رفعت لجنة التنمية والإصلاح الوطنية الصينية، الجهة الرسمية المخوّلة بتسعير المشتقات النفطية في البلاد، سعر طن البنزين 300 يوان (نحو 44 دولاراً) وسعر طن الديزل 290 يوان (نحو 43 دولاراً)، اعتباراً من يوم السبت 18 يوليو 2026. وبرّرت اللجنة القرار، بحسب وكالة الأنباء الصينية “شينخوا”، بارتفاع أسعار الخام العالمية خلال الأيام العشرة السابقة للتعديل، في أعقاب موجة تصعيد عسكري جديدة بين الولايات المتحدة وإيران حول السيطرة على مضيق هرمز. فما بدأ اشتباكاً محدوداً حول ممر ملاحي ضيق يتحول اليوم إلى ضغط متسلسل يصل إلى محطات الوقود في بكين وفاتورة الاقتراض في فرانكفورت، قبل أن يستقر في نهاية المطاف على موائد الأسر في القاهرة وعمّان.
من “مذكرة التفاهم” إلى القصف المتجدد: كيف عاد هرمز إلى الواجهة
وقّعت واشنطن وطهران في 18 يونيو 2026 مذكرة تفاهم أنهت خمسة أشهر من الحرب وأعادت فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، ما دفع خام برنت إلى التراجع دون 70 دولاراً للبرميل بحلول أول يوليو، بحسب بيانات وكالة معلومات الطاقة الأميركية. غير أن الهدنة لم تصمد طويلاً: فبعد هجمات على ناقلات في المضيق منتصف الشهر، ألغت الخزانة الأميركية في 17 يوليو ترخيصاً مؤقتاً لبيع النفط الإيراني، بينما أعلن الرئيس دونالد ترامب في 13 يوليو إعادة فرض حصار بحري على المضيق ورسماً بنسبة 20% على كل شحنة عابرة، مؤكداً أن “مضيق هرمز مفتوح، وسيبقى مفتوحاً، بوجود إيران أو من دونها”. وردّت طهران بإعلان إغلاق المضيق مجدداً واستهداف حلفاء أميركيين إقليميين، ما دفع خام برنت إلى تسجيل 88.10 دولاراً للبرميل وخام غرب تكساس إلى 82.49 دولاراً بنهاية تعاملات 18 يوليو، أي أعلى مستوى منذ منتصف يونيو، بحسب تقارير أسواق الطاقة.
فرانكفورت أمام معضلة الفائدة: التضخم يعود من بوابة الطاقة
في السياق ذاته، رفع البنك المركزي الأوروبي في 11 يونيو 2026 سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 25 نقطة أساس إلى 2.25%، في أول زيادة منذ 2023، مبرراً القرار بضغوط تضخمية ناجمة مباشرة عن الحرب. وقالت لجنة إدارة البنك، في بيانها الرسمي، إن “الحرب تولّد ضغوطاً تضخمية”، ورفعت توقعاتها لمعدل التضخم في منطقة اليورو إلى 3% لعام 2026 مقابل تقدير سابق أدنى، فيما خفّضت توقعات النمو إلى 0.8% فقط. وبحلول منتصف يوليو، أظهرت بيانات أولية أن التضخم تراجع إلى 2.8% رغم ارتفاع كلفة الطاقة 8.7% على أساس سنوي، ما يعكس تبايناً بين الضغط المباشر على أسعار الوقود واحتواء التضخم الأساسي حتى الآن. إلا أن التصعيد العسكري الأخير أعاد خلط الأوراق: مع اقتراب اجتماع 22 يوليو، بدأت الأسواق تعيد تسعير احتمالات تجميد الفائدة أو حتى رفعها من جديد، في وقت يواجه فيه صانعو القرار النقدي معضلة كلاسيكية بين كبح التضخم عبر رفع الفائدة أو حماية نمو يتباطأ أصلاً تحت وطأة فاتورة الطاقة.
القاهرة وعمّان والرباط تدفعن فاتورة مزدوجة: وقود وغذاء
أما في العالم العربي، فتتوزع كلفة الحرب بشكل غير متكافئ بين الدول المصدّرة والمستوردة للطاقة. فمصر، التي تحوّلت منذ مطلع العقد الماضي من دولة مصدّرة إلى مستوردة صافية للنفط والغاز، رفعت أسعار الوقود المحلية نحو 17% خلال الأسبوع الأول من الحرب، بحسب تحليل نشره معهد الشرق الأوسط، فيما سحب مستثمرون أجانب نحو 6 مليارات دولار من السوق المصرية بسبب مخاوف من ارتفاع فاتورة الاستيراد وتراجع عائدات السياحة وقناة السويس، وفق تحليل نشره مركز “تشاتام هاوس” البريطاني. والأردن، الذي يستورد معظم احتياجاته من الطاقة، يشهد بدوره ارتفاعاً في كلفة الوقود مع استمرار التوتر الإقليمي، إلى جانب اضطراب حركة الطيران والسياحة، بحسب “ذا ميديا لاين”. وفي المغرب وتونس، يضاف إلى فاتورة الوقود ضغط إضافي على الغذاء: فقد حذّرت منظمة الأغذية والزراعة الأممية من أن 20 إلى 45% من مدخلات الأمن الغذائي العالمي تمر عبر مضيق هرمز، بينما توقع البنك الدولي ارتفاع أسعار اليوريا، المكوّن الأساسي للأسمدة، بنسبة تقارب 60% خلال 2026، فيما قدّر برنامج الأغذية العالمي أن 45 مليون شخص إضافي قد يدخلون دائرة الجوع الحاد بحلول منتصف العام، بحسب تقرير نشره مركز “سيدار” المصري.
الجزائر وليبيا في الجهة المقابلة: نافذة ربح تخفي هشاشة بنيوية
في المقابل، تجد الجزائر وليبيا نفسيهما في موقع مختلف تماماً بحكم الجغرافيا لا السياسة: فصادراتهما تمر عبر البحر الأبيض المتوسط بعيداً عن اختناقات الخليج، ما يحميهما من مخاطر التأمين البحري والتأخير الذي يصيب مصدّري الغاز المسال المعتمدين على هرمز. فخط “ترانسميد” يغذي إيطاليا، وخط “ميدغاز” يزوّد إسبانيا، وكلاهما بعيد عن طرق الشحن المهددة في الخليج، بحسب تحليل نشرته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. وتشير تقديرات محللين إلى أن عائدات الجزائر من المحروقات قد تقترب من نطاق 61 إلى 71 مليار دولار خلال 2026، وهو مستوى يقارب أو يتجاوز طفرة عام 2022 التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية، وفق تحليل نشرته مجلة “آراب نيوز”. غير أن هذه النافذة، بحسب المصدر نفسه، تبقى ضيقة زمنياً: فحقل حاسي الرمل، عمود الإنتاج الغازي الجزائري، يواجه تراجعاً في أداء المكامن بعد عقود من الاستخراج، فيما قد يصطدم أي توسّع في الصادرات بسقف الإنتاج القائم والحاجة إلى استثمارات إضافية في الاستكشاف والتطوير.
الأسواق تترقب اجتماع 22 يوليو وسط تحذيرات من تصعيد إضافي
تدخل الأسواق العالمية الأسبوع المقبل وهي تراقب موعدين متزامنين: اجتماع البنك المركزي الأوروبي في 22 يوليو، الذي قد يحدد مساراً جديداً لسعر الفائدة إذا استمر ارتفاع أسعار الطاقة، وتطورات ميدانية في مضيق هرمز حيث تراجعت حركة العبور إلى ست ناقلات فقط بين الخميس والجمعة الماضيين، مقارنة بمعدل يومي تراوح بين 18 و22 ناقلة في وقت سابق من الشهر، بحسب منصة “ويندوارد” لرصد الملاحة البحرية. وبين قرار سعر الوقود في بكين، واجتماع الفائدة في فرانكفورت، وتحذيرات منظمة الأغذية والزراعة من تفاقم أزمة الغذاء، تتقاسم اقتصادات لا علاقة مباشرة لها بالحرب في الخليج كلفة استمرارها، بدرجات متفاوتة بين من يصدّر الطاقة ومن يستوردها.
المصادر
- وكالة أنباء الصين الجديدة “شينخوا” – “China to raise gasoline, diesel prices”
http://english.news.cn/20260717/385735b342c54bf3a7ef744a2fd401d2/c.html – تاريخ الاطلاع: 19 يوليو 2026 - موقع IndexBox لأسواق الطاقة – “Oil Prices Surge Over 4% After US Strikes on Iran and Strait of Hormuz Closure”
https://www.indexbox.io/blog/oil-prices-surge-over-4-after-us-strikes-on-iran-and-strait-of-hormuz-closure/ – تاريخ الاطلاع: 19 يوليو 2026 - البنك المركزي الأوروبي – بيان القرارات النقدية الرسمي، 11 يونيو 2026
https://www.ecb.europa.eu/press/pr/date/2026/html/ecb.mp260611~4d41bd5e83.en.html – تاريخ الاطلاع: 19 يوليو 2026 - شبكة CNBC – “Renewed Hormuz hostilities drive ECB rates rethink amid ‘extremely volatile’ outlook”
https://www.cnbc.com/2026/07/15/ecb-interest-rates-outlook-iran-war-hormuz.html – تاريخ الاطلاع: 19 يوليو 2026 - مركز “سيدار” (CEDARE) – “From Hormuz to Hunger: The Food Security Fallout of the Iran War”
https://2025.cedare.org/from-hormuz-to-hunger-the-food-security-fallout-of-the-iran-war/ – تاريخ الاطلاع: 19 يوليو 2026 - مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي – “From Hormuz to the Maghreb: The Geopolitical Reach of a Gulf Crisis”
https://carnegieendowment.org/middle-east/research/2026/07/from-hormuz-to-the-maghreb-the-geopolitical-reach-of-a-gulf-crisis – تاريخ الاطلاع: 19 يوليو 2026
يوسف عبد الله



