كيف توازن إسرائيل علاقتها الدقيقة بين الصين و الولايات المتحدة؟

تأسست لجنة إسرائيلية مكلفة بفرز الاستثمارات الصينية منذ عام 2019، لكن قراراتها لا تُنشر أبدًا وتبقى معاييرها غامضة. ويلخّص هذا الغموض المؤسسي إلى حد بعيد العلاقة الإسرائيلية-الصينية في مجملها: تعاون اقتصادي حقيقي، تلاحقه باستمرار متطلبات أمنية يفرضها الحليف الأميركي.

في 30 تشرين الأول/أكتوبر 2019، قررت اللجنة الوزارية الإسرائيلية لشؤون الأمن القومي إنشاء لجنة استشارية مكلفة بتقييم التداعيات الأمنية للاستثمارات الأجنبية، تحت ضغط دبلوماسي مباشر من إدارة ترامب وعقب مخاوف أُعرب عنها في واشنطن بشأن حجم الاستثمارات الصينية في الاقتصاد الإسرائيلي. ويندرج هذا القرار ضمن تاريخ طويل يمتد خمسة وعشرين عامًا، اصطدم خلاله كل تعميق للعلاقة الصينية-الإسرائيلية، عاجلًا أم آجلًا، بفيتو أو ضغط أميركي صريح.

قضية “فالكون”، سابقة تأسيسية لقيد أميركي

وقّعت إسرائيل والصين عام 1996 اتفاقًا يتعلق ببيع منظومة الرادار الجوي “فالكون”، بهدف تزويد سلاح الجو الصيني بأول قدرة متقدمة على الرصد بعيد المدى. ولم تعترض واشنطن، رغم علمها بالأمر منذ البداية، علنًا إلا في تشرين الأول/أكتوبر 1999، قبل أن تهدد في نيسان/أبريل 2000 بتعليق جزء من مساعداتها العسكرية لإسرائيل في حال استمرار الصفقة، خشية أن تخلّ هذه المنظومة بالتوازن العسكري في مضيق تايوان. وفي 12 تموز/يوليو 2000، على هامش قمة كامب ديفيد، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك إلغاء الصفقة بحضور الرئيس الأميركي بيل كلينتون.

وتوضح تسوية هذه القضية الكلفة الفعلية للتبعية الإسرائيلية لواشنطن. فقد دفعت إسرائيل في آذار/مارس 2002 تعويضًا قدره 350 مليون دولار لبكين، وهو مبلغ يفوق الـ160 مليون دولار التي كانت الصين قد دفعتها بالفعل كدفعات مقدمة. وطوّرت الصين لاحقًا منظومتها الخاصة للرصد الجوي، طراز “كيه جيه-2000″، التي دخلت الخدمة عام 2004، دون أن تستعيد أبدًا التعاون العسكري المباشر الذي كانت تأمل الحصول عليه من إسرائيل في هذا الملف تحديدًا.

إعادة الانطلاق المدنية عام 2013، ثم التشديد الجديد

استعادت العلاقة زخمًا جديدًا عام 2013، عام زيارة بنيامين نتنياهو إلى بكين، التي أعادت إطلاق التعاون الثنائي على أرضية انتقلت إلى المجال المدني: العلوم والتكنولوجيا ومشاريع البنية التحتية الصينية والاستثمارات المتنامية في الاقتصاد الإسرائيلي. وتزامنت هذه المرحلة مع صعود الصين كمستثمر في التكنولوجيا الفائقة الإسرائيلية، وهو قطاع يعتبره اقتصاد البلاد استراتيجيًا لنموه.

ووضعت الحرب التجارية الصينية-الأميركية، التي بدأتها إدارة ترامب الأولى، حدًا لهذا القوس النسبي من الانفراج. إذ ضغطت واشنطن آنذاك على مجمل حلفائها، بمن فيهم إسرائيل، للحد من الاستثمارات الصينية في قطاعات تُعتبر حساسة. وفي هذا السياق تحديدًا وُلدت، في نهاية عام 2019، اللجنة الاستشارية الإسرائيلية لتقييم الاستثمارات الأجنبية.

لجنة فرز فعاليتها غامضة

تظل اللجنة المنشأة عام 2019 خالية من أي سلطة إلزامية: إذ تقتصر على دور استشاري لدى الجهات التنظيمية القطاعية، التي يمكنها طلب رأيها طوعًا. ولا تُنشر قراراتها أبدًا، وتبقى المعايير التي توجه تقييماتها غامضة، ما يعني أن آلية الفرز الإسرائيلية لا تتوافق بشكل كامل مع المبادئ التوجيهية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في هذا المجال، وفق تحليل مقارن نُشر أواخر عام 2025.

غير أن حالة موثقة تتيح رصد عملها الفعلي. ففي قضية خطي الترامواي الأخضر والبنفسجي في تل أبيب، درست اللجنة الملف منذ كانون الثاني/يناير 2020، حتى قبل أن تُثار رسميًا مخاوف محددة بشأن المشاركة الأجنبية. وأكدت المحكمة الإدارية التي رفع أمامها أحد المرشحين المستبعدين شكواه أن استبعاد مجموعة “China Railway Construction Corp” الصينية العامة استند إلى أسباب اقتصادية بحتة، عرض اعتُبر منخفضًا بشكل غير طبيعي، لا إلى تأثير سياسي أو أمني من اللجنة. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2022، خفّض قرار تكميلي عتبة تفعيل الرقابة من 50% إلى 20% من نسبة المشاركة الأجنبية، مع عتبة أدنى تبلغ 5% في الحالات التي تُعتبر حساسة بشكل خاص، ورفع وزارة الخارجية من صفة مراقب إلى عضو كامل في اللجنة.

ميناء حيفا، نزاع لم يُحسم بعد

يبقى أبرز ملف يجسد هذا التوتر هو الامتياز الممنوح عام 2015 لمجموعة “Shanghai International Port Group” لتشغيل المحطة الجديدة في ميناء حيفا، بموجب عقد بقيمة 1.7 مليار دولار يمتد على خمسة وعشرين عامًا. وبدأت العمليات التجارية في أيلول/سبتمبر 2021. وتعتبر السلطات الأميركية أن الرافعات المصنّعة في الصين والمُركّبة في الموقع تشكل خطر تجسس قد يؤثر في تحركات سفن البحرية الأميركية التي ترسو بانتظام على مقربة منها، إذ تبعد القاعدة البحرية الإسرائيلية أقل من كيلومترين عن المحطة.

ورفضت إسرائيل طلبًا أميركيًا بتفتيش الموقع في شباط/فبراير 2021، وأثار مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) ويليام بيرنز هذه المخاوف مباشرة أمام رئيس الوزراء نفتالي بينيت بعد أشهر قليلة. ويظل الملف دون حل بحلول صيف عام 2026: إذ لا تزال مقالات متخصصة توثق المخاوف الأميركية المرتبطة بتوقف سفن البحرية الأميركية في حيفا، في سياق تحافظ فيه واشنطن على وجود عسكري معزز في الشرق الأدنى، خصوصًا منذ بداية الحرب مع إيران.

اليد العاملة الصينية، رافعة ضغط متكتّمة

نص اتفاق وُقّع عام 2017 بين تل أبيب وبكين على إرسال 6 آلاف عامل بناء صيني لسد النقص في السكن في إسرائيل، مع اشتراط صريح من الجانب الصيني بألا يُلحق هؤلاء العمال أبدًا بمستوطنات الضفة الغربية. وبلغ عددهم نحو 30 ألفًا عام 2023. وغادر جزء كبير منهم البلاد بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وأشارت بكين آنذاك إلى نيتها عدم إرسال بدلاء عنهم، وهي إشارة تباعد سياسي نادرًا ما عُلّق عليها في الصحافة الفرنسية لكن وثّقتها عدة تحليلات متخصصة.

وسعت الحكومة الإسرائيلية منذ ذلك الحين إلى سد هذا الفراغ عبر مسارات أخرى: فوفق بيانات نُشرت مطلع عام 2026، يتجاوز العدد الإجمالي للعمال الأجانب في إسرائيل الآن 227 ألف عامل، مع توظيف موجّه نحو تايلاند والهند وأوزبكستان لقطاع البناء، إلى جانب عدد أقل بكثير من الوافدين الصينيين الجدد.

اللعبة الصينية المزدوجة في الأمم المتحدة، بين حق النقض والخطاب

يظهر التباين بين السجل الدبلوماسي والسجل الاقتصادي للعلاقة بوضوح في مجلس الأمن الدولي. ففي 25 تشرين الأول/أكتوبر 2023، انضمت الصين إلى روسيا لاستخدام حق النقض ضد مشروع قرار أميركي بشأن غزة. وفي 22 آذار/مارس 2024، فعلت الأمر نفسه أمام قرار أميركي يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار ويدين للمرة الأولى صراحة هجوم حماس في السابع من أكتوبر، وهو نص أيّده مع ذلك أحد عشر عضوًا من أصل خمسة عشر في مجلس الأمن.

ويتعايش هذا الموقف الدبلوماسي دون قطيعة ظاهرة مع استمرار التبادلات الاقتصادية الثنائية والإبقاء على امتياز ميناء حيفا، وهو تعايش لا تسعى الدبلوماسية الصينية إلى حله علنًا بشكل خاص.

معضلة يتشاركها حلفاء أميركيون آخرون

ليست إسرائيل الحليف الوحيد لواشنطن المضطر لموازنة علاقته مع بكين تحت ضغط أميركي مباشر. فقد شهدت كوريا الجنوبية جدلًا مماثلًا بعد نشر منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية “ثاد” على أراضيها في تموز/يوليو 2016: إذ أغلقت الصين غالبية متاجر مجموعة “لوتيه” الكورية الجنوبية على أراضيها، وعلّقت الرحلات السياحية المنظمة نحو كوريا الجنوبية، وقاطعت ثقافتها الشعبية، فيما قدّر معهد بحثي كوري جنوبي الخسائر الاقتصادية التراكمية بـ7.5 مليارات دولار في تقرير صدر عام 2017 وتناقلته وسائل إعلام عديدة. أما اليابان وأستراليا فواجهتا من جانبهما ضغطًا أميركيًا مماثلًا لاستبعاد شركتي المعدات الصينيتين “هواوي” و”زد تي إي” من شبكات الاتصالات من الجيل الخامس، وهو قرار تبنّاه البلدان في النهاية.

وما يميّز الحالة الإسرائيلية عن هذه السوابق ليس طبيعة الضغط الأميركي، المتشابهة بنيويًا، بل حجم التبعية الأمنية الإسرائيلية تجاه الولايات المتحدة، التي تترك للقدس هامش تفاوض أضيق بكثير من ذلك المتاح لسول أو طوكيو أو كانبيرا في مواجهة المعضلة ذاتها.

إسرائيل أمام الصين، هامش مناورة أضيق بكثير منه في حالة الهند

تكشف المقارنة مع الحالة الهندية، القريبة بنيويًا في الظاهر لأن كلا البلدين ينوّعان شراكاتهما تحت ضغط قوة كبرى منافسة، في الواقع عن نظامي قيد مختلفين جذريًا. فالعلاقة الإسرائيلية-الصينية لا تختصر بحجم تبادلاتهما، بل تُحدَّد أساسًا بضيق هامش المناورة المتاح لإسرائيل، الأضيق بكثير من ذلك المتاح للهند أمام الولايات المتحدة. فالهند تنوّع مورّديها من الأسلحة دون أن تقطع علنًا مع أي منهم، بما في ذلك روسيا. أما إسرائيل فتعتمد على واشنطن في جوهر بنيتها الأمنية العسكرية، ما يحوّل كل ملف صيني، سواء تعلق برادار أو ميناء أو ترامواي، إلى قضية تحالف أكثر منه حسابًا اقتصاديًا بسيطًا.

ما ينبغي مراقبته

تستحق ثلاثة تطورات اهتمامًا خاصًا. أولًا، مصير محطة حيفا مع تعزز الوجود البحري الأميركي في المنطقة، وهو ملف قد يتحول مجددًا إلى نقطة احتكاك مفتوحة أكثر منه توترًا كامنًا. ثانيًا، مسار لجنة فرز الاستثمارات، التي يحول غموضها المستمر دون أي تقييم مستقل لفعاليتها الفعلية، وهي زاوية عمياء إحصائية تستحق التوثيق عبر طلب الاطلاع على المعلومات. ثالثًا، وتيرة عودة اليد العاملة الصينية أو عدم عودتها، وهو مؤشر متكتم لكنه قابل للقياس على درجة الفتور السياسي بين العاصمتين.


المصادر

  1. Arms Control Association – “Israel Cancels Radar Deal With China” — https://www.armscontrol.org/act/2001-09/israel-cancels-radar-deal-china — تاريخ الاطلاع: 9 آب/أغسطس 2026
  2. Deseret News – “Israel bows to U.S. concerns, axes radar-system sale to China” — https://www.deseret.com/2000/7/12/19517791/israel-bows-to-u-s-concerns-axes-radar-system-sale-to-china/ — تاريخ الاطلاع: 9 آب/أغسطس 2026
  3. Wikipedia – “EL/W-2090” (تعويض عام 2002 وتطوير منظومة KJ-2000) — https://en.wikipedia.org/wiki/EL/W-2090 — تاريخ الاطلاع: 9 آب/أغسطس 2026
  4. ResearchGate – “Israel-China Relations and the Phalcon Controversy” (تحقيب عام 2013 والحرب التجارية الصينية-الأميركية) — https://www.researchgate.net/publication/229820378_Israel-China_Relations_and_the_Phalcon_Controversy — تاريخ الاطلاع: 9 آب/أغسطس 2026
  5. Foundation for Defense of Democracies – “Israel Acts to Counter Chinese Corporate Influence” — https://www.fdd.org/analysis/2019/11/05/israel-acts-to-counter-chinese-corporate-influence/ — تاريخ الاطلاع: 9 آب/أغسطس 2026
  6. Wikipedia – “Advisory Committee for Evaluating National Security Aspects of Foreign Investments” — https://en.wikipedia.org/wiki/Advisory_Committee_for_Evaluating_National_Security_Aspects_of_Foreign_Investments — تاريخ الاطلاع: 9 آب/أغسطس 2026
  7. CELIS Institute – “Balancing Investment Openness and National Security: FDI Screening in Israel and Insights for International Practice” — https://www.celis.institute/celis-blog/balancing-investment-openness-and-national-security-fdi-screening-in-israel-and-insights-for-international-practice/ — تاريخ الاطلاع: 9 آب/أغسطس 2026
  8. Foundation for Defense of Democracies – “Wary of China, Israel Toughens Screening of Foreign Investments” — https://www.fdd.org/analysis/2022/11/17/israel-toughens-screening/ — تاريخ الاطلاع: 9 آب/أغسطس 2026
  9. The National Interest – “China’s Port Investments in Israel Open the Door to Espionage” — https://nationalinterest.org/blog/middle-east-watch/chinas-port-investments-in-israel-open-the-door-to-espionage — تاريخ الاطلاع: 9 آب/أغسطس 2026
  10. AsiaNews – “Haifa inaugurates a new Made in China commercial port worrying the US” — https://www.asianews.it/en/east-asia/china/haifa-inaugurates-a-new-made-in-china-commercial-port-worrying-the-us-inaugurated — تاريخ الاطلاع: 9 آب/أغسطس 2026
  11. Eurasian Times – “Chinese Investments In Israel’s Haifa Port ‘Rattle’ The US; Washington Raises Espionage Concerns” — https://www.eurasiantimes.com/chinese-investments-in-israels-haifa-port-rattle-the-us-washington-raises-espionage-concerns/ — تاريخ الاطلاع: 9 آب/أغسطس 2026
  12. The New York Review of Books – “Migrant Workers in Their Own Land” — https://www.nybooks.com/online/2024/04/21/migrant-workers-in-their-own-land/ — تاريخ الاطلاع: 9 آب/أغسطس 2026
  13. The Jerusalem Post – “Foreign workers replace Palestinian labor in Israel, face hurdles” — https://www.jpost.com/middle-east/article-882372 — تاريخ الاطلاع: 9 آب/أغسطس 2026
  14. JURIST – “Russia and China veto US-authored UN Security Council Israel-Hamas ceasefire resolution” — https://www.jurist.org/news/2024/03/russia-and-china-veto-us-authored-un-security-council-israel-hamas-ceasefire-resolution/ — تاريخ الاطلاع: 9 آب/أغسطس 2026
  15. UN Department of Political and Peacebuilding Affairs – محضر جلسة الفيتو بتاريخ 25 تشرين الأول/أكتوبر 2023 — https://dppa.un.org/en/node/204909 — تاريخ الاطلاع: 9 آب/أغسطس 2026
  16. PBS News – “Russia and China veto U.S.-backed U.N. resolution for an immediate cease-fire in Gaza” — https://www.pbs.org/newshour/world/russia-and-china-veto-u-s-backed-u-n-resolution-for-an-immediate-cease-fire-in-gaza — تاريخ الاطلاع: 9 آب/أغسطس 2026
  17. Asia Times – “Korea still taking Chinese economic hits over US missiles” (رقم 7.5 مليارات دولار، معهد هيونداي للأبحاث) — https://asiatimes.com/2019/12/korea-still-taking-chinese-economic-hits-over-us-missiles/ — تاريخ الاطلاع: 9 آب/أغسطس 2026

هيئة التحرير

سبع مفاتيح لفهم إسرائيل عام 2026 – الملف الكامل