منذ 28 فبراير 2026، حين شنت الولايات المتحدة وإسرائيل غارات جوية مشتركة أسفرت عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين وتدمير أهداف عسكرية وحكومية، دخلت منطقة الشرق الأوسط في حرب مفتوحة ردت خلالها طهران بصواريخ ومسيّرات استهدفت إسرائيل وقواعد أمريكية ودولا حليفة لواشنطن، كما أغلقت مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. وبحسب مكتبة مجلس العموم البريطاني، توصل الطرفان في 8 أبريل إلى هدنة مؤقتة برعاية باكستانية مهدت الطريق أمام مفاوضات إسلام آباد التي أفضت في 17 يونيو إلى توقيع مذكرة تفاهم من 14 بندا. غير أن هذه المذكرة انهارت عمليا مطلع يوليو، لتعود الضربات المتبادلة بوتيرة شبه يومية وتتجدد التساؤلات حول مآل مفاوضات واشنطن وطهران حتى صباح يوم 20 يوليو، تاريخ إعداد هذا التقرير.
فانس يدافع عن الحوار وترامب يصفه بمضيعة الوقت
في وقت متزامن تقريبا، عبّر الطرفان عن استعدادهما النظري لاستئناف الحوار. فقد دافع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس عن جدوى الدبلوماسية مع إيران خلال حلقة بثت الأربعاء 15 يوليو من برنامج “ذا جو روغان إكسبيريينس”، مؤكدا أن الحرب لن تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، وأن التهديد غير المتماثل الذي تمثله القوات الإيرانية في مضيق هرمز يجعل الحل السياسي ضرورة. في المقابل، شكك ترامب علنا في جدوى استمرار المحادثات، معتبرا التعامل مع الإيرانيين مضيعة للوقت، وفق ما نقلته سي إن إن.
من الجانب الإيراني، أكد رئيس البرلمان ومفاوض طهران الرئيسي محمد باقر قاليباف أن بلاده تخوض صراعا وجوديا مع الولايات المتحدة، مشددا على أن طهران لم ترحب يوما بالحرب ولا ترحب بها الآن، لكنها ستبقى مستعدة للدفاع عن مصالحها بالتوازي مع انفتاحها على المسار الدبلوماسي. وحذّر قاليباف من أن بلاده لن تجد ما يدفعها إلى الاستمرار في الالتزام بالمذكرة إذا تكرر خرقها من الجانب الأمريكي. هذا التفاوت بين خطاب الانفتاح على الحوار ووتيرة الضربات اليومية يكشف حدود مذكرة تفاهم صيغت لوقف إطلاق النار الفوري أكثر مما صيغت لتفكيك الخلافات الجوهرية بين واشنطن وطهران.
من هدنة إسلام آباد إلى انهيار تفاهم واشنطن وطهران
جرت مفاوضات إسلام آباد يومي 11 و12 أبريل عبر عدة جولات مباشرة وغير مباشرة، بمشاركة وفد أمريكي بقيادة فانس والمبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في مواجهة وفد إيراني بقيادة قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، بوساطة باكستانية قادها رئيس الوزراء شهباز شريف. وبحلول 11 يونيو، ضاقت الفجوة بين الطرفين حول ثلاث نقاط رئيسية: الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وإعادة فتح مضيق هرمز، وآليات التعامل مع البرنامج النووي الإيراني خلال هدنة مدتها 60 يوما. وأسفرت هذه المفاوضات في 17 يونيو عن توقيع مذكرة تفاهم إسلام آباد من 14 بندا، أعلنت انتهاء الحرب وفتح المضيق تدريجيا أمام الملاحة التجارية، مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات وإطلاق أصول إيرانية مجمدة، على أن تُستكمل تفاصيل الملف النووي عبر لجان فنية.
بدأت هذه اللجان أعمالها في 21 و22 يونيو في مدينة بورغنستوك السويسرية، حيث انقسم العمل بين مجموعات متخصصة في الملف النووي والعقوبات والأمن البحري وتسوية الخلافات. غير أن هذا الزخم الفني لم يصمد طويلا: ففي 6 و7 يوليو، استهدفت إيران ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز، فردت الولايات المتحدة بتصعيد ضرباتها على أصول إيرانية، ليعلن ترامب اعتبار الهدنة منتهية. وفي 7 يوليو، ألغت واشنطن ترخيصا كان يسمح لإيران ببيع نفطها، معتبرة أن سلوك طهران في المضيق غير مقبول إطلاقا، وهو ما وصفه المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي بأنه دفع للمذكرة نحو الأزمة. ومنتصف يوليو، لوّح ترامب باحتمال تولي الولايات المتحدة السيطرة على مضيق هرمز مباشرة، فيما أعادت واشنطن يوم 15 يوليو فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية.
إسلام آباد والدوحة: وساطة نشطة أمام حدود واقعية
رغم انهيار المذكرة عمليا، نفت الخارجية الباكستانية التخلي عن دورها كوسيط. وقال المتحدث باسم الوزارة طاهر أندرابي في مؤتمر صحفي يوم 16 يوليو إن إسلام آباد لم تتخل عن الملف، مؤكدا أن الطرفين سيضطران في النهاية إلى العودة إلى طاولة المفاوضات لتسوية جميع القضايا العالقة. ويقود الفريق الباكستاني، إلى جانب شريف، رئيس أركان الجيش الفريق أول عاصم منير ونائب رئيس الوزراء إسحاق دار، وهو الفريق نفسه الذي أدار مفاوضات إسلام آباد في أبريل بعد جهد ليلي جنّب المسار الدبلوماسي الانهيار إثر ضربة إيرانية استهدفت منشأة بتروكيماوية سعودية.
في السياق ذاته، يبرز دور قطر بوصفها الوسيط الثاني في الملف، إذ تحتفظ في حساباتها بستة مليارات دولار من الأصول الإيرانية المجمدة من دون أن تكون قد حوّلتها إلى طهران حتى نهاية يونيو، وفق ما أكدته الدوحة نفسها. ويعكس هذا التعثر في تنفيذ البند 11 من المذكرة، الذي يلزم واشنطن بإتاحة الأصول الإيرانية المجمدة، حجم الفجوة بين النص الموقع والتطبيق الفعلي على الأرض.
أربع قضايا عالقة: الملاحة والعقوبات والملف النووي والأصول المجمدة
وراء الخطاب الدبلوماسي المتجدد، تبقى أربع قضايا جوهرية عالقة منذ توقيع مذكرة إسلام آباد.
الأولى تتعلق بالملاحة في مضيق هرمز: فقد نصّت المذكرة على مشاركة إيران في تحديد الإدارة المستقبلية للممر المائي، لكن حركة السفن التجارية تراجعت بشكل ملحوظ منذ منتصف يوليو، ولجأت بعض الناقلات إلى مسارات بديلة عبر السواحل العُمانية غير المعترف بها من طهران. كما أبدت دول أوروبية، ومنها بريطانيا، استعدادها نظريا لنشر مهمة دفاعية في المضيق، بحسب مكتبة مجلس العموم البريطاني، من دون أن يتضح بعد جدول زمني لذلك.
الثانية تخص العقوبات: فإلغاء واشنطن في 7 يوليو ترخيص تصدير النفط الإيراني أعاد أحد أهم مكاسب طهران من المذكرة إلى نقطة الصفر، في وقت لا تزال فيه العقوبات الأمريكية تشكل العصب الرئيسي للضغط على الاقتصاد الإيراني.
الثالثة، وربما الأعقد، هي البرنامج النووي: تركت مذكرة إسلام آباد هذا الملف عمدا لمرحلة تفاوضية ثانية بصياغة وصفها محللون بأنها فضفاضة، فيما نقل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بحسب مكتبة مجلس العموم البريطاني، أن أي اتفاق نهائي يجب أن يتضمن إزالة المخزون الإيراني من اليورانيوم المخصب وفرض سقف على البرنامج الصاروخي. وانتقد وزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير المذكرة معتبرا أن “اتفاق ترامب لا يلزمنا”.
الرابعة تتعلق بالأصول الإيرانية المجمدة في الخارج: فرغم التزام المذكرة بالإفراج عنها، لا تزال آليات التحويل الفعلي، بما فيها الأموال المودعة في قطر، عالقة من دون جدول زمني واضح.
ليلة القصف التاسعة وارتفاع فاتورة النفط
على الأرض، دخلت الولايات المتحدة ليلتها التاسعة من الضربات المتتالية على إيران مساء 19 يوليو، بعد إعلان الجيش الأمريكي مقتل جندي في العراق يوم السبت، غداة إعلان مقتل جنديين آخرين في هجوم إيراني بالأردن، حيث اعترضت الدفاعات الجوية الأردنية ثلاثة صواريخ إيرانية وسقط رابع في منطقة نائية. ويرفع ذلك عدد القتلى الأمريكيين في صفوف الجيش، وفق ما نقلته سي إن إن، إلى ما لا يقل عن 17 عسكريا منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير. وامتد التصعيد إلى خارج الأراضي الإيرانية مباشرة، إذ أفادت الجزيرة بأن الضربات طالت أيضا موقعا نوويا إيرانيا ومحطة لتحلية المياه في الكويت، في مؤشر على اتساع الرقعة الجغرافية للمواجهة.
انعكس التصعيد مباشرة على أسواق الطاقة: ارتفع سعر خام برنت نحو 3 في المئة ليقترب من 90.78 دولارا للبرميل يوم الأحد، فيما صعد الخام الأمريكي بنسبة مماثلة إلى نحو 84.85 دولارا، بينما اقترب متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة من 4 دولارات للغالون، أي أعلى بنحو 34 في المئة مقارنة بمستواه قبل اندلاع الحرب. وتراقب الجزائر، المصدّرة الرئيسية للنفط والغاز، تحركات الأسعار عن كثب، إذ يمنحها ارتفاعها متنفسا ماليا إضافيا.
في المقابل، لا يزال المسار الدبلوماسي حيا وإن كان هشا: فتمسك باكستان بدورها كوسيط يبقي الباب مواربا أمام استئناف مفاوضات تقنية جديدة، حتى وإن لم تحدد أي جهة رسمية موعدا لذلك حتى صباح 20 يوليو.
وبين تصريحات فانس المنفتحة على الحوار وتحذيرات قاليباف من انهيار الالتزام الإيراني، يبقى مصير مذكرة إسلام آباد رهينا بقدرة واشنطن وطهران على تحويل بنودها الأربعة عشر من نص موقع إلى التزامات قابلة للتنفيذ على الأرض.
المصادر
- أسوشيتد برس (عبر واشنطن بوست) – Hopes for US-Iran diplomacy still alive as fighting intensifies over the Strait of Hormuz
https://www.washingtonpost.com/politics/2026/07/16/iran-war-trump-strait-hormuz-negotiations/8eca3d96-814a-11f1-8a16-393bd03340b0_story.html – تاريخ الاطلاع: 20 يوليو 2026 - سي إن إن – US begins ninth night of strikes, Iran claims new wave of missiles launched
https://www.cnn.com/2026/07/19/world/live-news/iran-war-trump – تاريخ الاطلاع: 20 يوليو 2026 - سي إن إن – US says new strikes on Iran aimed at protecting vessels in Strait of Hormuz
https://www.cnn.com/2026/07/15/world/live-news/iran-war-trump – تاريخ الاطلاع: 20 يوليو 2026 - الجزيرة – Iran war updates: US attacks nuclear site; Kuwait desalination plant hit
https://www.aljazeera.com/news/liveblog/2026/7/19/iran-war-live-us-launches-new-strikes-trump-mourns-killed-soldiers – تاريخ الاطلاع: 20 يوليو 2026 - رويترز (عبر ذي إكسبريس تريبيون) – Why has the Iran-US ceasefire memorandum frayed?
https://tribune.com.pk/story/2618010/why-has-the-iran-us-ceasefire-memorandum-frayed – تاريخ الاطلاع: 20 يوليو 2026 - مكتبة مجلس العموم البريطاني – US-Iran ceasefire and nuclear talks in 2026
https://commonslibrary.parliament.uk/research-briefings/cbp-10637/ – تاريخ الاطلاع: 20 يوليو 2026
أحمد ناصر



