الرئيسيةحقوق الإنسانالحرياتلماذا تتحول زيارة المعتقل في الجزائر إلى عقوبة ثانية على عائلته؟

لماذا تتحول زيارة المعتقل في الجزائر إلى عقوبة ثانية على عائلته؟

يقضي بين 200 و250 شخصا في الجزائر عقوبة السجن بسبب رأي عبروا عنه سلميا، بحسب تقديرات منظمة العفو الدولية لعام 2026. بالنسبة لعائلاتهم، تتحول زيارة السجين إلى امتحان مالي وجسدي مضاعف، يثقله صمت جماعي يكاد يسكت كل الأصوات.

هم صحفيون ونقابيون وطلبة ومستخدمون عاديون لمواقع التواصل الاجتماعي، أدينوا بسبب منشور على فيسبوك أو صورة يرفعون فيها علما عثر عليها في هاتفهم. ووفق الأرقام التي استقتها منظمة العفو الدولية ونقلتها عدة وسائل إعلام خلال عام 2026، يقبع في السجون الجزائرية اليوم ما بين 200 و250 معتقل رأي. بالنسبة لعائلات هؤلاء، لا تنتهي العقوبة عند بوابة السجن، بل تمتد إلى كل زيارة، عبر طرق طويلة ومكلفة ومرهقة، خصوصا بالنسبة للمسنين والمرضى من الأقارب.

من بين هذه الملفات، حالة الصحفي حسان بوراس، العضو السابق في الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، الموقوف منذ أبريل 2026 والذي يعاني مشاكل صحية مزمنة دفعته إلى خوض إضراب عن الطعام احتجاجا على اعتقاله. حالته ليست استثناء، بل عينة من نمط متكرر: توقيف يطال من يكتب أو يصور أو يشارك رأيا، ثم ملف قضائي يستغرق أشهرا، ثم أسرة تتحمل وحدها ثمن الغياب.

تخيل معي، أيها القارئ، الساعة الثالثة والنصف فجرا. البيت لا يزال غارقا في العتمة، لكن الأخ يستيقظ، يرتدي ملابسه بصمت كي لا يوقظ بقية العائلة، ثم يمضي في طريق يعرفه عن ظهر قلب نحو سجن بعيد. أخته أعدت في الليلة السابقة السلة النظامية، المحدودة بثمانية كيلوغرامات، والتي تستبعد منها أصناف بعينها كالموز أو عظام اللحم. القاعدة هنا لا تناقش. من يتأخر لا يدخل مع الدفعة الأولى، ومن يدخل معها ينتظر ساعات إضافية قبل أن يصل دوره.

الانتظار يبدأ من الساعة السادسة صباحا، قبل فتح الأبواب بساعتين أو ثلاث. تجمع السلال في دفعات من أربعين، ولا يدخل مع كل دفعة سوى من وصل أولا. ثم يأتي وزن السلة، فقاعة انتظار ثانية، ثم أخيرا اللقاء بالمعتقل. “إنه أمر صعب جدا حقا”، تقول إحدى قريبات المعتقلين التي لم يسمح لها بدخول القاعة الأخيرة. خمس عشرة دقيقة في المتوسط، عشرون أحيانا حين يتساهل الحراس، هذا كل ما يمنح للأسرة بعد رحلة بدأت قبل الفجر. أربعة أسماء فقط يمكن أن تظهر في قائمة الزوار المصرح لهم، وهي قائمة تحددها العدالة ولا تعدل إلا في المحكمة، بعد انتظار جديد.

هنا مربط الفرس. العقوبة التي يفترض أن تطال شخصا واحدا، تتوزع فعليا على أسرة بأكملها، وتقاس بالكيلومترات والساعات المهدورة أكثر مما تقاس بنص القانون.

ثمن هذه الرحلة لا يقتصر على المال والوقت. الأخ الذي يقود السيارة قبل الفجر يخسر يوم عمل لا يعوَّض غالبا، والأخت التي تحضّر السلة تفعل ذلك مرة كل أسبوعين أو كل شهر، حسب النظام الداخلي لكل مؤسسة عقابية، وحسب المسافة الفاصلة بين بيت العائلة والسجن الذي قد يبعد مئات الكيلومترات عن الإقامة الأصلية للمعتقل. لا أحد يحصي هذه الخسارة في أي تقرير رسمي، لأنها ببساطة لا تدخل في تعريف العقوبة كما يكتبها القانون.

الصمت الذي يثقل أكثر من الحكم

معظم العائلات المعنية ترفض الحديث علنا. تقول أكثر من أسرة إنها تلقت تحذيرا، من شرطي أو حتى من محام، بأن أي تصريح علني قد يفاقم وضع المعتقل أمام القضاء. هذا الضغط، الذي نادرا ما يوثق كتابيا، يفسر إلى حد بعيد شح الشهادات المتاحة حول الظروف الحقيقية للاحتجاز والزيارة.

القانون الجزائري لا يعرف تصنيفا قانونيا لـ”السجين السياسي”، فالمصطلح غائب تماما عن قانون العقوبات. المتابعات القضائية تستند غالبا إلى تهم فضفاضة من قبيل المساس بالوحدة الوطنية، أو التحريض على التجمهر غير المسلح، أو نشر أخبار زائفة، وهي تهم تطبق بانتظام على منشورات في مواقع التواصل الاجتماعي.

منذ عام 2019، توثق اللجنة الوطنية لتحرير المعتقلين، التي تأسست خلال الحراك الشعبي، إلى جانب الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، وهي رابطة حلتها السلطات لاحقا، كل توقيف مرتبط برأي عبر عنه صاحبه سلميا. المنظمتان تنددان بانتظام بإجراءات العفو الرئاسي التي تستثني معتقلي الرأي من قوائمها.

في 22 يوليو 2026، وقع رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون مرسوما استفاد منه نحو 5000 معتقل حصلوا على شهادة دراسية أو مهنية خلال الموسم الدراسي 2025-2026. لم تشمل القائمة معتقلي الرأي المقدر عددهم بنحو 200 شخص. لجنة العدل، وهي منظمة حقوقية، اعتبرت في بيان أن ربط الإفراج عن معتقلي الرأي بمعايير تقنية كالنجاح في امتحان مدرسي يتعارض مع مقتضيات القانون الدولي، وطالبت السلطات بنشر تفاصيل قوائم المستفيدين من العفو ضمانا لحق الوصول إلى المعلومة.

على صعيد آخر، أطلقت وزارة العدل في مارس 2025، بمناسبة عيد الفطر، نظام تواصل بالصوت والصورة بين المعتقلين وعائلاتهم، على أن يطبق تدريجيا بدءا بمحاكم الجنوب قبل تعميمه على بقية الجهات. إلى اليوم، لم يخرج هذا النظام عن إطاره الأولي المحدود بولايات الجنوب، ولا يشمل غالبية معتقلي الرأي المسجونين في مؤسسات قريبة من العاصمة كالقليعة أو الحراش. ولم يعلن حتى الآن عن أي إصلاح خاص بنظام الزيارات يستهدف هذه الفئة من المعتقلين تحديدا.

يذكّر هذا المشهد بما وصفه ألبير كامو في روايته “الغريب”، حين تتحول محاكمة إنسان إلى محاكمة لسلوكه ومشاعره أكثر مما هي محاكمة لفعل ارتكبه. فالتهم الموجهة لمعظم معتقلي الرأي في الجزائر لا تستند إلى فعل مادي مثبت، بل إلى كلمة أو صورة أو مشاركة، أي إلى ما يفكر فيه الشخص أو يعبر عنه، لا إلى ما يفعله بالمعنى الجنائي الدقيق للكلمة.

وكتب ميلان كونديرا يوما إن صراع الإنسان ضد السلطة هو صراع الذاكرة ضد النسيان. عائلات معتقلي الرأي في الجزائر تخوض هذا الصراع أسبوعيا، بصمت، بسلة من ثمانية كيلوغرامات وطريق يبدأ قبل شروق الشمس. لا أحد يسألهن عن التعب، ولا عن الخوف الذي يمنعهن من الكلام. يعدن السلة، يقفن في الصف أمام البوابة، وينتظرن قرارا قضائيا، أو عفوا، لا يأتي.


المصادر

  1. منظمة العفو الدولية – تقرير حصيلة حقوق الإنسان في الجزائر لعام 2026، كما نقلته صحيفة “لوماتان دالجيري”
    https://lematindalgerie.com/algerie-un-bilan-2025-2026-marque-par-la-repression-et-une-precarite-accrue/ – تم الاطلاع عليه في 12 أغسطس 2026
  2. صحيفة “لوماتان دالجيري” – مقال حول استثناء معتقلي الرأي من العفو الرئاسي، نشر في 22 يوليو 2026
    https://lematindalgerie.com/grace-presidentielle-les-espoirs-de-liberation-des-detenus-dopinion-restent-sans-reponse/ – تم الاطلاع عليه في 12 أغسطس 2026
  3. موقع “تي إس إيه الجزائر” – تفاصيل مرسوم العفو الرئاسي الصادر في 22 يوليو 2026
    https://www.tsa-algerie.com/tebboune-gracie-pres-de-5-000-detenus-qui-est-concerne/ – تم الاطلاع عليه في 12 أغسطس 2026
  4. منظمة العفو الدولية – بيان بشأن اعتقال الصحفي حسان بوراس ووضعه الصحي، نشر في 13 مايو 2026
    https://www.amnesty.org/fr/latest/news/2026/05/algeria-authorities-must-release-arbitrarily-detained-journalists-and-uphold-press-freedom/ – تم الاطلاع عليه في 12 أغسطس 2026
  5. لجنة العدل (منظمة حقوقية) – بيان حول العفو الرئاسي لعام 2026 وغياب الشفافية إزاء معتقلي الرأي، نشر في أغسطس 2026
    https://www.cfjustice.org/fr/algerie-committee-for-justice-la-grace-presidentielle-accordee-aux-detenus-diplomes-occulte-la-situation-des-prisonniers-dopinion-et-consacre-le-manque-de-transparence/ – تم الاطلاع عليه في 12 أغسطس 2026
  6. وكالة “أول أفريكا” – بيان وزارة العدل الجزائرية حول إطلاق نظام التواصل بالفيديو بين المعتقلين وعائلاتهم، نشر في مارس 2025
    https://fr.allafrica.com/stories/202503230078.html – تم الاطلاع عليه في 12 أغسطس 2026

ليلى منصور

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

ليلى منصور
ليلى منصورhttps://alahrar.net/
ليلى منصور صحفية عربية تهتم بقضايا المجتمع وحقوق الإنسان والمرأة والهجرة والتحولات الاجتماعية في المنطقة العربية. تركز في عملها على القصص الإنسانية والموضوعات التي تعكس أثر السياسات العامة في الحياة اليومية للمواطنين. تكتب بأسلوب يجمع بين الدقة الصحفية والاهتمام بالشهادات الميدانية، وتسعى إلى تقديم القضايا الاجتماعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والتناول السطحي
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة