الرئيسيةالتحليلاتقراءة في الأحداثلماذا سحبت كولومبيا اعترافها بالبوليساريو و أقرّت بمغربية الصحراء؟

لماذا سحبت كولومبيا اعترافها بالبوليساريو و أقرّت بمغربية الصحراء؟

أعلنت الحكومة الكولومبية الجديدة سحب اعترافها بما يسمى "الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية" والاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وذلك بعد ساعات فقط من تنصيب الرئيس اليميني أبيلاردو دي لا إسبرييا في مدينة كالي. يقلب هذا التحول أربع سنوات من سياسة خارجية كولومبية داعمة لجبهة البوليساريو، ويعيد رسم موقع أمريكا اللاتينية في ملف الصحراء الغربية عشية استحقاقات أممية حاسمة.

جاء الإعلان، وفق ما أوردته وزارة الخارجية الكولومبية، يوم الجمعة السابع من أغسطس 2026، أي في اليوم ذاته الذي أدى فيه دي لا إسبرييا اليمين الدستورية خلفا للرئيس اليساري غوستافو بيترو. وأكدت بوغوتا أن القرار يشمل التراجع الكامل عن الاعتراف بجبهة البوليساريو، مقابل الاعتراف الصريح بسيادة الرباط على الصحراء الغربية، في تحول وصفته وزارة الخارجية المغربية بأنه يفتح “صفحة جديدة” في العلاقات الثنائية بين البلدين.

قرار اتُّخذ في اليوم الأول من ولاية الرئيس الجديد

لم تنتظر الإدارة الكولومبية الجديدة أسابيع لتظهر توجهها في السياسة الخارجية. فقد جاء قرار الصحراء ضمن أولى الخطوات الرمزية للرئيس دي لا إسبرييا، وهو المحامي السابق البالغ من العمر 48 عاما والذي فاز بجولة الإعادة في يونيو الماضي على منافسه اليساري إيفان سيبيدا. ويشكل هذا القرار جزءا من مسعى أوسع لعكس مسار السياسة الخارجية التي انتهجها بيترو خلال ولايته، والتي اتسمت بتقارب واضح مع حركات التحرر ومواقف مناهضة للرباط في ملفات متعددة، من بينها استيراد الفوسفات.

ووفق وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، فإن الاعتراف الجديد يمنح العلاقات الثنائية “دفعة قوية”، معتبرا أن المغرب وكولومبيا يمكن أن يشكلا “منصتين اقتصاديتين متبادلتين” بالنظر إلى موقع كل منهما الاستراتيجي في إفريقيا وأمريكا اللاتينية. لم يصدر عن جبهة البوليساريو أو عن الجزائر رد فعل رسمي مباشر على القرار الكولومبي حتى نشر هذا المقال.

من استئناف العلاقات مع الجمهورية الصحراوية إلى القطيعة معها

لفهم حجم هذا الانقلاب الدبلوماسي، يجب العودة إلى أغسطس 2022، حين استأنف الرئيس بيترو، بُعيد وصوله إلى السلطة، العلاقات الدبلوماسية بين كولومبيا وما يسمى بالجمهورية الصحراوية، بعد لقاء جمعه في بوغوتا بوزير خارجيتها محمد سالم ولد سالك وبممثل جبهة البوليساريو لدى أمريكا اللاتينية محمد زروق. كانت تلك العلاقات، التي تأسست أصلا سنة 1985 في عهد الرئيس بليساريو بيتانكور، قد جُمّدت منذ سنة 2001 خلال رئاسة أندريس باسترانا.

لم يقتصر دعم بيترو على الجانب الدبلوماسي فحسب. ففي نوفمبر 2025، استقبل الرئيس الكولومبي وفدا من الجمهورية الصحراوية بزيه التقليدي “الدراعة”، معلنا وقف استيراد الفوسفات المستخرج من الصحراء الغربية، ومؤكدا دعم بلاده “غير المشروط” لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير. ما يكشفه هذا التذبذب الكولومبي المتكرر بين موقفين متناقضين خلال أقل من أربع سنوات هو أن ملف الصحراء الغربية في أمريكا اللاتينية يتبع منطق التداول السياسي الداخلي أكثر مما يعكس موقفا مؤسسيا ثابتا تجاه النزاع.

تحول أممي يسبق التحول الكولومبي بأشهر قليلة

لا ينفصل القرار الكولومبي عن مسار أوسع بدأ في مجلس الأمن الدولي قبل أقل من عام. ففي 31 أكتوبر 2025، تبنى المجلس القرار رقم 2797 بشأن الصحراء الغربية، بأغلبية 11 صوتا مقابل امتناع ثلاث دول عن التصويت هي الصين وروسيا وباكستان، فيما لم تشارك الجزائر في التصويت، بحسب ما أوردته مؤسسة كونراد أديناور الألمانية. ولأول مرة منذ عقود، اعتبر المجلس مبادرة الحكم الذاتي التي طرحها المغرب سنة 2007 أساسا واقعيا وموثوقا للتوصل إلى حل سياسي، في تراجع صريح عن صيغ سابقة كانت تربط الحل بمرجعية الاستفتاء على تقرير المصير.

هذا التحول الأممي، الذي جاءت الولايات المتحدة بصفتها معدّة النص الرئيسية، فتح الباب أمام سلسلة من المراجعات الدبلوماسية في عدد من الدول التي كانت تدعم موقف البوليساريو، وعلى رأسها كولومبيا. وبحسب مصادر إعلامية مغربية لم تؤكدها جهات رسمية أخرى بعد، تندرج خطوة سحب الاعتراف ضمن خطة أوسع للإدارة الكولومبية الجديدة تشمل إغلاق عدد من سفاراتها حول العالم لأسباب تتعلق بترشيد النفقات، من بينها سفارتها في الجزائر.

بوروندي وبيرو ونمط متكرر في أمريكا اللاتينية

ليست كولومبيا الدولة اللاتينية الأولى التي تراجعت عن اعترافها بالبوليساريو عقب تغير حكومي. فقد سبق لبيرو أن سحبت اعترافها بالجبهة كدولة أقل من سنة بعد إقرارها، عندما وصلت حكومة أكثر ميلا لليمين إلى السلطة. ويكشف هذا النمط المتكرر أن العلاقة بين دول أمريكا اللاتينية وملف الصحراء الغربية ترتبط ارتباطا وثيقا بالتوجه الأيديولوجي للحكومة القائمة في كل بلد، أكثر مما ترتبط بموقف مبدئي ثابت من القضية.

بالنسبة للرباط، يمثل القرار الكولومبي حلقة إضافية في سلسلة اعترافات حصلت عليها في السنوات الأخيرة، عقب اعتراف الولايات المتحدة سنة 2020 بسيادتها على الصحراء الغربية في إطار اتفاقات التطبيع مع إسرائيل. أما بالنسبة للجزائر، الداعم التاريخي لجبهة البوليساريو، فإن الانعكاس المزدوج لقرار مجلس الأمن والموقف الكولومبي الجديد يقلّص من هامش المناورة الدبلوماسية لحلفاء الجبهة في القارة اللاتينية، وهي منطقة كانت تشكل حتى وقت قريب أحد أهم فضاءات التضامن مع القضية الصحراوية خارج القارة الإفريقية.

ماذا بعد؟ ملف مفتوح على تطورات المسار الأممي

يبقى مصير المفاوضات السياسية بين الرباط وجبهة البوليساريو رهينا بتفعيل القرار الأممي 2797، الذي جدد تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية “مينورسو” حتى أكتوبر 2026. وقد شهدت مطلع سنة 2026 ثلاثة اجتماعات وزارية غير رسمية برئاسة أممية أمريكية مشتركة، شارك فيها وزيرا خارجية طرفي النزاع إلى جانب الجزائر وموريتانيا بصفتهما بلدين مراقبين ومجاورين.

من جهتها، أكدت جبهة البوليساريو مرارا تمسكها بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير ورفضها لأي مقاربة تفاوضية تستبق نتائج المسار الأممي أو تقيّده بإطار مسبق. وستحدد الأشهر المقبلة، مع اقتراب موعد تجديد تفويض “مينورسو” في أكتوبر 2026، ما إذا كانت موجة الاعترافات المتوالية بمغربية الصحراء ستترجم إلى تقدم فعلي في المفاوضات، أم ستبقى محصورة في حقل الترميز الدبلوماسي.


المصادر

  1. سكاي نيوز عربية، “كولومبيا تعلن اعترافها بسيادة المغربية على الصحراء”
    https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1885015 – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026
  2. إنفوباي، “El nuevo Gobierno de Colombia reconoce soberanía de Marruecos sobre el Sáhara occidental”
    https://www.infobae.com/america/agencias/2026/08/08/el-nuevo-gobierno-de-colombia-reconoce-soberania-de-marruecos-sobre-el-sahara-occidental/ – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026
  3. إن بي سي نيوز، “Colombia’s new president takes office in ceremony in Cali”
    https://www.nbcnews.com/world/south-america/colombias-new-president-takes-office-ceremony-cali-highlighting-hard-l-rcna591439 – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026
  4. وكالة الأنباء الصحراوية (واص)، “President Petro reinforces Colombia’s support for Sahrawi Republic”
    https://www.spsrasd.info/en/2025/11/28/13197.html – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026
  5. مؤسسة كونراد أديناور، “Resolution 2797”
    https://www.kas.de/en/country-reports/detail/-/content/resolution-2797 – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026
  6. ويكيبيديا، “Inauguration of Abelardo de la Espriella”
    https://en.wikipedia.org/wiki/Inauguration_of_Abelardo_de_la_Espriella – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026

أحمد ناصر

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

أحمد ناصر
أحمد ناصرhttps://alahrar.net/
أحمد ناصر صحفي يهتم بالشؤون السياسية والعلاقات الدولية والتحولات الجيوسياسية في العالم العربي والشرق الأوسط. يتابع الملفات الدبلوماسية والأمنية والانتخابات والحياة الحزبية، ويعمل على تقديم قراءة هادئة للأحداث تربط بين الخبر وسياقه السياسي والتاريخي. يركز في مقالاته على تحليل مواقف الفاعلين الرئيسيين وتوضيح انعكاسات القرارات الدولية على المنطقة.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة