الرئيسيةمرصدالتحقق من المعلوماتأزمة سبتة: هل دبرت إسرائيل والولايات المتحدة هذه الأزمة؟ (تحقيق)

أزمة سبتة: هل دبرت إسرائيل والولايات المتحدة هذه الأزمة؟ (تحقيق)

اعتبر الصحافي البريطاني أوين جونز أن عبور عشرات الآلاف من المهاجرين إلى سبتة يحمل بصمات منهجية تشبه عمليات تأثير رقمي إسرائيلية موثقة سابقا في اسكتلندا وسلوفينيا والولايات المتحدة. وبحسب تحليله، فإن الحملة الرقمية المجهولة التي دفعت الحشود نحو الحدود، تتقاطع مع نمط تكرر في عمليات نسبتها تحقيقات صحافية مستقلة إلى شركات إسرائيلية متخصصة في التأثير السياسي.

عبر ما يزيد على 60 ألف شخص الحدود الفاصلة بين المغرب وسبتة خلال يومي 30 و 31 يوليو 2026، في واحدة من أكبر موجات العبور الجماعي التي شهدتها المدينة منذ سنوات، وسط سقوط عشرات القتلى وفق مصادر رسمية متفاوتة. ونشر جونز، على منصته الخاصة “باتل لاينز”، تحليلا مطولا حيت عنونه كالاتي : “نعلم أن إسرائيل والولايات المتحدة استغلتا أزمة سبتة. لكن هل ذهب تدخلهما إلى أبعد من ذلك؟ “, خلص فيه التحليل المفصل إلى أن الأزمة قد لا تكون تلقائية، مستندا إلى سلسلة مؤشرات ميدانية ورقمية، وإلى سوابق موثقة لعمليات تأثير إسرائيلية استهدفت انتخابات وحكومات في أوروبا وأمريكا الشمالية.

التحالف العسكري والاستخباراتي بين الرباط وتل أبيب وواشنطن

يذكّر جونز بأن المغرب حليف وثيق لكل من إسرائيل والولايات المتحدة. فالرباط تُصنَّف حليفا رئيسيا من خارج حلف الناتو، وتستضيف سنويا مناورة “الأسد الإفريقي” الأكبر لقيادة أفريكوم الأمريكية، فيما تربطها بواشنطن اتفاقية تجارة حرة بقيمة تبادل سنوي تناهز 7.4 مليارات دولار. وفي 2020، طبّعت الرباط علاقاتها مع تل أبيب برعاية أمريكية، ووقّع الطرفان في نوفمبر 2021 مذكرة تفاهم دفاعية أرست إطارا للتعاون الاستخباراتي والمناورات المشتركة وصفقات السلاح، ثم أبرما في يناير الماضي خطة عمل عسكرية مشتركة لعام 2026. ويشدد جونز على أن هذا التقارب لا يثبت بذاته تورط تل أبيب في سبتة، لكنه يرسم السياق الذي وقعت فيه الأزمة.

سلبية أمنية ثم قمع مفاجئ: المؤشرات الميدانية

يستند جونز إلى شهادة مصور وكالة أسوشيتد برس الذي رأى عناصر الدرك المغربي يتركون آلاف العابرين يمرون من أمامهم دون أي تدخل، وهو ما أكدته صحيفة “إل بايس” الإسبانية، ووصفت “السلبية الأولية” لقوات الرباط بأنها كانت “واضحة” من ظهيرة الخميس حتى صباح الجمعة. ولم تلجأ السلطات المغربية إلى الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه إلا بعد عبور عشرات الآلاف، وهو ما يعتبره جونز دليلا على أن الأجهزة الأمنية كانت قادرة على وقف الحركة متى قررت ذلك, لكن لم تفعل ذالك اطلاقا. ويستدعي جونز هنا سابقة مايو 2021، حين دخل نحو 8 آلاف مهاجر إلى سبتة عقب استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو للعلاج، وهي الأزمة التي خلص مركز “تشاتام هاوس” إلى أن الرباط استخلصت منها أن الضغط على الجيوب الإسبانية ناجع، بعدما تخلّت مدريد لاحقا عن موقفها التاريخي إزاء استفتاء الصحراء الغربية.

و ثمة عنصرا أخر أكثر تحديدا: تقريرا نشرته صحيفة “إل إسبانيول” نقلا عن مصادر في هيئة أركان الحرس المدني الإسباني، جزمت بأن كاميرات المراقبة الحدودية رصدت عناصر تابعة لجهاز الاستخبارات المغربي بين العابرين، مهمتها الإشراف على الحركة ومراقبة استجابة قوات الأمن الإسبانية، وأن مصادر استخباراتية إسبانية أخرى أكدت هذا الرصد، مشيرة إلى تسلل مماثل في أزمات سابقة بسبتة ومليلية. كما أشار موقع “يورونيوز” إلى أن الاستخبارات الإسبانية كانت قلقة بالفعل من تصاعد تدريجي في عمليات العبور السباحي خلال الأيام العشرة السابقة للأزمة، واعتبرته اختبارا محتملا من الدولة المغربية.

حملة رقمية مجهولة المصدر جرّت عشرات الآلاف نحو الحدود

يخصص جونز جزءا مهما من تحليله لحملة رقمية مجهولة الهوية، وثّقتها صحيفة “إل بايس” بالتفصيل: حسابات مجهولة روّجت لفكرة أن الحدود الإسبانية “مفتوحة” وأن العبور ممكن دون أوراق ثبوتية، ووزّعت إرشادات عملية لمساعدة الناس على الوصول إلى الحدود وعبورها، بينما جمعت إحدى المجموعات المروِّجة أكثر من 20 ألف متابع قبل إغلاقها. ولم تتمكن الصحيفة من تتبع الجهة المنظمة الأصلية، إذ اختفت الحسابات الأولى، فيما يُرجَّح أن حسابات آلية ساهمت في نشر المحتوى. وبعد اندلاع الأزمة، وثّقت منظمة “مالديتا” الإسبانية لتقصي الحقائق ظهورا سريعا لمنشورات تحمل وسمي #FreeCeuta و#FreeMelilla من حسابات إسرائيلية ومؤيدة لإسرائيل.

وأجرت وحدة التحقق مفتوح المصدر في الجزيرة تحليلا أوسع، رصدت خلاله عشرات الحسابات المعروفة والمجهولة المرتبطة بإسرائيل أو الداعمة لها، تستخدم صياغة شبه متطابقة، مع تكرار الخرائط والعبارات والوسوم ذاتها عبر حسابات متعددة. ووجدت الوحدة أن مشاهد مولّدة بالذكاء الاصطناعي استُخدمت لتضخيم فوضى سبتة، وأن منشورات صوّرت الأزمة على أنها “عقاب” لإسبانيا بسبب مواقفها المؤيدة للفلسطينيين. وشارك في الحملة هنانيا نفتالي، المسؤول الرقمي السابق المقرَّب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ويرى جونز أن تطابق التوقيت والصياغة بهذا الشكل يوحي بقوة بتنسيق مركزي، لكنه يقر صراحة بأن ذلك لا يثبت من يقف خلف الحسابات الأصلية.

“بلاك كور”: نموذج موثق لاستهداف الانتخابات في اسكتلندا

يستدل جونز على سوابق إسرائيلية موثقة مستقلة عن سبتة، أولها ملف شركة “بلاك كور” الإسرائيلية، التي اتهمتها الوكالة الفرنسية لمكافحة التدخل الرقمي الأجنبي باستهداف انتخابات في عدة دول، من بينها اسكتلندا، حيث تعرّض رئيس الوزراء الاسكتلندي جون سوايني وحزبه الوطني الاسكتلندي لحملة منسقة من مئات الحسابات عقب انتقادهما للعملية العسكرية الإسرائيلية في غزة. و نقلت رويترز أن الشركة اشتُبه في تدخلها أيضا بانتخابات في نيويورك وفرنسا، قبل أن تختفي فعليا من الواجهة العلنية بعد أن تواصلت معها الوكالة للاستفسار، رغم أنها كانت قد روّجت علنا لقدرتها على تنفيذ عمليات تأثير معقدة لصالح حكومات وحملات سياسية.

“بلاك كيوب”: تلفيق الفضائح واستهداف الناشطين المؤيدين للفلسطينيين

يستعرض التحليل أيضا شركة “بلاك كيوب”، التي أسسها ضباط استخبارات إسرائيليون سابقون وتُعرف إعلاميا بـ“الموساد الخاص”. وتتهمها تحقيقات صحافية، من بينها تحقيق لموقع “بوليتيكو” الأوروبي، باستخدام هويات مزيفة وعروض عمل وهمية وكاميرات خفية واتهامات فساد مفبركة ضد صحافيين وناشطين وسياسيين مؤيدين للقضية الفلسطينية، من بينها محاولة مزعومة لزعزعة استقرار حكومة سلوفينيا عشية انتخابات. ويشير التقرير إلى أن أحد مستشاري الشركة هو جيورا آيلاند، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، الذي دعا علنا إلى حرمان سكان غزة من الغذاء والماء والوقود، ورحّب بانتشار الأوبئة كوسيلة لتحقيق النصر، بحسب مقال نشرته صحيفة الغارديان.

“فريق خورخي”: مصنع الهويات الرقمية المزيفة

يستند التحليل كذلك إلى تحقيق استقصائي سري نشرته صحف عالمية عام 2023، كشف عن مجموعة تُعرف بـ”فريق خورخي”، تفاخر مؤسسها أمام صحافيين متخفّين بأن منظمته تدخّلت سرا في عشرات الانتخابات حول العالم. وبحسب التحقيق، كانت تقنية المجموعة تتيح لعملائها تصنيع وإدارة هويات رقمية معقدة عبر منصات متعددة، مزوَّدة ببعض الحسابات المالية والتجارية التي تمنحها مظهرا واقعيا، إذ كان البرنامج يتحكم بآلاف الشخصيات الوهمية المرتبطة بحسابات بريد إلكتروني وبطاقات ائتمان ومحافظ عملات رقمية وسِيَر حياتية مفبركة بعناية.

بيغاسوس وحملة ممولة حكوميا استهدفت سياسيين أمريكيين

يضيف التحقيق عنصرين أخيرين إلى قائمة السوابق: تقريرا لصحيفة نيويورك تايمز كشف أن الحكومة الإسرائيلية موّلت حملة سرية استخدمت حسابات وهمية على وسائل التواصل لاستهداف سياسيين أمريكيين بدعاية مؤيدة لإسرائيل، إضافة إلى برنامج التجسس الإسرائيلي “بيغاسوس” الذي استُخدم بحق سياسيين ومعارضين حول العالم بحسب تحقيقات أسوشيتد برس. ويذكّر جونز أيضا بأن إسرائيل ضاعفت ميزانية دعايتها الرسمية خمس مرات لتصل إلى 730 مليون دولار، وفق تقرير لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل” استشهد به. ويخلص التحقيق إلى أن السؤال ليس عمّا إذا كانت إسرائيل تملك أدوات التأثير في السياسة الخارجية بهذا الشكل، فهي تملكها دون شك، بل عمّا إذا كانت هذه الأدوات استُخدمت تحديدا في سبتة.

ما يرفضه المغرب وإسرائيل رسميا

في المقابل، نفت وزارة الداخلية المغربية رسميا أي صلة للأزمة بأطراف خارجية، وعزتها إلى حملة تضليل رقمي وشبكات تهريب استغلت تأويلا مغلوطا لحكم قضائي إسباني، معلنة فتح تحقيق قضائي لتحديد المسؤولين. من جهتها، وصفت مصادر إسرائيلية وأمريكية الاتهامات الموجهة إلى تل أبيب “بأنها معادية للسامية” و “خالية من الدليل”، ونقلت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” عن جهة رقابية أن منشورات تتهم إسرائيل بتدبير الأزمة وصلت إلى أكثر من 100 مليون مستخدم على منصة إكس دون إسناد موثق، فيما وصف سفير واشنطن لدى إسرائيل مايك هاكابي تداول إحدى هذه النظريات بأنه “افتراء دموي” جديد.

النمط الموثق والفرضية

يفرّق جونز نفسه، بوضوح، بين مستويين من الأدلة. فالسوابق الخاصة بـ”بلاك كور” و”بلاك كيوب” و”فريق خورخي” وبرنامج بيغاسوس وحملة تمويل الحسابات الوهمية، موثقة بتحقيقات صحافية مستقلة منشورة في رويترز والغارديان ونيويورك تايمز وبوليتيكو وأسوشيتد برس، وتخص عمليات تأثير أثبتتها تلك التحقيقات في سياقات أخرى غير سبتة. أما فرضية أن الأسلوب نفسه استُخدم لتحريك أزمة سبتة تحديدا، فتبقى استنتاجا تحليليا امكانية صحته كبيرة، مبنيا على تشابه النمط وتزامن التوقيت مع زيادة الدعم الأمريكي العسكري والاقتصادي للمغرب، وتمويل مشروع للأمونيا في الصحراء الغربية، ولغة تقرير للجنة الاعتمادات في الكونغرس الأمريكي وصفت سبتة ومليلية بأنهما مدينتان تقعان في أراض مغربية. ولم تُنشر حتى الآن أي وثيقة رسمية أو تحقيق مستقل يربط بشكل مباشر أيا من هذه الشركات أو الحسابات المكتشفة في سبتة بجهة حكومية إسرائيلية أو أمريكية محددة.

فتحت النيابة العامة المغربية تحقيقا قضائيا لتحديد الجهات المسؤولة عن الحملة الرقمية التي سبقت العبور الجماعي، دون أن تُعلن نتائج نهائية حتى الآن. ويظل السؤال الذي يطرحه جونز نفسه في ختام تحليله مفتوحا: ليس ما إذا كانت إسرائيل تملك آلية التأثير هذه، بل ما إذا جرى تفعيلها فعلا في سبتة، وهو ما يتطلب، بحسب تعبيره، تحقيقا مستقلا لم يُجرَ بعد.

المصادر

  1. أوين جونز، مقال تحليلي على منصة “باتل لاينز” – هل دبّرت إسرائيل وأمريكا أزمة سبتة؟
    تاريخ الاطلاع: 4 أغسطس 2026
  2. وكالة أسوشيتد برس (AP) – تغطية ميدانية لعبور المهاجرين وحصيلة الضحايا
    تاريخ الاطلاع: 4 أغسطس 2026
  3. صحيفة إل بايس الإسبانية – توثيق سلبية القوات المغربية والحملة الرقمية المجهولة المصدر
    تاريخ الاطلاع: 4 أغسطس 2026
  4. صحيفة إل إسبانيول – تقرير عن رصد الحرس المدني عناصر استخباراتية مغربية بين المهاجرين
    تاريخ الاطلاع: 4 أغسطس 2026
  5. وحدة التحقق مفتوح المصدر في الجزيرة – تحليل الحسابات المرتبطة بحملة #FreeCeuta الرقمية
    تاريخ الاطلاع: 4 أغسطس 2026
  6. وكالة رويترز – تقرير عن اتهامات فرنسية لشركة بلاك كور بالتدخل في انتخابات أوروبية
    تاريخ الاطلاع: 4 أغسطس 2026
  7. موقع بوليتيكو الأوروبي – تحقيق حول نشاط شركة بلاك كيوب في سلوفينيا
    تاريخ الاطلاع: 4 أغسطس 2026
  8. صحيفة نيويورك تايمز – تقرير حول تمويل إسرائيلي لحملة حسابات وهمية استهدفت سياسيين أمريكيين
    تاريخ الاطلاع: 4 أغسطس 2026
  9. صحيفة تايمز أوف إسرائيل – تقرير حول انتشار اتهامات لإسرائيل ووصفها بنظرية مؤامرة
    تاريخ الاطلاع: 4 أغسطس 2026
  10. مركز تشاتام هاوس البحثي – تحليل سابقة مايو 2021 بين المغرب وإسبانيا
    تاريخ الاطلاع: 4 أغسطس 2026

سارة خليل

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

سارة خليل
سارة خليلhttps://alahrar.net/
سارة خليل صحفية متخصصة في العلوم والتكنولوجيا والصحة العامة. تهتم بتبسيط القضايا العلمية المعقدة وشرح أثر الابتكار والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في حياة الأفراد والمجتمعات. تتابع كذلك موضوعات الأبحاث الطبية والصحة النفسية والأمن السيبراني، مع الحرص على الاستناد إلى المصادر الموثوقة وتقديم المعلومات بلغة واضحة ومفهومة لغير المتخصصين.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة