نشر مركز حملة، وهو منظمة فلسطينية معنية بالحقوق الرقمية، يوم الثلاثاء 9 يونيو 2026 تقريراً بعنوان “الإبادة المنصية لفلسطين 2021-2025″. أعدّ التقرير بالشراكة مع الدكتور فابيو كريستيانو، الأستاذ المساعد في دراسات النزاعات بجامعة أوترخت. اعتمد التقرير على تحليل 3,520 حالة قُدّمت إلى مرصد حملة لانتهاكات الحقوق الرقمية الفلسطينية، المعروف اختصاراً بـ”7or”. وشملت هذه الحالات تعليق حسابات، وحذف منشورات، وتقييد بث مباشر، وتراجعاً في معدلات الوصول من دون تفسير واضح للمستخدمين المتضررين. يغطي التقرير فترة خمس سنوات كاملة، من يناير 2021 حتى ديسمبر 2025، وهي مدة أطول بكثير من نطاق أي دراسة سابقة تناولت الموضوع نفسه.
3,520 حالة تكشف نمطاً وليس أعطالاً معزولة
اعتمد الباحثون مصطلح “الإبادة المنصية” لوصف ما وصفوه بالمحو البنيوي لحضور الفلسطينيين ومشاركتهم على منصات التواصل الاجتماعي. ومن أصل الحالات التي حُلّلت، لم يُحدَّد سبب مخالفة واضح إلا في 1,144 حالة، أي ما نسبته 32.5 بالمئة من المجموع، بينما بقيت غالبية الحالات المتبقية بلا تفسير رسمي من الشركة. جاءت أغلب هذه الحالات قبل السابع من أكتوبر 2023، بحسب ما أورده التقرير. ما يجعل هذا التقرير مختلفاً عن الشهادات المتفرقة السابقة هو حجم العينة الزمني الذي يغطيه، لا حدة الوقائع المفردة فيه.
سياسة واحدة تفسّر أكثر من نصف الحالات الموثقة
حين أمكن تحديد السبب الذي استندت إليه ميتا لاتخاذ إجراء ضد محتوى فلسطيني، تبيّن أن سياسة “المنظمات والأفراد الخطرين” وحدها فسّرت 57.2 بالمئة من تلك الحالات. تهدف هذه السياسة، بحسب تعريف ميتا نفسها، إلى منع الجهات التي تتبنى مهمة عنيفة أو تشارك في العنف من استخدام منصاتها، وتحظر الإشادة بحركة حماس أو دعمها المباشر باعتبارها منظمة مصنّفة ضمن هذه القائمة. غير أن الباحثين يشيرون إلى أن تطبيق السياسة يطال أيضاً مواد صحفية وتوثيقية وتاريخية لا علاقة مباشرة لها بأي دعوة للعنف، ما يجعل الحد الفاصل بين التوثيق والدعاية غامضاً في الممارسة العملية اليومية لفرق الإشراف.
ما الجديد فعلاً في تقرير حملة؟
سبق أن رصدت منظمات مثل هيومن رايتس ووتش وهيئة الإذاعة البريطانية حالات تقييد للمحتوى الفلسطيني، لا سيما خلال أحداث حي الشيخ جراح عام 2021 وتصعيد غزة عقب السابع من أكتوبر 2023. لكن تقرير حملة يختلف من حيث المدى الزمني، فهو يغطي خمس سنوات متواصلة بدل التقاط لحظة أزمة بعينها، ما يتيح مقارنة الأنماط قبل الحرب على غزة وبعدها. وبحسب الأرقام التي أوردها التقرير، ارتفع عدد حالات الحذف الخاطئ التي اعترفت بها ميتا نفسها من 14 حالة قبل السابع من أكتوبر إلى 248 حالة بعده، وهو تحول حاد في وتيرة الأخطاء المعترف بها رسمياً، لا المزعومة فقط.
حدود الأدلة: ما الذي لا يثبته التقرير
يوضح معدّو الدراسة أنفسهم أنهم لا يخلصون إلى أن ميتا استهدفت عمداً كل مستخدم على حدة، بل إن النمط المتكرر يصعب تفسيره بمجرد أعطال تقنية متفرقة. وقال كريستيانو إن النتائج تُظهر «نهجاً بنيوياً ومقصوداً يتجاوز الإشراف على المحتوى وحده». هذا التمييز مهم: فالتقرير يوثّق نمطاً إحصائياً واسعاً، لكنه لا يقدم دليلاً مباشراً على نية داخلية موثقة داخل ميتا، ذلك أن خوارزميات الشركة وآليات إنفاذها الداخلية تظل مغلقة أمام الباحثين الخارجيين حتى اليوم.
يمكن تلخيص الفجوة القائمة على ثلاثة مستويات متمايزة. المستوى الأول هو ما يخلص إليه حملة، أي وجود نمط بنيوي متكرر يتجاوز الخطأ العرضي. المستوى الثاني هو ما تثبته البيانات فعلياً، أي 3,520 حالة موثقة برقم وتاريخ، من دون إثبات نية مركزية موحدة خلفها. أما المستوى الثالث فهو ما تقوله ميتا اليوم، وهو الإشارة إلى مراجعات داخلية سابقة دون نشر مجموعة بيانات مقابلة تتيح مقارنة مستقلة مع أرقام حملة نفسها.
