الرئيسيةحقوق الإنسانالتقارير الحقوقيةكيف تتحول زنزانة في لويزيانا إلى مكان للصمت والمرض؟

كيف تتحول زنزانة في لويزيانا إلى مكان للصمت والمرض؟

شاهدت بالصدفة، في مساء أغسطس حار، مقطع فيديو قصيرا يتسلل من عمق مركز احتجاز في ولاية لويزيانا الأمريكية. صوت رجل يتحدث بلغة متعبة، بينما تتراكم خلفه أجساد لا تُحصى داخل مساحة ضيقة لا تتناسب البتة مع هذا العدد. 76 شخصا، هكذا يقول الصوت في الشريط، محشورون في زنزانة واحدة، يتقاسمون الهواء والخوف والانتظار. لا سرير يكفي الجميع. لا هواء يكفي الجميع. لم أستطع، وأنا أشاهد الضوء الخافت لهاتفي ينعكس على الجدار، أن أفصل بين صورة هذا الجسد المحتجز وصورة كل جسد إنساني حاول يوما أن يعبر حدودا بحثا عن حياة أخرى.

نخاف من الاكتظاظ حين يتحول إلى رقم في تقرير. نخاف من المرض حين يصبح تفصيلا عابرا في نشرة إخبارية. نخاف، أكثر من كل هذا، من الصمت الذي يلف هذه الأجساد حين لا يعود أحد يسأل عنها. يقول الرجل في الشريط، وفق ما تناقلته منصات التواصل الاجتماعي في 8 أغسطس 2026، إن الإنفلونزا والتهاب الملتحمة ينتشران بين المحتجزين، وإن مصابين بداء السل يوضعون في زنازين تأديبية عوض أن يحصلوا على رعاية طبية، وإن الطعام يصل فاسدا في بعض الأحيان. هذه رواية واحدة، من مصدر واحد، لم يتحقق منه أحد بعد بشكل مستقل. وهذا ما يجب قوله بوضوح قبل أي شيء آخر.

غير أن ما يجعل هذه الرواية صعبة التجاهل ليس تفاصيلها وحدها، بل كونها تتكرر، بأشكال مختلفة، منذ سنوات، في الولاية نفسها. ذلك أن مركز ريفر الإصلاحي في مدينة فيراداي، الذي يديره مقاول خاص باسم مؤسسة لاسال كوريكشنز بتفويض من إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، ليس استثناء في خريطة مراكز الاحتجاز الفدرالية بلويزيانا، بل جزء من منظومة أوسع طالما وُصفت بأنها مثقلة بعدد يفوق طاقتها الاستيعابية.

ووفق تقرير نشره الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية في أغسطس 2024، استند إلى أدلة جُمعت على مدى عامين كاملين، فإن مراكز الاحتجاز التابعة لإدارة الهجرة والجمارك في لويزيانا شهدت حالات إساءة جسدية وجنسية، وإهمالا طبيا موثقا، وحرمانا من ضروريات أساسية، إضافة إلى نقص حاد في الترجمة اللغوية لفائدة المحتجزين غير الناطقين بالإنجليزية. في المقابل، خلص تقرير أصدره مكتب المفتش العام بوزارة الأمن الداخلي الأمريكية، ونقلته شبكة إن بي سي نيوز في يونيو 2026، إلى أن موظفين في مركز وين الإصلاحي بوسط الولاية استخدموا وسيلة خنق محظورة للسيطرة على أحد المحتجزين، وطعنوا آخر بقلم في يده حين تعذر عليهم إغلاق باب وحدة سكنية، فضلا عن مشاكل تتعلق بتسرب المياه وتساقط مواد العزل من الأسقف.

وفي سابقة أكثر دلالة، رفعت ولاية لويزيانا في أكتوبر 2024 دعوى قضائية ضد وزارة الأمن الداخلي وإدارة الهجرة والجمارك، بعدما أكدت مصلحة الصحة بالولاية إصابة محتجز بسلالة نادرة ومقاومة للأدوية من داء السل، بعد أن نُقل هذا الشخص بين عدة مراكز احتجاز في الولاية، وتعرض لمخالطته ما يقارب 200 شخص بين محتجزين وغير محتجزين، بحسب ما أوردته صحيفة تايمز پيكايون-نولا. ذلك يعني أن التخوف من انتشار أمراض معدية داخل هذه المراكز ليس افتراضا نظريا، بل سبق أن تحول إلى أزمة صحية موثقة رسميا، أفضت إلى نزاع قانوني بين سلطة الولاية والسلطة الفدرالية حول من يملك حق الفصل في مصير المحتجزين المعرضين للعدوى.

كما أظهر تحقيق استقصائي نشرته صحيفة واشنطن بوست في يوليو 2026، استند إلى شريط فيديو مسرب وسجلات قضائية، أن مسؤولين في إدارة الهجرة والجمارك كانوا على علم بخطورة الاكتظاظ داخل إحدى غرف الاحتجاز، واستمروا رغم ذلك في حشر أعداد متزايدة من الأشخاص فيها، في ظل امتلاء المراكز المجاورة ومحدودية الرحلات الجوية المتاحة لنقل المحتجزين إلى مناطق أخرى من البلاد. ويوضح التحقيق نفسه أن الإدارة لا تسمح بإدخال كاميرات إلى داخل مراكزها، وهو ما يفسر جزئيا لماذا لا تصل صور هذه الأماكن إلى الرأي العام إلا عبر هواتف مهربة يخاطر أصحابها بعقوبات تأديبية إن اكتُشف أمرها.

لم تصدر إدارة الهجرة والجمارك، حتى لحظة كتابة هذه السطور، أي رد رسمي منشور بخصوص شريط 8 أغسطس تحديدا أو مركز ريفر الإصلاحي بالذات. لكن الإدارة سبق أن أكدت، في وقائع سابقة متعلقة بمراكز أخرى بالولاية، أنها تنسق مع السلطات الصحية المحلية والفدرالية كلما نشأت مخاوف من عدوى بين المحتجزين، وأنها تعمل على معالجة أوجه القصور التي تكشفها التقارير الرسمية.

والمفارقة أن مركز ريفر الإصلاحي نفسه ليس غائبا عن آليات الرقابة الرسمية. يُظهر أرشيف الموقع الرسمي لإدارة الهجرة والجمارك أن المركز خضع لعمليات تفتيش دورية في 2019 و2022 وأواخر 2024، وهو ما يعني أن السلطة الفدرالية تملك، من حيث المبدأ، أدوات لمعاينة أوضاعه من الداخل. غير أن مضمون هذه التقارير لم يُتح الاطلاع عليه بشكل كامل عبر المصادر المتوفرة عند إعداد هذا المقال، ما يترك سؤالا مفتوحا: هل كانت عمليات التفتيش هذه كافية لرصد اكتظاظ بحجم الذي يصفه الشريط المسرب، أم أن هوامش واسعة من الحياة اليومية داخل المركز تبقى، ببساطة، خارج مجال الرؤية الرسمية؟

يا صديقي القارئ، ألا يذكرك هذا بما كتبه ألبير كامو عن الغريب الذي يجد نفسه محاصرا بجدران لا يفهم منطقها؟ الفرق أن أبطال كامو كانوا شخصيات متخيلة، بينما الأجساد الحبيسة في زنازين لويزيانا اليوم أجساد حقيقية، تتنفس هواء رطبا، وتنتظر أن يسمعها أحد. لا أملك، وأنا أكتب هذه السطور، تأكيدا مستقلا لكل ما ورد في الشريط المسرب في 8 أغسطس. لكنني أملك يقينا واحدا: أن الصمت الذي طالب الرجل في الفيديو بكسره هو نفسه الصمت الذي وثقته تقارير رسمية متعاقبة منذ عامين على الأقل، وأن هذا التكرار وحده يستحق أن يُسأل عنه، لا أن يُطوى في زاوية منسية من نشرة عابرة.


المصادر

  1. الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية – تقرير حول انتهاكات موثقة في مراكز احتجاز تابعة لإدارة الهجرة والجمارك في لويزيانا، أغسطس 2024
    https://www.aclu.org/press-releases/new-report-exposes-rampant-abuse-in-louisiana-ice-detention-facilities – تم الاطلاع عليه في 11 أغسطس 2026
  2. شبكة إن بي سي نيوز – تقرير حول نتائج مكتب المفتش العام بوزارة الأمن الداخلي بشأن مركز وين الإصلاحي في لويزيانا، يونيو 2026
    https://www.nbcnews.com/news/us-news/dhs-watchdog-finds-use-force-issues-safety-sanitation-concerns-louisia-rcna348367 – تم الاطلاع عليه في 11 أغسطس 2026
  3. صحيفة تايمز پيكايون-نولا – تقرير حول دعوى قضائية رفعتها ولاية لويزيانا ضد إدارة الهجرة والجمارك بسبب إصابة محتجز بسلالة مقاومة من داء السل، أكتوبر 2024
    https://www.nola.com/news/politics/landry-louisiana-surgeon-general-respond-after-state-lawsuit-ice-detainee-tb/article_38474266-9150-11ef-812e-8f2e57076a64.html – تم الاطلاع عليه في 11 أغسطس 2026
  4. صحيفة واشنطن بوست – تحقيق استقصائي حول اكتظاظ مراكز احتجاز إدارة الهجرة والجمارك، يوليو 2026
    https://www.washingtonpost.com/immigration/interactive/2026/07/22/ice-officials-warned-dangerous-crowding-see-how-they-kept-packing-people/ – تم الاطلاع عليه في 11 أغسطس 2026
  5. الموقع الرسمي لإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية – صفحة مركز ريفر الإصلاحي في فيراداي بلويزيانا
    https://www.ice.gov/detain/detention-facilities/river-correctional-center – تم الاطلاع عليه في 11 أغسطس 2026
  6. شريط فيديو متداول على منصات التواصل الاجتماعي، نُسب إلى محتجز داخل مركز ريفر الإصلاحي – مصدر غير مؤسساتي، لم يتم التحقق منه بشكل مستقل حتى تاريخ نشر هذا المقال، 8 أغسطس 2026 (⚠ رواية غير مؤكدة)

ليلى منصور

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

ليلى منصور
ليلى منصورhttps://alahrar.net/
ليلى منصور صحفية عربية تهتم بقضايا المجتمع وحقوق الإنسان والمرأة والهجرة والتحولات الاجتماعية في المنطقة العربية. تركز في عملها على القصص الإنسانية والموضوعات التي تعكس أثر السياسات العامة في الحياة اليومية للمواطنين. تكتب بأسلوب يجمع بين الدقة الصحفية والاهتمام بالشهادات الميدانية، وتسعى إلى تقديم القضايا الاجتماعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والتناول السطحي
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة