عقب زيارة ألباريس من 28 إلى 32 مليون متر مكعب، في مؤشر على أن الانفراج السياسي يترجم بسرعة إلى أحجام إضافية من الغاز.
ولا يقتصر ما يجري على تبادل الزيارات، فالتقارب بين الجزائر ومدريد يعكس إعادة تموضع أوسع في خريطة الشراكات الطاقوية الأوروبية مع منطقة المتوسط، في ظل التوترات المتصاعدة التي تهدد إمدادات الغاز من الشرق الأوسط.
الهجرة غير النظامية والساحل على طاولة النقاش أيضا
تتجاوز المباحثات بين تبون وسانشيز الملف الثنائي لتشمل قضايا إقليمية باتت تفرض نفسها على الأجندة المتوسطية، أبرزها الوضع في منطقة الساحل، والتنسيق الأمني، ومكافحة الهجرة غير النظامية. وتحظى هذه الملفات بأهمية متزايدة لدى مدريد، التي تواجه ضغطا متصاعدا على جزر الكناري نتيجة تدفقات المهاجرين القادمين من غرب أفريقيا، ما يجعل من الجزائر، بوصفها فاعلا محوريا في إدارة هذه التدفقات، شريكا لا يمكن لإسبانيا الاستغناء عن التنسيق معه.
وأكد تبون، بحسب ما نقلته الرئاسة الجزائرية، أن المحادثات مع سانشيز كانت مثمرة وصريحة، ووصف الزيارة بأنها تحمل نفسا جديدا للعلاقات بين البلدين. من جهته، وصف سانشيز الجزائر بأنها شريك استراتيجي، مذكرا بأنها باتت منذ مطلع العام المورد الأول للغاز الطبيعي إلى بلاده.
اقتصاد يسعى لاستعادة مستواه ما قبل الأزمة
خلّفت قطيعة 2022 كلفة اقتصادية ثقيلة على الشركات الإسبانية، إذ تراجعت صادراتها نحو الجزائر من 1.9 مليار يورو عام 2021 إلى 332 مليون يورو فقط عام 2023. ومنذ مطلع 2026، تسارعت وتيرة عودة الشركات الإسبانية إلى السوق الجزائرية، غير أن حجم المبادلات لم يستعد بعد مستواه ما قبل الأزمة.
ويهدف منتدى الأعمال الجزائري الإسباني المنظم على هامش الزيارة تحديدا إلى سد هذه الفجوة، تجسيدا للرؤية التي عبّر عنها الرئيس تبون شخصيا حين دعا إلى الذهاب إلى أبعد حد ممكن في العلاقات الاقتصادية بين البلدين. وتبعث مدريد من جهتها إشارة واضحة عبر حشد كبريات شركاتها الصناعية في هذا التحرك، إذ تُعامل الشراكة مع الجزائر بوصفها أولوية استراتيجية لا مجرد تعديل ظرفي.
ومن المتوقع أن تفتح هذه الزيارة الرسمية الطريق أمام عقد اجتماع رفيع المستوى بين الحكومتين قبل نهاية السنة الجارية، وهو لقاء لم يُعقد بهذا الحجم بين الجزائر ومدريد منذ عام 2018. وستكشف الأسابيع المقبلة ما إذا كانت بنود معاهدة الصداقة المُعاد تفعيلها ستُترجم إلى التزامات تعاقدية ملموسة في ملفي الغاز والهيدروجين الأخضر.
المصادر
- Algérie360 – تقرير “Visite de Sánchez en Algérie : gaz, hydrogène vert et traité d’amitié au cœur des discussions”
https://www.algerie360.com/visite-de-sanchez-en-algerie-gaz-hydrogene-vert-et-traite-damitie-au-coeur-des-discussions/ – تاريخ الاطلاع: 21 يوليو 2026 - Maghreb Émergent – تقرير “L’Espagne vient chercher à Alger jusqu’à 1,8 milliard de mètres cubes de gaz en plus”
https://maghrebemergent.news/fr/lespagne-vient-chercher-a-alger-jusqua-18-milliard-de-metres-cubes-de-gaz-en-plus/ – تاريخ الاطلاع: 21 يوليو 2026 - ObservAlgerie – تقرير “Sanchez à Alger : voici la quantité de gaz supplémentaire ciblée”
https://observalgerie.com/2026/07/18/economie/sanchez-a-alger-voici-la-quantite-de-gaz-supplementaire-ciblee – تاريخ الاطلاع: 21 يوليو 2026 - Telquel.ma – تقرير “À Alger, le Premier ministre espagnol scelle la reprise des relations après des années de brouille”
https://telquel.ma/instant-t/2026/07/20/a-alger-le-premier-ministre-espagnol-scelle-la-reprise-des-relations-apres-des-annees-de-brouille_1999859/ – تاريخ الاطلاع: 21 يوليو 2026 - ObservAlgerie – تقرير “Algérie : Pedro Sanchez viendra avec tous les géants énergétiques de l’Espagne”
https://observalgerie.com/2026/07/15/economie/algerie-pedro-sanchez-viendra-avec-tous-les-geants-energetiques-de-lespagne – تاريخ الاطلاع: 21 يوليو 2026
ليلى منصور