قناة الشراكة الموثوقة لم تحمِ حسابات فلسطينية
قدّم حملة 2,828 استئنافاً باسم مستخدمين متضررين على مدى خمس سنوات، ولم يتلقَّ رداً من ميتا على ما يقارب نصف هذه الطلبات. واللافت أن حملة عضو في برنامج “الشركاء الموثوقين” الذي تديره ميتا لمنح منظمات المجتمع المدني قناة تصعيد تفضيلية، وهو ما يضع قيمة هذا البرنامج موضع تساؤل عملي. وقالت لمى نزيه، مديرة المناصرة في حملة، إن الردود الفعلية تصل غالباً إلى من لديهم معارف شخصية داخل الشركة، لا إلى من يستخدمون القناة الرسمية المعلنة. من جهتها، أشارت ميتا في ردها على طلبات التعليق إلى تقارير مراجعة مستقلة نشرتها سابقاً، وقالت إنها أدخلت تعديلات على أنظمة الإشراف وأعادت النظر في بعض السياسات لإتاحة هامش أوسع للنقاش الاجتماعي والسياسي.
ماذا يعني ذلك عملياً لمستخدم فلسطيني اليوم؟
بالنسبة إلى صحفيين ومستخدمين عاديين، لا تنتهي المشكلة عند الحذف المباشر للمنشورات، بل تمتد إلى تراجع صامت في نطاق الوصول من دون أي إشعار مسبق. فقد روت الصحفية المقدسية فاتن علوان، التي تتابع صفحتها على إنستغرام أكثر من 300 ألف متابع، أن حسابها عاد للعمل في أبريل 2026 بعد تعليق دام شهرين، غير أن إحدى قصصها الأولى بعد العودة سجّلت 30 ألف مشاهدة قبل أن تهبط المشاهدات إلى بضع مئات خلال ساعة واحدة فقط. هذا النوع من التراجع المفاجئ وغير المعلَّل يصعب توثيقه فردياً، وهو ما يفسّر أهمية تجميع آلاف الحالات في قاعدة بيانات واحدة تمتد على سنوات.
ما الذي يستحق المتابعة بعد نشر التقرير؟
يطالب الباحثون بمراجعة حقوقية مستقلة لسياسات ميتا الخاصة بالمحتوى المتعلق بفلسطين. ويطالبون أيضاً بشفافية أكبر بشأن آلية تطبيق سياسة “المنظمات والأفراد الخطرين” على المواد الصحفية والتوثيقية تحديداً، بدل الاكتفاء بمعيار واحد يُطبَّق على كل أنواع المحتوى دون تمييز. كما يشدد معدّو التقرير على ضرورة الحفاظ على المحتوى الموثق من غزة بصفته مادة قد تُستخدم لاحقاً في تحقيقات دولية حول انتهاكات محتملة، نظراً لسرعة حذف هذا النوع من المواد من المنصات. يبقى السؤال المفتوح هو ما إذا كانت ميتا ستستجيب لهذه المطالب بخطوات قابلة للتحقق المستقل، أم ستكتفي بالإحالة إلى تقارير المراجعة الداخلية التي يشكك التقرير أصلاً في فعاليتها العملية.
حتى صدور هذا التقرير، لم تُعلن ميتا عن أي مراجعة خارجية مستقلة مخصصة لملف المحتوى الفلسطيني تحديداً، فيما يواصل حملة نشر بياناته عبر مرصد “7or” لتوثيق حالات جديدة أولاً بأول.
المصادر
- حملة (المركز العربي للنهوض بالإعلام الاجتماعي) – “الإبادة المنصية لفلسطين 2021-2025: تحليل قائم على البيانات لتطبيق السياسات وإنفاذ الإشراف والتواصل من قبل ميتا”
https://7amleh.org/post/meta-suppression-of-palestinian-content-en – تم الاطلاع عليه في 15 أغسطس 2026 - الجزيرة نت – “Platformicide of Palestine: Activists struggle to be heard on Meta”
https://www.aljazeera.com/news/2026/8/12/platformicide-of-palestine-activists-struggle-to-be-heard-on-meta – تم الاطلاع عليه في 15 أغسطس 2026 - معهد الدراسات الفلسطينية – “‘Platformicide’: Meta Intentionally Silenced Pro-Palestinian Users Since 2021, Digital Rights Nonprofit Finds”
https://www.palestine-studies.org/en/node/1659114 – تم الاطلاع عليه في 15 أغسطس 2026 - مجلة 972+ – “Inside Meta’s war on Palestinian content”
https://www.972mag.com/podcast-meta-palestine-censorship-suppression/ – تم الاطلاع عليه في 15 أغسطس 2026
بقلم سارة خليل
المصدر ALAHRAR.NET



