يحوّل النص، الذي لا يزال في طور المشاورات الحكومية قبل عرضه على مجلس الوزراء ثم البرلمان، جهاز حماية الدستور من هيئة مراقبة تجمع المعلومات إلى جهاز يملك صلاحيات تدخل مباشرة. فبحسب الصيغة التي كشفت عنها صحيفة “دير شبيغل” أولا ثم تناولتها وسائل إعلام ألمانية عدة، يمنح المشروع الجهاز حق اختراق الأنظمة المعلوماتية الخاصة، وتحويل تدفقات البيانات أو قطعها، وتزويد الأهداف بمعلومات مغلوطة، بل وحذف أو تحريف بيانات مخزنة، متى اعتُبر ذلك ضروريا لدرء تهديد. الوزارة تبرر هذا التوسع بما تصفه بـ”تفاقم بيئة التهديد داخل ألمانيا وخارجها”.
صلاحية تجنيد المراهقين تثير الجدل الأوسع
النقطة الأكثر إثارة للجدل في المشروع تخص من يمكن تجنيدهم كـ”أشخاص ثقة”، وهو المصطلح الرسمي للمخبرين السريين. فبينما يمنع النص من حيث المبدأ تجنيد القاصرين، يفتح استثناء صريحا يجيز لإدارة الجهاز تجنيد من بلغ 16 عاما إذا اعتُبر ذلك “لا غنى عنه” لكشف تحركات توصف بأنها “بالغة الخطورة”. يلزم النص، في المقابل، بمراعاة “اعتبارات الرعاية” عند التعامل مع القاصر المجنّد، دون أن يوضح آليات ملموسة لتلك الحماية.
انتقادات تتجاوز الاصطفاف الحزبي التقليدي
اللافت أن الاعتراض على المشروع لم يقتصر على المعارضة اليسارية، بل جاء أيضا من داخل تحالف يمين الوسط ومن أقصى اليمين معا. فقد كتب رئيس الحزب الديمقراطي الحر وولفغانغ كوبيتسكي، في عموده الأسبوعي بمجلة “سيسيرو” بتاريخ 11 يوليو 2026، أن “حدودا أخلاقية ومعنوية يجري تجاوزها هنا”، مضيفا أن الدولة التي تعتبر القاصرين غير مؤهلين لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي تريد في المقابل تحويلهم إلى مخبرين مأجورين.
من جهتها، وصفت رئيسة حزب البديل من أجل ألمانيا أليس فايدل، في تدوينة نشرتها على منصة إكس بتاريخ 14 يوليو 2026، الصلاحيات الجديدة بأنها تمنح الجهاز الاستخباراتي إذنا رسميا بـ”الكذب والتزوير واستخدام تقنيات التزييف العميق”، معتبرة أن سلطة تتبع تعليمات سياسية حين تبدأ في تزوير المعلومات، فإن “دولة القانون تكون قد وصلت إلى نهايتها”. يعكس تقاطع مواقف حزبين متباعدين أيديولوجيا حجم الانزعاج الذي أثاره المشروع داخل الطبقة السياسية الألمانية.
خلفية قانونية: حكم دستوري يتحول إلى توسيع للصلاحيات
يستند المشروع رسميا إلى حكم أصدرته المحكمة الدستورية الاتحادية عام 2024 طالب الحكومة بسد ثغرات قانونية تخص الرقابة على جهاز الاستخبارات الخارجية BND وصلاحياته في الوصول إلى الاتصالات، مع مهلة تنتهي أواخر 2026. غير أن النص، بدل الاكتفاء بمعالجة تلك الثغرات، يستغل الفرصة لتوسيع صلاحيات الجهازين معا، وفق ما رصدته منصة “نتزبوليتيك” المتخصصة في الحقوق الرقمية. يقترح المشروع أيضا تجميع صلاحيات الرقابة على الجهازين بيد هيئة واحدة هي “المجلس الرقابي المستقل”، في وقت تشير فيه صحيفة “تاغسسايتونغ” (تاتس) إلى أن الإصلاح يقلّص في الوقت ذاته صلاحيات المفوضة الاتحادية لحماية البيانات، لويزا شبيشت-ريمنشنايدر.
حين تضعف الشرعية السياسية، يميل بعض الحكام إلى تشديد القبضة
هنا أنتقل من سرد الوقائع إلى قراءتي الشخصية لها. تسجل حكومة ميرتس، بحسب استطلاع “تريند باروميتر” الذي أجراه معهد فورسا لصالح قناتي آر تي إل وإن تي في ونُشر يوم 15 يوليو 2026، معدل رضا لا يتجاوز 14 بالمئة، مقابل استياء 85 بالمئة من الألمان من أداء المستشار، وهو رقم قياسي سلبي منذ توليه الحكم. في مثل هذه اللحظات من ضعف الشرعية الشعبية، تميل بعض الحكومات، تاريخيا وليس بالضرورة في كل الحالات، إلى معالجة أزمة الثقة بتوسيع أدوات الضبط بدل مراجعة السياسات التي أنتجت الاستياء أصلا. هذا ليس حكما قطعيا على نوايا وزارة الداخلية الألمانية، بل قراءة سياقية أطرحها كمحلل: توقيت المشروع، المتزامن مع تراجع تاريخي في شعبية الائتلاف الحاكم وصعود مطرد لحزب البديل من أجل ألمانيا في استطلاعات الرأي، يستحق أن يُقرأ في ضوء ذلك المناخ، لا بمعزل عنه.
نمط أوروبي أوسع؟ ملاحظة للمقارنة لا حكم قاطع
من موقعي كمراقب للشأن الأوروبي، ألاحظ أن ألمانيا ليست استثناء معزولا في هذا المسار. ففرنسا وسّعت خلال السنوات الأخيرة ترسانتها القانونية الأمنية والرقمية باسم مكافحة الإرهاب والتطرف، بينما تتقدم المملكة المتحدة في تقنين ضبط المحتوى الرقمي عبر تشريعات السلامة على الإنترنت. لا أزعم أن هذه الملفات متطابقة في الدوافع أو الآليات القانونية، فلكل منها سياقه الخاص وإجراءاته التشريعية، لكن الاتجاه العام نحو تعزيز أدوات المراقبة في أوروبا الغربية، في لحظة تراجع ثقة عامة بالمؤسسات السياسية، يستدعي تفكيرا نقديا متأنيا لا تعليقا عابرا.
يبقى مصير مشروع دوبرندت رهين مصادقة مجلس الوزراء الألماني أولا، ثم مناقشة برلمانية متوقعة اعتبارا من خريف 2026، حيث ستحدد موازين القوى داخل البرلمان ما إذا كان النص سيمر بصيغته الحالية أو سيخضع لتعديلات تحت ضغط الانتقادات المتقاطعة من اليمين واليسار معا.
المصادر
- وولفغانغ كوبيتسكي (رئيس الحزب الديمقراطي الحر) — عمود “الاعتداء الزاحف على الحقوق المدنية”، مجلة سيسيرو، منشور أيضا على موقع الحزب FDP.de
https://www.fdp.de/pressemitteilung/kubicki-kolumne-der-schleichende-angriff-auf-die-buergerrechte — تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026 - أليس فايدل (رئيسة حزب البديل من أجل ألمانيا) — تدوينة على منصة إكس، 14 يوليو 2026، نقلا عن تغطية The European Conservative
https://europeanconservative.com/articles/news/germany-plans-secret-home-raids-and-teenage-informants/ — تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026 - نتزبوليتيك (netzpolitik.org) — “Geheimdienstreform: Zeitenwende für Spione”
https://netzpolitik.org/2026/geheimdienstreform-zeitenwende-fuer-spione/ — تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026 - تاغسسايتونغ (taz.de) — “Kritik an Geheimdienstreform: Dobrindts Schnüffeloffensive”
https://taz.de/Kritik-an-Geheimdienstreform/!6196285/ — تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026 - Legal Tribune Online (LTO) — “Gesetzentwurf: Mehr Befugnisse für Verfassungsschutz und BND”
https://www.lto.de/recht/nachrichten/n/gesetzentwurf-reform-mehr-befugnisse-bnd-verfassungsschutz — تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026 - معهد فورسا لصالح آر تي إل / إن تي في — استطلاع “تريند باروميتر”، نقلا عن t-online.de
https://www.t-online.de/nachrichten/deutschland/parteien/id_101343332/umfrage-85-prozent-sind-mit-arbeit-von-bundeskanzler-merz-unzufrieden.html — تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
أحمد ناصر



