الرئيسيةالعلوم والتكنولوجياالذكاء الاصطناعيكيف يحاول معهد بحثي وهمي توجيه إجابات ChatGPT حول غزة؟

كيف يحاول معهد بحثي وهمي توجيه إجابات ChatGPT حول غزة؟

كشفت تحقيقات صحفية أن شركة العلاقات العامة الأمريكية «بيرو» أنشأت موقعا يتنكر في هيئة مركز أبحاث أمريكي مستقل يحمل اسم «معهد هانوفر للسياسات العامة». يموّل هذا الموقع وكالة الإعلان الحكومية الإسرائيلية، وهدفه التأثير في الإجابات التي تقدّمها نماذج الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT وPerplexity حول حرب غزة، ويطرح هذا الكشف تساؤلات جدية حول قابلية أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي للتوجيه من جهات حكومية تسعى إلى تشكيل الرأي العام عبر قنوات جديدة يصعب تتبعها.

نشر الموقع، منذ السادس من أغسطس، أكثر من مئة تقرير تحت عنوان «تقارير بيانات»، تتناول مواضيع حساسة مثل الوضع الإنساني في غزة وسلوك جيش الاحتلال الإسرائيلي. لم تكشف مجلة Politico عن هذه العملية إلا في الرابع عشر من أغسطس. وبعد ثلاثة أيام، نشرت منصة Responsible Statecraft تحقيقا موازيا يؤكد أن الموقع لا يمثل مركز أبحاث حقيقيا، بل واجهة لحملة تأثير ممولة من الحكومة الإسرائيلية.

مئة تقرير في أسبوعين: أرقام حملة معهد هانوفر

تشير وثائق أودعتها شركة بيرو لدى وزارة العدل الأمريكية، بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب FARA، إلى أن أكثر من اثني عشر مقالا نُشر على موقع المعهد كان جزءا من حملة بقيمة مئة ألف دولار. وتصف الوثائق هدف الحملة بأنها إنشاء ونشر مواد إعلامية موثقة ومدعومة بالوقائع. ويأتي هذا المبلغ ضمن عقد أوسع بقيمة تسعمئة ألف دولار وقعته شركة بيرو مع وكالة الإعلان الحكومية الإسرائيلية عبر فرع شركة هافاس ميديا في ألمانيا، بحسب ما أوردته منصة Cybernews استنادا إلى الوثائق نفسها.

يعتمد تصميم الموقع على الشكل التقليدي لمراكز الأبحاث الأمريكية، بألوانه الأحمر والأبيض والأزرق، وجداول محتوياته، وحواشيه السفلية. لم يظهر اسم كاتب واحد على أي من التقارير. ولا يظهر إشعار الشفافية إلا في أسفل الصفحة، حيث يوضح أن الشركة الموزّعة للمحتوى هي بيرو، نيابة عن هافاس ميديا ألمانيا، نيابة عن وكالة الإعلان الحكومية الإسرائيلية. وحين حلّلت منصة Responsible Statecraft اثني عشر مقالا عشوائيا باستخدام أداة الكشف عن النصوص المولّدة آليا GPTZero، صنّفت الأداة أحد عشر مقالا منها بأنه مكتوب بالذكاء الاصطناعي بثقة عالية، فيما صُنّف المقال الأخير بثقة متوسطة.

من تحسين محركات البحث إلى «تسميم» النماذج اللغوية

لا يشكّل ما جرى تكتيكا معزولا، بل امتدادا لصناعة ناشئة تسعى إلى التأثير في الطبقة التي تستقي منها روبوتات الدردشة إجاباتها، بدل استهداف محركات البحث التقليدية وحدها. يصف موقع شركة بيرو هذه الخدمة بأنها «تأليف محتوى مُصمَّم وفق الطريقة التي تقيّم بها النماذج اللغوية الضخمة مصداقية المصادر»، وتحت مسمى «تحسين القصة للذكاء الاصطناعي». ويطلق بعض المختصين على هذه الممارسة اسم «تسميم النماذج اللغوية»، في إشارة إلى إدخال محتوى موجّه ضمن المصادر التي تعتمد عليها هذه النماذج عند توليد إجاباتها.

هذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها إسرائيل، عبر شركة هافاس، إلى هذا النوع من الأدوات. فقد استعانت الحملة سابقا بمستشار سياسي أمريكي عمل مديرا لحملة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ضمن عقد بقيمة 46.5 مليون دولار، شمل إنشاء مواقع مصمَّمة خصيصا للتأثير في نتائج نماذج الذكاء الاصطناعي. وما يميّز حالة معهد هانوفر هو سرعة إنتاج المحتوى وحجمه: أكثر من مئة تقرير في أقل من أسبوعين، وهو إيقاع نادر حتى بمقاييس الوكالات المتخصصة في التسويق الرقمي.

بيرو وهافاس ووكالة الإعلان الحكومية: من يقف خلف الموقع؟

أسّس شركة بيرو دانييل روزنبرغ، الذي عمل منتجا لفيلم المخرج سبايك لي «إنسايد مان». وأكد روزنبرغ لصحيفة Politico أن شركته كُلّفت من قبل الدولة الإسرائيلية «لإدراج وقائع موثقة في السجل العام ومواجهة المعلومات المضللة حول إسرائيل». ولم ترد كل من هافاس ميديا ومعهد هانوفر والسفارة الإسرائيلية في واشنطن على طلبات التعليق التي وجهتها Politico.

تتولى شركة هافاس ميديا الفرنسية الجزء الأكبر من أنشطة التأثير الإسرائيلية المسجَّلة بموجب قانون FARA في الولايات المتحدة، فيما تعمل بيرو كأحد مقاوليها من الباطن. أما الطرف الممول فهو وكالة الإعلان الحكومية الإسرائيلية «لاعام»، التي تنسّق العمل مع وزارة الخارجية الإسرائيلية في تحديد المواضيع المستهدفة. ورصدت Politico مؤشرات تقنية تربط الموقع بشركة ناشئة أمريكية تدعى Res، مقرها سياتل، ومتخصصة في مساعدة الشركات على الظهور ضمن التوصيات التي تقدّمها نماذج الذكاء الاصطناعي. وقد اختفت نسخة مطابقة لصفحة المعهد كانت مستضافة على خوادم Res بعد أن تواصلت Politico مع الشركة طلبا للتعليق.

اختبارات متضاربة حول قدرة النماذج على الاستشهاد بمحتوى هانوفر

اختبرت Politico نفسها استجابة النماذج اللغوية عبر أسئلة محايدة حول غزة والصهيونية ومعاداة السامية، فوجدت أن ChatGPT وPerplexity استشهدا فعلا بمحتوى من معهد هانوفر في إجاباتهما. غير أن منصة Novara Media أجرت اختبارات مماثلة على ChatGPT وClaude وPerplexity، ولم تجد أيا من هذه النماذج الثلاثة يستشهد بالمعهد عند طرح أسئلة مشابهة. في المقابل، توصّل صحفيو Jerusalem Post إلى أن Perplexity اعتمد بشكل ملحوظ على مضمون هانوفر عند سؤاله عمّا إذا كان جيش الاحتلال الإسرائيلي «الجيش الأكثر أخلاقية في العالم».

النتائج إذن متضاربة. يكشف هذا التباين أن قابلية النماذج اللغوية للتأثر بهذا النوع من المحتوى ليست ثابتة، بل تتغير بحسب النموذج المستخدم وصياغة السؤال وتوقيت الاختبار. ولافت أن بعض تقارير المعهد نفسها تتقاطع أحيانا مع مواقف تخالف الخطاب الرسمي الإسرائيلي؛ إذ يصف أحد التقارير فرضية ربط التمويل الأجنبي للجامعات بحوادث معاداة السامية بأنها «ضعيفة ومليئة بالاستثناءات». وقد روّج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لهذه الفرضية نفسها في تصريحات سابقة.

ماذا بعد الكشف؟ الشركات الكبرى ومسؤولو الشفافية تحت الأنظار

لم تصدر شركات الذكاء الاصطناعي المعنية، مثل OpenAI وPerplexity، أي موقف علني حول كيفية تعاملها مع محتوى مموّل من جهات حكومية ومصمَّم خصيصا للاستشهاد به. ويبقى الإفصاح الوحيد المتاح حاليا هو الإشعار المقتضب في أسفل موقع معهد هانوفر. تضاف إلى ذلك وثائق FARA التي يلزم القانون الأمريكي بإيداعها لدى وزارة العدل كلما مارس طرف أجنبي نشاط ضغط أو تأثير داخل الولايات المتحدة.

يرى مراقبون في هذا المجال أن حالة معهد هانوفر قد تشكّل نموذجا يتكرر مستقبلا، نظرا إلى انخفاض تكلفة إنشاء مواقع مشابهة مقارنة بحجم التأثير المحتمل على إجابات ملايين المستخدمين. لا يتعلق الأمر هنا بحملة دعائية تقليدية موجهة إلى القراء البشريين، بل بمحاولة مدروسة لاختراق الطبقة الوسيطة التي تستقي منها نماذج الذكاء الاصطناعي مصادرها ومعاييرها لتقييم المصداقية.

حتى الآن، لا تتوفر معطيات علنية تحدد ما إذا كانت الجهات المشغّلة لهذه النماذج ستراجع آليات فهرستها للمصادر. ولا يُعرف كذلك ما إذا كانت الجهات الرقابية الأمريكية ستوسّع تحقيقها في هذا الملف استنادا إلى وثائق FARA المودعة حديثا.

المصادر

  1. Politico – «Israeli PR Teams Want To Answer Your ChatGPT Questions»
    https://www.politico.com/newsletters/politico-influence/2026/08/14/israeli-pr-wants-to-answer-your-chatgpt-questions-01038138 – تم الاطلاع عليه في 22 أغسطس 2026
  2. Responsible Statecraft – «Israel creates fake think tank in likely attempt to dupe AI chatbots»
    https://responsiblestatecraft.org/israel-influence-chatgpt/ – تم الاطلاع عليه في 22 أغسطس 2026
  3. Cybernews – «The Hanover Institute resembles an Israeli-funded influence campaign»
    https://cybernews.com/security/hanover-institute-influencing-ai-analysis/ – تم الاطلاع عليه في 22 أغسطس 2026
  4. Next.ink – «Pour Israël, des agences de com’ créent un faux think tank pour influencer les chatbots»
    https://next.ink/252028/pour-israel-des-agences-de-com-creent-un-faux-think-tank-pour-influencer-les-chatbots/ – تم الاطلاع عليه في 22 أغسطس 2026
  5. Novara Media – «Israel Is Trying to Game ChatGPT Results About Gaza and the IDF»
    https://novaramedia.com/2026/08/21/israel-is-trying-to-game-chatgpt-results-about-gaza-and-the-idf/ – تم الاطلاع عليه في 22 أغسطس 2026

بقلم: سارة خليل – الأحرار.نت

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

سارة خليل
سارة خليلhttps://alahrar.net/
سارة خليل صحفية متخصصة في العلوم والتكنولوجيا والصحة العامة. تهتم بتبسيط القضايا العلمية المعقدة وشرح أثر الابتكار والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في حياة الأفراد والمجتمعات. تتابع كذلك موضوعات الأبحاث الطبية والصحة النفسية والأمن السيبراني، مع الحرص على الاستناد إلى المصادر الموثوقة وتقديم المعلومات بلغة واضحة ومفهومة لغير المتخصصين.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة