بقلم قدور شويشة
يستند المدافعون عن هذه اللغة أو تلك إلى حجج، فالفرنسية “غنيمة حرب” والإنجليزية “لغة العلم الأولى”، وهذه الحجج تتجاهل، وبذلك تُقصي، اللغة العربية واللغة الأمازيغية باعتبارهما لغتين غير قادرتين على حمل العلم. توحي هذه الرؤية بأن اللغة هي التي تصنع التنمية وليس القرار والإرادة في إرساء التنمية وإنتاجها، أي الإرادة السياسية التي تُسخّر الوسائل اللازمة لبلوغ هذا الهدف.
ومن الغريب أيضاً أن المدافعين عن اللغة العربية أو اللغة الأمازيغية، كلٌّ من جانبه، التزموا الصمت أو فضّلوا نقل هذا الاختيار، بعضهم نحو اللغة الإنجليزية والبعض الآخر نحو اللغة الفرنسية، وبذلك يُشكّكون في كل الحجج التي استُخدمت سابقاً للدفاع عن اللغتين الوطنيتين.
غير أن وضع قطاع التربية في الجزائر، المتدهور بشكل عام، لا يمكن اختزاله في مجرد اللغة المستخدمة. صحيح أن تدريس الأمازيغية يواجه عراقيل. أما التطور باللغة العربية فقد استمر لكنه اصطدم بعائق آخر يتمثل في ازدواجية الجامعة الوطنية، إذ إن هناك استمرارية في العلوم الاجتماعية والإنسانية، رغم كل الإكراهات (التكوين الأولي للأساتذة وتوفر المؤلفات)، لكن في التكنولوجيا والعلوم الطبية لا تزال الفرنسية هي السائدة إلى اليوم، رغم قرار مطالبة أساتذة العلوم الطبية باستخدام الإنجليزية. هذه المشكلة التي تجرّ منذ عقود لم تتم معالجتها أو تحمّل مسؤوليتها بجدية من قِبل أي حكومة.
تمكنت أجيال من الطلبة الجزائريين من متابعة دراسات عليا في الخارج، إما عبر مقابلات بسيطة بالنسبة للبلدان الفرنكوفونية، أو عبر تكوين لا تقل مدته عن ستة أشهر بلغة أجنبية غير الفرنسية. فماذا عن الوضع اليوم؟ الأخبار المعروفة للجميع تشير إلى أن الفجوة قد اتسعت، سواء بالنسبة للمتوجهين إلى البلدان الفرنكوفونية أو غيرها، وبالتالي فالمسألة ليست مسألة لغة بل مسألة مسار التكوين برمّته. إن اختزال مسألة إصلاح التعليم في استبدال اللغات الأجنبية لن يُفضي إلى شيء.
نسبة ضئيلة جداً من حاملي شهادة البكالوريا الملتحقين بالجامعة تُظهر إتقاناً للفرنسية، في حين أن الأغلبية شبه أمية فيها. واستبدال الفرنسية بالإنجليزية سيؤدي إلى الظاهرة نفسها، مع احتمال زيادة عدد الطلبة “المتفوقين”، لأن آفاق الترقي الاجتماعي بالنسبة لمن يتقنون الإنجليزية تبدو أوسع، لكن فقط لأولئك القادرين على الارتباط بقطاعات مرتبطة بالمجال الدولي. أما الأغلبية فستجرّ همومها، رضيت أم كرهت، مع كل ما يرافق ذلك من هدر وأداء كارثي، في حين أن الهدر كبير أصلاً حتى قبل الالتحاق بالجامعة.
بعد استشارة الذكاء الاصطناعي حول اللغات المستخدمة في التعليم العالي في بلدان أخرى، ألاحظ أنه من بين 23 بلداً تم اختيارها (سوريا، العراق، مصر، إيران، الهند، آيسلندا، فرنسا، إيطاليا، كوريا الشمالية، كوريا الجنوبية، اليابان، الصين، البرازيل، الأرجنتين، جنوب إفريقيا، نيجيريا، روسيا، كوبا، سويسرا، النرويج، فنلندا، باكستان، تركيا)، فإن الأغلبية تعتمد، على الأقل حتى مستوى الليسانس، اللغة الوطنية للبلد أو إحدى اللغات الجهوية، باستثناء الهند وباكستان ونيجيريا وجنوب إفريقيا على التوالي، التي تستخدم الإنجليزية كلغة أولى للدراسة، مع استخدام الهندية أحياناً في الهند، والأردية في باكستان، أو الأفريكانية في جنوب إفريقيا. وتعتمد الأغلبية اللغة الإنجليزية في مرحلة الماستر والبحث العلمي، خصوصاً في البلدان التي ترغب في استقطاب الطلبة الأجانب.
ويلاحَظ أن العراق حلّت فيه اللغة العربية محل الإنجليزية ابتداءً من أواخر السبعينيات خلال حكم صدام، وحافظت على مكانتها بعد سقوطه حتى وإن كانت الإنجليزية تسترجع بعض المساحات. أما في سوريا فقد استُخدمت العربية في عهد الأسدين، وحافظت على مكانتها بعد سقوط النظام، دون أن ننسى التاريخ المضطرب الذي عاشه هذان البلدان جراء الاعتداءات العسكرية. وتشترك مصر مع الجزائر في مفهوم الجامعة المزدوجة، حيث تُستخدم العربية في العلوم الإنسانية والدراسات الإسلامية والتجارة، بينما تُستخدم الإنجليزية فيما يُسمى بالعلوم الصلبة والطب، مع ملاحظة هيمنة الإنجليزية في الجامعات الخاصة واستخدام الفرنسية في بعض الشعب.
يُلاحَظ أن كوبا تستخدم الإسبانية مثل الأرجنتين، والبرازيل تستخدم البرتغالية على جميع المستويات، وبدرجة أقل إيران التي تستخدم الفارسية بشكل عام مع اقتصار الإنجليزية على بعض المعاهد، وكوريا الشمالية التي تستخدم الكورية، مع الإشارة إلى قلة المعلومات المتوفرة عن هذا البلد. والاستنتاج الأول الذي يفرض نفسه هو أن اللغة التي استمرت في البلدان التي خضعت للاستعمار هي غالباً لغة البلد المستعمِر، إما بشكل رئيسي إن لم يكن حصرياً (كلغة وطنية)، أو مخصصة للدراسات العليا.
ولن تتمكن سوى دراسة معمّقة يقوم بها مختصون من تحديد أهم العوامل المتدخلة (مدة ونوع الاستعمار، وضعية اللغة أو اللغات الموجودة أصلاً، إلخ).
لكن هل يمكن مناقشة مسألة اللغة ومكانتها دون التطرق إلى السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي يعيش فيه الأفراد والمؤسسات؟ هل سنشهد دراسة مكرّسة لأثر الانتقاء والانتقاء المفرط اللذين يُحدثان أضراراً بالغة، ويسمحان لأبناء الطبقات الميسورة بالنجاة بسهولة أكبر، سواء في اللغات أو في التخصص؟ ولتوضيح ذلك، يكفي التذكير بأن المنحة المخصصة نظرياً للعاطلين عن العمل، حتى وإن كنا لا نعرف بالضبط النسبة المستفيدة منها ولا مدة الاستفادة، تبلغ 18000 دج، بينما تبلغ المنحة المخصصة للطلبة المسجلين في الدكتوراه بعد نجاحهم في مسابقة (بعد خمس سنوات دراسة للحصول على الماستر) 12000 دج فقط. والمشكلة لا تكمن في حصول العاطلين عن العمل على منحة، فهؤلاء موجودون لأن النظام الاجتماعي والاقتصادي عاجز عن تلبية طلبات العمل، لكن هذا يكفي لإظهار أن الرفاهية المادية هي التي تحدد ما إذا كان بإمكان الطلبة الشباب التفرغ للبحث أم لا، إذ إن مبلغ 12000 دج بعيد كل البعد عن تمكين طالب شاب من التفرغ للبحث، في حين أن حياته الاجتماعية تفرض عليه إيجاد عمل يوفر له حداً أدنى من الدخل.
فلماذا لا نوسّع استخدام اللغات الوطنية على جميع المستويات وفي جميع التخصصات، ما دامت الأمثلة المذكورة عبر البلدان المختارة تُظهر أن لغات مختلفة يمكنها الاضطلاع بهذه المهمة؟ شرط واحد فقط، هو أن تتوفر إرادة سياسية حقيقية تُرسي شروط تطوير إتقان العلم ودمجه، بما يتيح لأغلبية أبناء هذا البلد الوصول إليه. وهذا سيسمح لنا بإسكات الخلافات نهائياً بين اللغة العربية والأمازيغية، وبالتالي توطيد وحدة البلاد. إن استخدام اللغات التي يتحدث بها المواطنون والمواطنات على جميع المستويات سيُسهّل دمج العلم على جميع المستويات.
وسيبقى على المواطنين والمواطنات الذين يقولون إنهم متمسكون بهذه اللغات أن يجعلوا منها رافعة للتنمية، خاصة أننا نعيش زمناً لا صوت فيه للضعفاء.
قدور شويشة. عبر صفحته على الفايس بوك
أستاذ جامعي؛ نائب رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان (LADDH) قبل حل المنظمة،
والمنسق الوطني لنقابة أساتذة التعليم العالي المتضامنين (SESS).



