أعلنت جامعة تسينغهوا في الثالث من يوليو 2026 تعيين عمر ياغي، البالغ من العمر 61 عاما، أستاذا متفرغا فيها. جاء ذلك بعد خمس عشرة سنة قضاها في جامعة كاليفورنيا ببيركلي. وياغي، المولود في عمان لعائلة فلسطينية لاجئة، حصل مع الباحثين ريتشارد روبسون وسوسومو كيتاغاوا على جائزة نوبل للكيمياء لعام 2025 تقديرا لتطويرهم الأطر المعدنية العضوية، وهي مواد مسامية تستخدم في التقاط الكربون وحصاد المياه من الهواء الجاف، وفق ما أوردته مجلة نيتشر. يتولى العالم الآن قيادة معهد جديد يوظف الذكاء الاصطناعي لتسريع اكتشاف المواد الكيميائية. وتصف مجلة نيتشر هذه الخطوة بأنها تأتي وسط تخفيضات في تمويل العلوم الأمريكية وحملة صينية نشطة لاستقطاب أفضل الكفاءات الدولية.
من بيركلي إلى بكين: تفاصيل الانتقال إلى معهد الذكاء الاصطناعي والمواد
عقدت تسينغهوا حفل تنصيب رسميا لياغي أستاذا في مبناها الرئيس، وفق ما نقلته منصة أكاديمك جوبز عن الجامعة الصينية. ويتولى العالم قيادة معهد جديد يجمع الذكاء الاصطناعي بالكيمياء وعلوم المواد. الهدف المعلن هو تقصير دورات اكتشاف المواد المتقدمة، مثل الحفازات وأغشية الفصل ووسائط تخزين الهيدروجين. تتحدث الجامعة الصينية عن طموح بتقليص هذه الدورات بمراتب من الحجم. لكن هذا رقم تسوقه المؤسسة دون بيانات تفصيلية تسنده حتى الآن، ذلك أن المعهد لم يبدأ عمله الفعلي بعد. ولم تكن هذه العلاقة وليدة اللحظة. فقد شغل ياغي منصب أستاذ فخري في تسينغهوا منذ عام 2022، وانضم عضوا أجنبيا إلى الأكاديمية الصينية للعلوم في 2025، وفق ما ذكره الكاتب الاقتصادي إحسان علي بوحليقة في عمود رأي بصحيفة البلاد البحرينية.
حين تتحول الحوسبة والتمويل إلى أدوات قوة وطنية
لم يعد النقاش حول رحيل ياغي يقتصر على مفهوم هجرة الأدمغة التقليدي. يتجه النقاش اليوم إلى ما يمكن تسميته جغرافيا سياسية للعقول، حيث تتحول المختبرات وطاقة الحوسبة والتمويل الحكومي وحرية البحث العلمي إلى أدوات تستخدمها الدول لبناء نفوذها التقني. ووفقا لصحيفة تايمز هاير إديوكيشن، درب ياغي خلال فترة عمله في بيركلي نحو مئتي باحث، يحمل قرابة نصفهم الجنسية الصينية. هذه شبكة جاهزة ستدعم فريقه الجديد فور استقراره في بكين. لم تعد قدرة أي دولة على استقطاب عالم بهذا الوزن تقاس بعدد الجوائز التي تقدمها له، بل بمدى تكاملها المؤسسي، أي بوجود بنية حاسوبية جاهزة وتمويل مستقر وقرار سياسي واحد يجمع أطرافا متناثرة بدل تركها متفرقة. وأسس ياغي نفسه مشروعا موازيا يحمل اسمه، يهدف إلى ربط الباحثين في نحو ثلاثين دولة ببنية بحثية محلية بدل استقدامهم إلى الدول الغنية. وحذر من أن استنزاف الكفاءات من الاقتصادات الناشئة لا يخدم أحدا على المدى الطويل.
تراجع التمويل وتشديد التأشيرات يدفعان علماء بعيدا عن الولايات المتحدة
عزا ياغي قراره جزئيا إلى تراجع منح البحث العلمي في الولايات المتحدة وتشديد سياسات التأشيرات في عهد إدارة ترامب. واعتبر أن الانخراط مع نماذج الذكاء الاصطناعي في الكيمياء بات «مسألة بقاء» للأنظمة البحثية الراغبة في الحفاظ على ريادتها، بحسب ما نقلته صحيفة البلاد عنه. وأوضح ياغي لصحيفة تايمز هاير إديوكيشن أن ضيق التأشيرات يصعب على الأزواج من الباحثين العمل في البلد نفسه. وأضاف أن غياب استقرار السكن يحرم العلماء من الهدوء الذهني اللازم لإجراء الاكتشافات. ولفت إلى أن الدول القوية علميا لم تعد قادرة على استيعاب كل الكفاءات المتاحة عالميا، وهو اختلال يرى أنه يغلق فرصا أمام مواهب تحتاجها البشرية لحل مشكلات مثل التلوث ونقص المياه.
جنسية سعودية لم تكفِ: سؤال يحرج مؤسسات الخليج
يحمل ياغي، إلى جانب جنسياته الأردنية والفلسطينية والأمريكية، الجنسية السعودية التي منحه إياها مرسوم ملكي عام 2021، وفق ما أوردته صحيفة الشرق الأوسط. ورغم ذلك، ذهب العالم إلى الصين لا إلى المملكة. والمملكة تمتلك كيانات ضخمة مرتبطة بالمواد المتقدمة والذكاء الاصطناعي، من أرامكو وسابك إلى شركة هيومين ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية وجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية. ويرى بوحليقة أن هذه الكيانات الخمسة كان بإمكانها، لو جمعت في تحالف بحثي وصناعي واحد، أن تشكل بيئة منافسة لما وجده ياغي في الصين. غير أن الصين عرضت عليه معهدا جاهزا مخصصا له وحده، بينما بقيت الأصول السعودية مبعثرة بين جهات منفصلة. وفي مفارقة تلامس المسألة العربية مباشرة، قال ياغي لصحيفة تايمز هاير إديوكيشن إنه لو توفرت له الفرصة في الأردن، بلد نشأته، لما اضطر إلى مغادرته أصلا. وأضاف أن استفادته الشخصية من الهجرة لم تفد الأردن في شيء.
فجوة الباحثين تكشف حدود استراتيجية الحوسبة الخليجية
تستثمر دول الخليج مبالغ ضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، من مشروع ستارغيت في أبوظبي إلى مصانع الرقائق التي تخطط شركة هيومين السعودية لبنائها بدعم من صندوق الاستثمارات العامة، بحسب تقرير لشبكة الجزيرة. غير أن التقرير نفسه يشير، نقلا عن بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلى أن دول الخليج تفتقر إلى تركز عال من المواهب البحثية في الذكاء الاصطناعي مقارنة بالولايات المتحدة والصين. كما أنها لا تملك شركة رائدة في تطوير النماذج تضاهي منافسيها في تلك الدول. يوضح هذا التفاوت أن سباق الحوسبة والتمويل لا يغني عن سباق موازٍ لاستقطاب الباحثين أنفسهم. وهو ما تحاول دول مثل قطر والإمارات معالجته عبر تأشيرات ذهبية وإعفاءات ضريبية، دون أن يترجم ذلك بعد إلى كثافة بحثية مماثلة لما تملكه الجامعات الأمريكية والصينية الكبرى.
أعلن ياغي أن معاهده الجديدة، الممولة جزئيا من حكومات مضيفة وجزئيا من صندوق استثماري خاص، ستبدأ عملها في عدد من الدول خلال الأشهر المقبلة. ولم يحدد بعد ما إذا كانت أي دولة عربية ستكون من بينها. وتبقى تفاصيل تمويل معهده في تسينغهوا وحجم فريقه ومستقبل مجموعته البحثية السابقة في بيركلي غير معلنة حتى تاريخ نشر هذا التقرير. وسيكون مسار الأشهر المقبلة، وما إذا كان باحثون كبار آخرون سيسلكون الطريق نفسه من الجامعات الأمريكية نحو الصين أو الخليج، مؤشرا على ما إذا كانت حالة ياغي استثناء فرديا أم بداية اتجاه أوسع في خريطة العلم العالمي.
المصادر
- مجلة نيتشر – “Nobel-winning chemist leaves US to direct AI materials lab in China”
https://www.nature.com/articles/d41586-026-02143-x – تم الاطلاع عليه في 15 أغسطس 2026 - صحيفة تايمز هاير إديوكيشن، بقلم جاك غروف – “Visa rules making scientists ‘despair’, says China-bound Nobelist”، نشر في 31 يوليو 2026
https://www.timeshighereducation.com/news/visa-rules-making-scientists-despair-says-china-bound-nobelist – تم الاطلاع عليه في 15 أغسطس 2026 - مجلة فوربس، بقلم آنا إيساكي سميث – “Why A Nobel Laureate Is Leaving UC Berkeley For China”، نشر في 15 يوليو 2026
https://www.forbes.com/sites/annaesakismith/2026/07/15/why-a-nobel-laureate-is-leaving-uc-berkeley-for-china/ – تم الاطلاع عليه في 15 أغسطس 2026 - صحيفة البلاد البحرينية (مقال رأي)، إحسان علي بوحليقة – “لماذا ذهب عمر ياغي إلى تسينغهوا ولم يأتِ إلى جامعة سعودية؟”، نشر في 12 يوليو 2026
https://www.albiladpress.com/news/2026/6480/columns/1008710.html – تم الاطلاع عليه في 15 أغسطس 2026 - شبكة الجزيرة نت – “هل يصبح الخليج قوة عظمى في الذكاء الاصطناعي؟”، نشر في 1 يونيو 2025 (نقلا عن بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية)
https://www.aljazeera.net/ebusiness/2025/6/1/can-gulf-ai-superpower – تم الاطلاع عليه في 15 أغسطس 2026 - صحيفة الشرق الأوسط – “سعودي أردني يتربع على عرش نوبل للكيمياء… من هو عمر ياغي؟”، نشر في 8 أكتوبر 2025
https://aawsat.com/العالم-العربي/5195072-سعودي-أردني-يتربّع-على-عرش-نوبل-للكيمياء-من-هو-عمر-ياغي؟ – تم الاطلاع عليه في 15 أغسطس 2026
بقلم سارة خليل
ALAHRAR.NET



