أظهرت بيانات شحن صادرة عن مجموعة بورصات لندن يوم الاثنين أن 4 سفن فقط عبرت مضيق هرمز يوم الأحد، مقابل 8 سفن في اليوم السابق، في وقت واصلت فيه الولايات المتحدة وإيران تصعيد ضرباتهما المتبادلة لليلة تاسعة على التوالي. ودخلت 3 ناقلات منتجات نفطية وناقلة نفط خام عملاقة واحدة المضيق منذ يوم الجمعة لتحميل شحنات، وفق البيانات ذاتها، في مؤشر على استمرار حركة التجارة رغم تراجعها الحاد. وقفز سعر خام برنت أكثر من 90 دولارا للبرميل صباح الاثنين، أعلى مستوى له منذ 11 يونيو، بعد مكسب أسبوعي بلغ نحو 16% هو الأكبر منذ أبريل. في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني سيطرته الكاملة على المضيق وتوعد بمنع مرور “أي قطرة نفط” دون إذنه، في تصريحات لم تؤكدها بيانات الملاحة المستقلة.
ما تؤكده بيانات الملاحة: تراجع حاد لا توقف كامل
بحسب شركة كبلر المتخصصة في بيانات التجارة البحرية، هبطت حركة العبور عبر هرمز إلى أدنى مستوياتها منذ ثلاثة أسابيع، إذ لم تعبر المضيق سوى 8 سفن يوم الخميس مقارنة بـ15 سفينة في اليوم السابق. ورصدت وكالة أخبار النفط يوما لاحقا تراجعا أعمق، حين لم تعبر المضيق سوى 3 سفن، وهو أدنى عدد يومي منذ مايو الماضي، فيما لم تُسجَّل أي ناقلة نفط خام عملاقة أو ناقلة غاز طبيعي مسال عبورا لليوم الثاني على التوالي. غير أن مركز المعلومات البحرية المشترك، الذي يتابع حركة الملاحة التجارية في المنطقة، أكد أن العبور لا يزال مستمرا وإن كان بوتيرة أقل من المعتاد، موضحا أن بعض شركات الملاحة أرجأت رحلاتها بينما واصلت أخرى العبور وسط إجراءات أمنية مشددة. وقبل الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، كان أكثر من 100 سفينة تعبر هرمز يوميا، ما يمنح فكرة عن حجم التراجع الفعلي دون الحاجة إلى مبالغة في وصفه.
الحرس الثوري يتحدث عن إغلاق، والبيانات المستقلة تتحدث عن تباطؤ
أعلن الحرس الثوري الإيراني مرارا خلال الأسابيع الأخيرة إغلاق مضيق هرمز حتى إشعار آخر، وكرر الأربعاء الماضي تهديده بقطع جميع ممرات التصدير الأخرى التي تستفيد منها الولايات المتحدة وحلفاؤها، فيما أكد الأحد سيطرته الكاملة على الممر وتعهد بعدم السماح بمرور أي شحنة نفط دون تصريح منه. غير أن الجيش الأميركي نفى في وقت سابق أن تكون طهران تتحكم فعليا بالمضيق، وهو ما تسنده جزئيا بيانات الملاحة نفسها التي تظهر استمرار عبور ناقلات، وإن بأعداد محدودة. وبحسب المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة، تعرضت 9 سفن على الأقل لهجمات منذ 6 يوليو، في وقت تسعى فيه إيران إلى إجبار السفن على العبور عبر مياهها الإقليمية بدلا من المسار المحاذي لسواحل عُمان الخاضع لحماية القوات الأميركية. وأبلغت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية صباح الاثنين عن اشتعال النيران في سفينة قرب المياه العُمانية، فيما أخلى طاقم سفينة أخرى تعرضت لاستهداف قرب المضيق، في مؤشر على أن التهديد الأمني حقيقي حتى لو لم يبلغ حد الإغلاق الكامل الذي تتحدث عنه طهران.
بترولاين السعودي يعمل بكامل طاقته: 7 ملايين برميل يوميا
لجأت السعودية إلى خط أنابيب شرق – غرب، المعروف أيضا باسم بترولاين، لنقل صادراتها إلى البحر الأحمر عوضا عن هرمز منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير. ويربط الخط، الذي يمتد نحو 1200 كيلومتر من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع، ويعمل حاليا بكامل طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يوميا. وتدرس الرياض، وفق ما نقلته رويترز، رفع الطاقة الاستيعابية للخط إلى 9 ملايين برميل يوميا لتقليص اعتمادها على المضيق مستقبلا. غير أن الخط وحده لا يكفي لتعويض كامل الصادرات المعطلة؛ إذ يشير خبراء نقلت عنهم فرانس 24 إلى أن ميناء ينبع، رغم طاقته النظرية البالغة 4.5 مليون برميل يوميا، نادرا ما تعامل فعليا مع أكثر من 2.5 مليون برميل يوميا بسبب محدودية أرصفة الرسو المتاحة للناقلات العملاقة.
الإمارات تراهن على خط أصغر وتسرّع بناء بديل جديد
تشغّل أبوظبي خط أنابيب حبشان – الفجيرة، الذي يربط حقول الإنتاج الداخلية بميناء الفجيرة على خليج عُمان بعيدا عن المضيق، بطاقة استيعابية تبلغ 1.8 مليون برميل يوميا وفق موقع ميناء الفجيرة الرسمي. وتعرضت منشآت الفجيرة النفطية لعدة هجمات إيرانية خلال الأشهر الماضية، أصيب في آخرها ثلاثة عمال هنود في الرابع من مايو، ما يكشف أن البنية التحتية البديلة نفسها ليست بمنأى عن الاستهداف. وأعلنت شركة أدنوك أن خط أنابيب جديدا يتجاوز هرمز بلغ نصف مراحل الإنجاز، ضمن استثمارات بقيمة 150 مليار دولار مخصصة للفترة 2026-2030 لرفع الطاقة الإنتاجية إلى 5 ملايين برميل يوميا بحلول 2027. وقال الرئيس التنفيذي لأدنوك سلطان الجابر إن الدافع وراء هذا الاستثمار بنيوي وليس طارئا، في إشارة إلى أن الإمارات بدأت التخطيط لتجاوز المضيق قبل أكثر من عقد.
فجوة الإمداد الحقيقية بين البدائل والخُمس المفقود
يمر عادة نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم عبر مضيق هرمز يوميا، بحسب تقديرات متكررة نقلتها وكالات أنباء عدة. في المقابل، تشير تقديرات قطاع الطاقة إلى أن خطوط الأنابيب البديلة في السعودية والإمارات وإيران ومصر مجتمعة توفر طاقة إجمالية تقارب 10 ملايين برميل يوميا، وهو رقم لا يغطي كامل الفجوة الناتجة عن تعطل هرمز، ما يفسر استمرار ضغط الأسعار الصاعدة. وتعكس أسعار الشحن الفوري جانبا من هذا الضغط بوضوح؛ إذ ارتفعت معدلات تأجير ناقلات غاز البترول المسال العملاقة بنحو 150% خلال الأيام الأخيرة نتيجة تعطل جزء من الرحلات المعتادة عبر المضيق، بحسب بيانات قطاعية متخصصة في الشحن.
لماذا لا يعني ارتفاع الأسعار اللحظي نقصا فعليا في الإمدادات بعد
ما تكشفه الأرقام مجتمعة أن الأزمة الحالية، حتى هذه اللحظة، أزمة تسعير مخاطر أكثر منها أزمة إمداد فعلي مؤكد؛ فالنفط لا يزال يتحرك، وإن بكلفة أعلى وعبر خطوط أطول وأكثر تعقيدا لوجستيا. القفزة السعرية التي تجاوزت 15% في أسبوع واحد تعكس أساسا علاوة مخاطر يدفعها المؤمّنون وشركات الشحن، وليس انخفاضا مؤكدا في المخزونات العالمية لم تعلنه بعد جهات مرجعية دولية متخصصة. كما أن تقلب الأسعار نفسه، التي هبطت إلى ما دون 80 دولارا مطلع يوليو بعد هدنة مؤقتة بين واشنطن وطهران قبل أن تقفز مجددا مع انهيار تلك الهدنة، يظهر أن السوق يتفاعل مع تطورات سياسية متسارعة أكثر مما يعكس نقصا فيزيائيا ثابتا في الإمدادات. الفارق الحاسم الذي سيحدد ما إذا كانت الأزمة ستتحول إلى نقص فعلي ومستمر هو ما إذا كانت أيام العبور شبه الصفري ستتكرر لأسابيع متتالية، وما إذا كانت طاقة بترولاين السعودي وخط حبشان – الفجيرة الإماراتي ستصمد أمام استهداف مباشر متكرر لمحطاتها الطرفية.
تنعكس هذه التقلبات مباشرة على مالية الجزائر، التي حددت قانون الموازنة لعام 2026 سعرا مرجعيا للبرميل عند 60 دولارا فيما تجاوز السعر الفعلي لخام برنت الآن 90 دولارا، بعدما لامس 125 دولارا خلال ذروة التصعيد في مارس. ويمنح هذا الفارق الخزينة العمومية هامشا ماليا إضافيا في المدى القصير، لكنه يظل مرتبطا بمسار صراع لا يزال متقلبا، كما أظهر تراجع الأسعار إلى ما دون 80 دولارا مطلع يوليو قبل أن تنهار الهدنة من جديد. وستحدد الأيام المقبلة، وفق بيانات العبور اليومية عبر هرمز وتطور المواجهة الأميركية الإيرانية، ما إذا كان العالم يتجه فعلا نحو أزمة إمدادات مستمرة أم أن الأمر يبقى، في هذه المرحلة، اضطرابا حادا يمكن احتواؤه جزئيا عبر البنية التحتية البديلة.
المصادر
- الشرق الأوسط – تراجع حركة سفن النفط والغاز في مضيق هرمز (بيانات LSEG)
https://aawsat.com/الاقتصاد/5298042 – اطلع عليه في 20 يوليو 2026 - جريدة حابي – ناقلات النفط تواجه أسوأ سيناريو في مضيق هرمز (بيانات Kpler)
https://hapijournal.com/2026/07/18/ – اطلع عليه في 20 يوليو 2026 - Oil News Agency – حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تهبط إلى أدنى مستوياتها منذ مايو
https://www.oilnewsagency.com/ – اطلع عليه في 20 يوليو 2026 - الجزيرة نت – إيران تعلن إغلاق مضيق هرمز ردا على خروقات أميركية
https://www.aljazeera.net/news/2026/6/20/ – اطلع عليه في 20 يوليو 2026 - العربية – خط أنابيب شرق-غرب بالسعودية أحد أكبر الإنجازات اللوجستية في صناعة النفط
https://www.alarabiya.net/aswaq/special-stories/2026/07/07/ – اطلع عليه في 20 يوليو 2026 - الجزيرة نت – الإمارات تسرّع بناء خط أنابيب نفط لتعزيز قدرتها على تجاوز هرمز
https://www.aljazeera.net/ebusiness/2026/5/16/ – اطلع عليه في 20 يوليو 2026 - سي إن إن بالعربية – أسعار النفط تقفز فوق 90 دولارا مع تصاعد التوتر بمضيق هرمز
https://arabic.cnn.com/world/article/2026/07/20/ – اطلع عليه في 20 يوليو 2026 - العربي الجديد – أسعار النفط ترفد مالية الجزائر
https://www.alaraby.co.uk/economy/أسعار-النفط-ترفد-مالية-الجزائر – اطلع عليه في 20 يوليو 2026
يوسف عبد الله



