لماذا يبلغ الجوع في الوطن العربي أعلى مستوى له منذ عقدين؟
سجّل الجوع في الدول العربية عام 2024 أعلى مستوى له منذ أكثر من عشرين عاما، إذ يعاني 77.5 مليون شخص من نقص التغذية المزمن بحسب أحدث تقرير أممي مشترك. ويكشف هذا الملف كيف تتقاطع النزاعات المسلحة والجفاف المتكرر وضعف الإنتاج الزراعي والاعتماد المتصاعد على استيراد الحبوب، لتنتج أزمة غذائية بنيوية تطال قرابة 198 مليون إنسان في المنطقة.
من دارفور إلى غزة، ومن سهول المغرب الجافة إلى ضفاف دجلة والفرات المنحسرة، يرسم الأمن الغذائي في الوطن العربي خريطة واحدة متعددة الأوجه لأزمة واحدة. فبينما تعيش بعض الدول مجاعة معلنة رسميا كما في السودان، تواجه دول أخرى فاتورة استيراد متضخمة تهدد توازناتها المالية، فيما تراهن دول ثالثة على عودة الأمطار بعد سنوات من الجفاف القاسي. ويجمع بين هذه المشاهد المتباينة عامل مشترك واحد هو الاعتماد المفرط على الأسواق الخارجية لتغطية الاحتياجات الأساسية من الغذاء، في منطقة لا تنتج سوى جزء محدود مما تستهلكه من القمح والحبوب.
وبحسب “الاستعراض الإقليمي لحالة الأمن الغذائي والتغذية في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا” لعام 2025، الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة (فاو) بالشراكة مع الصندوق الدولي للتنمية الزراعية واليونيسف وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا)، فإن الدول العربية “لا تزال بعيدة عن مسار تحقيق أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالقضاء على الجوع بحلول عام 2030”. ولا يتعلق الأمر بأزمة عابرة مرتبطة بموسم جفاف واحد أو نزاع بعينه، بل بانكشاف بنيوي راكمته عقود من ضعف الاستثمار الزراعي وتصاعد الاعتماد على الاستيراد، قبل أن تأتي الحروب المتلاحقة والتغير المناخي لتفجرا هذا الانكشاف دفعة واحدة.
من “الخبز مقابل السلم الاجتماعي” إلى انكشاف مزمن: جذور الملف عبر خمسة عقود
لم يبدأ الاعتماد العربي على استيراد الغذاء مع الحرب الروسية الأوكرانية، بل يعود إلى عقود من السياسات التي فضّلت دعم أسعار الخبز على الاستثمار في الإنتاج الزراعي المحلي. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، بنت حكومات في الجزائر والمغرب وتونس وليبيا ما يوصف بـ”العقد الاجتماعي القائم على الخبز الرخيص”، حيث ضخّت عائدات النفط والموارد العامة في دعم هائل ثبّت أسعار الدقيق والخبز عند مستويات زهيدة. ونجحت هذه الصيغة في ضمان استقرار اجتماعي نسبي لعقود، لكنها كرّست في المقابل اعتمادا متزايدا على الاستيراد بدل تطوير القدرة الإنتاجية المحلية.
وقد كشفت هذه الهشاشة عن نفسها مرارا كلما حاولت الحكومات تعديل منظومة الدعم. ففي مصر، أدت محاولة خفض دعم السلع الأساسية عام 1977 إلى ما عرف بـ”انتفاضة الخبز”، وهي أحداث احتجاجية واسعة اضطرت السلطات إلى التراجع الفوري عن القرار. وفي تونس، أفضت زيادة أسعار الخبز ومشتقات القمح ضمن إجراءات تقشف أوصى بها صندوق النقد الدولي، إلى احتجاجات شعبية عارمة بين ديسمبر 1983 ويناير 1984، واجهتها السلطات بالقوة. أما في المغرب، فقد أشعل إلغاء تدريجي لدعم المواد الغذائية عامي 1981 و1984 احتجاجات عنيفة مماثلة. وفي الأردن، جوبهت محاولات خفض دعم الغذاء عامي 1989 و1996 بمعارضة شعبية واسعة أرغمت الحكومات على التراجع الجزئي.
ثم جاءت صدمة الأسعار العالمية عامي 2007 و2008، حين ارتفعت أسعار الحبوب عالميا بشكل حاد، لتكشف من جديد هشاشة الدول التي تستورد أغلب احتياجاتها من القمح. وتكرر السيناريو ذاته بحدة أكبر عام 2022 عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، إذ كانت روسيا وأوكرانيا تزودان جزءا كبيرا من واردات القمح في تونس ومصر وعدد من الدول العربية الأخرى. وأدى تعطل هذه الإمدادات إلى قفزة حادة في أسعار الخبز والدقيق، في وقت كانت فيه المنطقة لا تزال تتعافى من الأثر الاقتصادي لجائحة كوفيد-19. ومنذ ذلك الحين، تراكمت أزمات متزامنة من نزاعات مسلحة جديدة وموجات جفاف متتالية، لتنتقل المنطقة من أزمة دورية إلى ما يصفه تقرير فاو الأخير بـ”أعلى مستويات الجوع منذ أكثر من عشرين عاما”.
77.5 مليون جائع: الأرقام التي تكشف حجم الانهيار
يقدم تقرير “الاستعراض الإقليمي” الصادر في نوفمبر 2025 صورة رقمية دقيقة لحجم الأزمة. فبحسب التقرير، عانى 77.5 مليون شخص، أي ما يعادل 15.8 بالمئة من سكان الدول العربية، من الجوع المزمن خلال عام 2024. ويمثل هذا الرقم قفزة حادة مقارنة بـ66.1 مليون شخص (14 بالمئة من السكان) عام 2023، وأكثر من الضعف مقارنة بـ51.4 مليون شخص (12.2 بالمئة) عام 2019، قبل تفشي الجائحة.
وإذا وُسّعت زاوية النظر إلى ما هو أبعد من الجوع المزمن، يتّضح حجم الهشاشة الغذائية الفعلي في المنطقة. فقد أظهر التقرير أن نحو 198 مليون شخص، أي أربعة من كل عشرة عرب تقريبا، واجهوا مستوى متوسطا أو حادا من انعدام الأمن الغذائي خلال 2024. ومن بين هؤلاء، عانى أكثر من 77 مليون شخص من انعدام أمن غذائي حاد، بمعنى أنهم نفدت لديهم المؤن الغذائية بالكامل أو عانوا الجوع بانتظام أو أمضوا أياما كاملة دون طعام. ويمثل هذا الرقم الأخير ارتفاعا بأكثر من 60 بالمئة مقارنة بعام 2015، ما يعكس سرعة تدهور الوضع وحجمه في آن واحد.
ويحدد تقرير فاو الصادر عام 2023 عاملا حاسما في تفسير هذه الفجوات المتسعة، إذ بلغت نسبة انتشار نقص التغذية في الدول المتأثرة بالنزاعات المسلحة 26.4 بالمئة، أي أربعة أضعاف تقريبا النسبة المسجلة في الدول غير المتأثرة بالنزاع والبالغة 6.6 بالمئة. وهذا ما يفسر لماذا تتركز أعلى معدلات الجوع في السودان واليمن وسوريا وفلسطين، وهي دول تجمع بين النزاع المسلح المفتوح وضعف القدرة الإنتاجية المحلية. وفي المقابل، تسجل الدول الخليجية المصدرة للنفط أدنى معدلات الجوع في المنطقة رغم اعتمادها شبه الكامل على الاستيراد، بفضل قدرتها المالية على تمويل الواردات الغذائية بلا انقطاع.
ولا تقتصر المفارقة على الجوع وحده. فقد سجل معدل السمنة لدى البالغين في الدول العربية 32 بالمئة عام 2022، أي أكثر من ضعف المعدل العالمي، ما يعني أن المنطقة تعيش ما يوصف بـ”العبء المزدوج لسوء التغذية”، حيث يتجاور نقص الغذاء الحاد في بعض البلدان مع فرط الاستهلاك غير المتوازن في بلدان أخرى، وأحيانا داخل البلد الواحد.
عندما تجف الأرض قبل السنبلة: المغرب والعراق نموذجان متناقضان للجفاف
يشكل الماء، لا الأرض وحدها، العائق الأول أمام الإنتاج الزراعي في جزء كبير من الوطن العربي. وتقدم تجربتا المغرب والعراق خلال العامين الأخيرين نموذجين متكاملين لهذا التحدي، وإن اختلفت نهاية كل منهما.
فقد عانى المغرب من سبع سنوات متتالية من الجفاف، تراجعت خلالها كمية المياه السطحية المتاحة سنويا من معدل 21.7 مليار متر مكعب بين عامي 1945 و1980 إلى 10.4 مليار متر مكعب فقط بين عامي 2015 و2021، وفق بيانات المعهد المغربي لتحليل السياسات. وانعكس هذا التراجع مباشرة على الإنتاج الزراعي، إذ خسر القطاع نحو مليون فرصة عمل خلال سنوات الجفاف، بينما تراجع عدد رؤوس الماشية بنسبة 38 بالمئة منذ عام 2016. وبلغ الأمر حد إلغاء السلطات المغربية لأضحية عيد الأضحى التقليدية في فبراير 2025 قبيل حلول العيد، بسبب ندرة المواشي المتوفرة. وفي عام 2023 وحده، احتلت المملكة المرتبة السادسة عالميا بين أكبر مستوردي القمح، وفق تصنيف منظمة الأغذية والزراعة.
غير أن الموسم الفلاحي 2025-2026 حمل تحولا لافتا. فقد سجلت الأمطار بين شهري سبتمبر 2025 ومارس 2026 معدل هطول بلغ 462 مليمترا، أي ما يعادل 134 بالمئة من مستوى الموسم السابق في الفترة ذاتها، و56 بالمئة فوق المعدل المسجل على مدى ثلاثين عاما. وسمح هذا الانتعاش المطري بتوسيع المساحات المزروعة بالقمح الطري والصلب والشعير إلى 3.9 مليون هكتار، بزيادة 48 بالمئة عن الموسم السابق، فيما تتوقع مصالح التخطيط الحكومية إنتاجا يتجاوز 8 ملايين طن من الحبوب، أي ما يقارب ضعف إنتاج الموسم الماضي البالغ 4.4 مليون طن. ورغم هذا التحسن الظرفي، يحذر خبراء من أن أزمة الماء البنيوية في المغرب لم تنتهِ، وأن عودة موسم جاف واحد كفيلة بإعادة البلاد إلى المربع الأول.
في المقابل، يعيش العراق سيناريو معاكسا تماما. فقد تراجعت احتياطات المياه فيه من 60 مليار متر مكعب عام 2020 إلى نحو 10 مليارات متر مكعب حاليا فقط، في ما يصفه خبراء بأسوأ أزمة مياه تشهدها البلاد منذ ثمانية عقود. وتتضافر في تفسير هذا التراجع عوامل مناخية مع بناء سدود ضخمة في تركيا وإيران على منبعي دجلة والفرات، إضافة إلى شبكات ري متهالكة يعود جزء كبير منها إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وتعمل بكفاءة لا تتجاوز 60 بالمئة. وردا على هذا الواقع، خفّضت الحكومة العراقية مساحة زراعة القمح المروي من الأنهار إلى النصف تقريبا خلال الموسم 2025-2026، لتقتصر على مليون دونم فقط، بينما مُنعت زراعة الأرز نهائيا لكونه من أكثر المحاصيل استهلاكا للمياه. وتشير تقديرات أولية لمنظمة الأغذية والزراعة إلى أن حجم واردات القمح العراقية قد يرتفع إلى نحو 2.4 مليون طن خلال الموسم ذاته، فيما قد ينخفض حجم المحصول بنسبة تصل إلى 50 بالمئة مقارنة بموسم عادي. وفي محاولة لتدارك الأزمة، وقّع العراق في نوفمبر 2025 اتفاقا مع تركيا يقضي بتمويل مشاريع مائية عراقية من عائدات النفط، في مقابل التزام أنقرة بضمان تدفقات مائية أكثر انتظاما، وإن ظل الاتفاق موضع تحفظ من عدد من الخبراء والسياسيين العراقيين الذين يطالبون باتفاقية دولية ملزمة لتقاسم مياه دجلة والفرات.
ويكشف هذان النموذجان معا حقيقة جوهرية: الأمن الغذائي في الوطن العربي لم يعد رهين خصوبة الأرض بقدر ما بات رهين إدارة المياه واستراتيجيات التكيف مع تقلباتها الحادة من موسم إلى آخر.
القمح القادم من وراء البحار: خريطة الاعتماد على الاستيراد
تشكل واردات الحبوب، وفي مقدمتها القمح، العصب الحساس للأمن الغذائي العربي. فبحسب دراسات اقتصادية حديثة، استوردت الدول العربية مجتمعة نحو 65 بالمئة من استهلاكها من الحبوب بين عامي 2014 و2016، وهي نسبة تتوقع الدراسات ذاتها أن ترتفع أكثر في السنوات المقبلة بالنسبة للزيوت النباتية والبذور الزيتية، إذ يُنتظر أن تنخفض نسبة الاكتفاء الذاتي من هذه المنتجات إلى أقل من 20 بالمئة في عدد من الدول.
وتقدم مصر، أكبر مستورد للقمح في العالم، نموذجا صارخا لهذا الاعتماد. فبتعداد سكاني يتجاوز 107 ملايين نسمة، إضافة إلى نحو 10 ملايين مهاجر ولاجئ يقيمون على أراضيها، تستورد البلاد نحو 13 مليون طن من القمح خلال الموسم التسويقي 2025-2026. وتسعى الحكومة المصرية إلى رفع نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح من 49 بالمئة عام 2024 إلى 51 بالمئة، عبر رفع سعر توريد القمح المحلي إلى نحو 2200 جنيه للأردب الواحد، أي ما يقارب 300 دولار للطن، بزيادة تقارب ربع سعره في الأسواق العالمية لتشجيع المزارعين على التوسع في الزراعة. وقد أثمرت هذه السياسة نسبيا في كبح التضخم، إذ تراجع معدل ارتفاع أسعار الخبز والحبوب من 47 بالمئة في فبراير 2024 إلى 7.2 بالمئة فقط في فبراير 2025، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري.
أما في تونس، فتستورد البلاد نحو 95 بالمئة من احتياجاتها من القمح اللين المستخدم في صناعة الخبز، وارتفعت هذه النسبة لتغطي أكثر من 80 بالمئة من إجمالي استهلاك البلاد من القمح منذ عام 2023. وأدى ارتفاع الأسعار العالمية إلى قفزة في فاتورة استيراد الحبوب بنحو 250 مليون دولار، ما دفع السلطات إلى مضاعفة سعة مخازن الحبوب الاستراتيجية من شهرين إلى أربعة أشهر من الاستهلاك، بدعم من مشروع تمويلي مع بنك الاستثمار الأوروبي. وفي ظل هذا الضغط، نشأت ظاهرة تهريب غير رسمية عابرة للحدود بين تونس والجزائر، حيث يتوجه مستهلكون تونسيون إلى مدن جزائرية حدودية مثل عنابة وقسنطينة وسوق أهراس لشراء الزيت وحليب البودرة والسكر والجبن بأسعار أرخص بكثير بفضل الدعم الجزائري، في ما يشكل صمام أمان غير رسمي لكنه هش وقابل للانقطاع كلما تدهورت العلاقات الثنائية بين البلدين.
وفي الجزائر، تتجه واردات القمح لتتجاوز 9 ملايين طن، في بلد يستهلك مواطنوه نحو 110 كيلوغرامات من الخبز سنويا للفرد الواحد، وهو ثاني أعلى معدل استهلاك في العالم بعد تركيا التي يبلغ فيها المعدل نحو 120 كيلوغراما. وتواصل الحكومة الجزائرية دعم رغيف الخبز عند سعر زهيد لا يتجاوز 10 سنتات أمريكية، عبر آلية دعم مباشر تشمل أيضا رفع أسعار توريد القمح المحلي وتقديم إعانات لمياه الري، وفق ما ترصده وحدة رصد السياسات الغذائية التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة. لكن هذه الوصفة تصطدم بضغط متصاعد، إذ يؤدي تراجع قيمة الدينار الجزائري إلى ارتفاع كلفة القمح المستورد بالعملة المحلية، ما يضخم فاتورة الدعم عاما بعد آخر لإطعام أكثر من 45 مليون نسمة.
أما في الخليج، فتقدم السعودية مثالا مختلفا لدولة مصدرة للنفط تعتمد بدورها على الاستيراد الكامل تقريبا لتلبية احتياجاتها الغذائية، لكنها تعوض ذلك بقدرة مالية ضخمة واستراتيجية مخزون استباقية. فبحسب هيئة الأمن الغذائي السعودية “GFSA”، التي تحتكر شراء القمح المحلي والمستورد على حد سواء، بلغ الإنتاج المحلي من القمح نحو 1.1 مليون طن خلال الموسم 2025-2026، مقابل واردات متوقعة تتراوح بين 3.2 و3.5 مليون طن. وتحتفظ المملكة بسعة تخزين تتجاوز 2.7 مليون طن، أي أكثر من نصف استهلاكها السنوي من القمح، في إطار سياسة مخزون استراتيجي تهدف إلى ضمان استمرارية الإمدادات حتى في حال حدوث صدمة مفاجئة في الأسواق العالمية.
وعلى المستوى العالمي، بقيت الأسعار في مستويات أقل حدة نسبيا مقارنة بذروة أزمة 2022. فقد سجل مؤشر منظمة الأغذية والزراعة العالمي لأسعار الغذاء 130.3 نقطة في يونيو 2026، بانخفاض طفيف نسبته 0.3 بالمئة عن مايو، لكنه ظل أعلى بنسبة 1.7 بالمئة مقارنة بمستواه قبل عام، وأدنى بنسبة 18.7 بالمئة من الذروة القياسية المسجلة في مارس 2022. غير أن هذا الاستقرار النسبي على المستوى العالمي لا ينعكس بالضرورة على المستهلك العربي، الذي يظل تعرضه للصدمات مرتبطا بشكل مباشر بتراجع قيمة عملته الوطنية وبكلفة الشحن والتأمين، أكثر من ارتباطه بمؤشرات الأسعار العالمية وحدها.
من دارفور إلى غزة: خطوط المجاعة الأخيرة
في الوقت الذي تُقاس فيه الأزمة الغذائية في معظم الدول العربية بالأرقام والنسب المئوية، تتجاوز الأزمة في أربع ساحات نزاع عربية هذا الإطار لتصل إلى حافة المجاعة أو داخلها فعليا.
ففي السودان، أكد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي “IPC” رسميا وقوع مجاعة في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور وبلدة كادقلي المحاصرة في جنوب كردفان، اعتبارا من سبتمبر 2025، مع توقعات باستمرار هذه الحال حتى يناير 2026. وسُجلت في محليتي أم بارو وكرنوي بشمال دارفور معدلات سوء تغذية حاد تجاوزت عتبة المجاعة، إذ بلغ معدل سوء التغذية الحاد العام في أم بارو وحدها 52.9 بالمئة. وبحسب بيان مشترك صادر في مايو 2026 عن منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي واليونيسف، يواجه نحو 19.5 مليون شخص في السودان، أي ما يقارب واحدا من كل خمسة سودانيين، مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يتوقع أن يعاني 825 ألف طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد الوخيم خلال عام 2026، بزيادة 7 بالمئة عن العام السابق و25 بالمئة فوق المستويات المسجلة قبل اندلاع النزاع بين عامي 2021 و2023. وفي الربع الأول من عام 2026 وحده، جرى إدخال نحو 100 ألف طفل لتلقي علاج سوء التغذية الحاد الوخيم.
وفي اليمن، حيث يواجه 19.5 مليون شخص، من بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، تداعيات نزاع مطول وانهيار اقتصادي متصاعد، أظهر تحديث بيانات يونيو 2026 أن 47 بالمئة من سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليا، أي قرابة 5 ملايين شخص، يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم 1.4 مليون شخص في مرحلة الطوارئ. وتتوقع الأمم المتحدة أن يرتفع هذا الرقم إلى 5.4 مليون شخص، أي 51 بالمئة من سكان تلك المناطق، خلال موسم العجاف بين يونيو وسبتمبر 2026، قبل أن يستمر التدهور إلى نهاية العام. ويعاني نحو 2.4 مليون طفل دون الخامسة و1.5 مليون امرأة حامل أو مرضعة من سوء التغذية الحاد في عموم البلاد، بحسب اليونيسف، فيما حذرت منظمات إغاثية من احتمال ظهور بؤر مجاعة فعلية تطال أكثر من 40 ألف شخص في أربع مقاطعات، وهو أسوأ منظور تشهده البلاد منذ عام 2022.
أما في قطاع غزة، فقد سجلت الأزمة الغذائية منعطفا مزدوجا خلال عام واحد. ففي أغسطس 2025، أكدت لجنة مراجعة المجاعة التابعة لتصنيف “IPC” وقوع مجاعة فعلية في محافظة غزة، قبل أن يفضي وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025 إلى تحسن ملموس في وصول المساعدات الإنسانية والتجارية. وبحلول ديسمبر 2025، أعلن التصنيف الأممي “دفع المجاعة إلى الوراء”، مع عدم تصنيف أي منطقة في القطاع ضمن مرحلة المجاعة رسميا. غير أن الصورة الكاملة تظل بعيدة عن الطمأنينة، إذ يتوقع أن يبقى نحو 1.6 مليون شخص، أي 77 بالمئة من سكان القطاع الذين شملهم التحليل، في مستوى الأزمة أو أسوأ حتى منتصف أبريل 2026، من بينهم 571 ألف شخص في مرحلة الطوارئ، وقرابة 1900 شخص لا يزالون في مرحلة الكارثة. ويُتوقع أن يحتاج أكثر من 100 ألف طفل و37 ألف امرأة حامل أو مرضعة إلى علاج سوء التغذية الحاد خلال الفترة ذاتها. وحذرت وكالات أممية، من بينها الفاو واليونيسف وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية، من أن هذه المكاسب “هشة للغاية”، وأن أي انتكاسة في وقف إطلاق النار أو توقف تدفق المساعدات كفيلان بإعادة القطاع بأكمله إلى المجاعة.
وفي لبنان، حيث تتقاطع الأزمة الاقتصادية المزمنة مع تجدد النزاع المسلح، أظهر تحليل “IPC” الصادر مطلع 2026 تحسنا نسبيا وهشا في آن واحد، إذ سجّل نحو 874 ألف شخص، أي 17 بالمئة من السكان، في مرحلة الأزمة أو الطوارئ بين نوفمبر 2025 ومارس 2026. غير أن تصعيد النزاع اعتبارا من مارس 2026 قلب هذا المسار رأسا على عقب، إذ ارتفع العدد إلى 1.24 مليون شخص، أي قرابة ربع السكان، بين أبريل وأغسطس 2026، وسط نزوح أكثر من مليون شخص وتدهور حاد في أداء الأسواق، حيث انهار مؤشر أداء السوق في محافظة النبطية والجنوب من 7.3 نقاط إلى 1.7 نقطة فقط. ويقول نحو نصف صغار المزارعين في المناطق المتضررة إن دخلهم الرئيسي تراجع بفعل الأضرار المرتبطة بالنزاع، مقترنة بموجة جفاف ممتدة أضعفت الإنتاج الزراعي في سهل البقاع والجنوب.
وتكشف هذه الساحات الأربع، رغم اختلاف سياقاتها، عن نمط متكرر: كلما اجتمع النزاع المسلح مع انهيار اقتصادي أو مناخي، تحولت الهشاشة الغذائية من أزمة إدارية قابلة للاحتواء إلى تهديد مباشر للحياة يقاس بعدد الأطفال الذين يدخلون مراكز علاج سوء التغذية كل شهر.
الخبز المدعوم: عقد اجتماعي قديم يواجه فاتورة متضخمة
أمام هذا المشهد المتصدع، لجأت معظم الحكومات العربية إلى تكثيف سياسات الدعم بدل تقليصها، رغم الضغط المالي المتصاعد الذي تفرضه هذه السياسات على الموازنات العامة. وبحسب تتبع منظمة الأغذية والزراعة لسياسات الأمن الغذائي في المنطقة، وسّعت مصر مساحة زراعة القمح لرفع اكتفائها الذاتي، فيما رفعت الجزائر والعراق وتونس أسعار توريد الإنتاج المحلي لتشجيع الفلاحين، ولجأ المغرب إلى دعم تخزين القمح، بينما خصصت الجزائر إعانات لمياه الري، وقدم المغرب علفا مدعوما لتخفيف كلفة ارتفاع أسعار الأعلاف على مربي الماشية. وفي الأردن، ساهمت زيادة الاحتياطي الغذائي الاستراتيجي في كبح جزء من التضخم الغذائي المستورد.
غير أن هذه السياسات تصطدم بمعضلة مالية متجددة. ففي تونس على سبيل المثال، استحوذت إعانات الطاقة الأحفورية وحدها على نحو 12 بالمئة من موازنة عام 2024، مقابل 4.1 بالمئة فقط خُصصت لدعم الحبوب، و1.3 بالمئة لمواد أساسية أخرى كالحليب، وأقل من 1 بالمئة لزيت الطهي. ويشير باحثون في مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية إلى أن إصلاح دعم الطاقة أسهل سياسيا من إصلاح دعم الغذاء، نظرا لما تحمله المساس بسعر رغيف الخبز تحديدا من حساسية اجتماعية وتاريخية عميقة في المنطقة.
ويتجلى حجم هذه الحساسية في مقترح تعديل منظومة الدعم التونسية الذي طرحه صندوق النقد الدولي، والذي كان سيؤدي إلى مضاعفة سعر رغيف الخبز الكبير أربع مرات تقريبا، من 230 مليما إلى 956 مليما، أي من نحو 7 سنتات أمريكية إلى 30 سنتا. وقد واجه هذا المقترح معارضة اجتماعية واسعة أعادت إلى الأذهان أحداث 1984، ما دفع الحكومة إلى تفضيل زيادات تدريجية محدودة بدل الإصلاح الجذري الذي يطالب به المقرضون الدوليون. وفي المقابل، برهنت دراسة أعدتها مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية على أن دعم الغذاء والطاقة في تونس أكثر فاعلية في الحد من الفقر مقارنة بالتحويلات النقدية الموجهة التي يقترحها صندوق النقد الدولي، والتي تعتمد على منهجية “اختبار الوسائل غير المباشر” التي تعاني من أخطاء استبعاد وإدراج كبيرة بسبب غياب مسوحات أسرية منتظمة وانتشار القطاع غير المنظم.
وتواجه مصر معضلة مشابهة، إذ تقوم منظومة الدعم فيها على ركيزتين أساسيتين، الأولى توفير الخبز البلدي الرخيص عبر دعم مباشر لمطاحن الدقيق وشركات النقل والمخابز، والثانية منظومة البطاقات التموينية التي تتيح شراء سلع أساسية بأسعار أقل من السوق. ويعود تاريخ هذه المنظومة إلى عقود طويلة، شهدت خلالها محاولات إصلاح متكررة قوبلت غالبا بمقاومة اجتماعية، أبرزها انتفاضة 1977. وتحاول الحكومة المصرية اليوم الموازنة بين احتواء العجز المالي المتصاعد وضمان استمرار وصول الخبز المدعوم إلى الفئات الأكثر فقرا، عبر رفع كفاءة الاستهداف بدل إلغاء الدعم كليا.
وما تكشفه هذه التجارب مجتمعة هو أن معضلة الدعم الغذائي في الوطن العربي ليست مسألة اقتصادية بحتة، بل استمرار لعقد اجتماعي تاريخي يربط شرعية الحكم باستقرار سعر رغيف الخبز، وهو ما يجعل أي إصلاح مالي في هذا الملف محفوفا بمخاطر سياسية تفوق أحيانا حساباته الاقتصادية البحتة.
عبء مزدوج: حين يتجاور الجوع والسمنة على المائدة العربية
لا يقتصر أثر الأزمة الغذائية على قياس كمية الطعام المتوفرة، بل يمتد إلى نوعية هذا الطعام وتوازنه الغذائي. وتكشف بيانات فاو أن المنطقة العربية تعاني مما يوصف علميا بـ”العبء المزدوج لسوء التغذية”، حيث يتعايش نقص التغذية الحاد في بعض الفئات والبلدان مع فرط الوزن والسمنة في فئات وبلدان أخرى، وأحيانا داخل الأسرة الواحدة.
ففي الوقت الذي يعاني فيه ملايين الأطفال في السودان واليمن وغزة من سوء التغذية الحاد الوخيم، الذي يهدد حياتهم مباشرة، سجلت المنطقة العربية ككل معدل سمنة لدى البالغين بلغ 32 بالمئة عام 2022، أي أكثر من ضعف المعدل العالمي، وفق تقرير الاستعراض الإقليمي. وترتبط هذه الظاهرة بتحولات في أنماط الاستهلاك الغذائي في الدول ذات الدخل المتوسط والمرتفع، حيث تراجعت حصة الأغذية الطازجة لصالح المنتجات المصنعة الغنية بالسكر والدهون والملح، وهو ما يحمل تبعات صحية طويلة الأمد على أنظمة الرعاية الصحية في المنطقة.
وفي المقابل، لا يزال نقص التنوع الغذائي يمثل تحديا حادا في مناطق النزاع تحديدا. فقد كشفت دراسة حديثة في لبنان أن ثلاثة من كل أربعة أطفال دون الخامسة يتغذون على أنظمة غذائية قليلة التنوع، ما يجعلهم عرضة لخطر التقزم والهزال. ويحذر خبراء التغذية من أن هذا العبء المزدوج يتطلب سياسات مركبة لا تكتفي بضمان توفر السعرات الحرارية الأساسية، بل تراعي أيضا جودة النظام الغذائي وتنوعه، وهو تحد يفوق في تعقيده مجرد رفع كميات الاستيراد أو الإنتاج.
من يدير الملف؟ الفاعلون بين الأمم المتحدة والحكومات والمؤسسات المالية
يتشكل المشهد المؤسسي المعني بالأمن الغذائي العربي من طبقات متعددة تتقاطع أدوارها أحيانا وتتنافس أحيانا أخرى. فعلى المستوى الأممي، تتصدر منظمة الأغذية والزراعة (فاو) الملف من خلال رصدها المستمر لأوضاع الإنتاج والأسعار عبر نظامها العالمي للمعلومات والإنذار المبكر “GIEWS”، بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي الذي يتولى الاستجابة الإنسانية المباشرة عبر توزيع المساعدات الغذائية والنقدية في مناطق النزاع، واليونيسف المعنية بملف سوء تغذية الأطفال تحديدا، ومنظمة الصحة العالمية التي تتابع الأبعاد الصحية لسوء التغذية، إلى جانب الصندوق الدولي للتنمية الزراعية المعني بتمويل مشاريع تطوير الإنتاج الريفي، ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا التي توفر الإطار التحليلي الإقليمي لهذه الجهود مجتمعة. وتتعاون هذه الوكالات الست في إصدار تقرير سنوي مشترك يشكل المرجع الأساسي لرصد مؤشرات الجوع في المنطقة.
وإلى جانب هذه المنظومة الأممية، تلعب لجنة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي “IPC”، وهي شراكة دولية تضم عشرات الوكالات الحكومية وغير الحكومية، دورا حاسما في تصنيف مستويات انعدام الأمن الغذائي رسميا، بما في ذلك إعلان حالات المجاعة الرسمية كما حدث في السودان وغزة، وهو تصنيف يحمل تبعات سياسية وإنسانية مباشرة إذ يفتح الباب أمام تعبئة دولية أوسع للموارد.
وعلى المستوى الوطني، تتباين أدوار الحكومات بحسب مواردها المتاحة. فبينما تعتمد دول الخليج على هيئات متخصصة كهيئة الأمن الغذائي السعودية التي تحتكر شراء القمح محليا ودوليا، تعتمد دول أخرى كمصر وتونس والجزائر على صناديق دعم تاريخية كصندوق التعويض التونسي المؤسس عام 1970، أو منظومة الدعم المصرية المرتبطة بمطاحن الدقيق والمخابز الحكومية. وتتدخل في هذا المشهد أيضا مؤسسات مالية دولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذان يشترطان غالبا إصلاح منظومات الدعم مقابل برامج القروض والمساعدة المالية، وهو ما يضع الحكومات العربية أمام معادلة صعبة بين الالتزامات المالية الدولية والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي الداخلي.
نقاط الخلاف: هل الدعم حل أم عبء؟
يظل الجدل حول جدوى منظومات دعم الغذاء التقليدية أحد أكثر الملفات إثارة للانقسام بين الخبراء وصناع القرار في المنطقة. فمن جهة، يرى صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية أن الدعم الشامل غير الموجه يستنزف الموازنات العامة ويفيد الأسر الميسورة بقدر إفادته الأسر الفقيرة، وأن التحويلات النقدية المباشرة الموجهة للفئات الأشد احتياجا تشكل بديلا أكثر كفاءة وأقل كلفة على المدى الطويل.
ومن جهة أخرى، تشير دراسات مستقلة، من بينها تحليل أعدته مؤسسة فريدريش إيبرت حول التجربة التونسية، إلى أن آليات الاستهداف المقترحة بديلا عن الدعم الشامل تعاني من عيوب تقنية جوهرية في سياقات تفتقر إلى مسوحات أسرية منتظمة ودقيقة، وتنتشر فيها اقتصادات غير منظمة يصعب رصد دخل العاملين فيها بدقة. ويخلص هذا التيار إلى أن الدعم الشامل، رغم كلفته المرتفعة، يظل أداة حماية اجتماعية أكثر فاعلية من بدائله المقترحة في الظرف الراهن.
ويضاف إلى هذا الخلاف التقني جدل سياسي أعمق حول ما يسميه بعض الباحثين “السيادة الغذائية” مقابل “الأمن الغذائي القائم على التجارة”. فبينما تراهن دول كمصر والعراق على توسيع الإنتاج المحلي لرفع نسبة الاكتفاء الذاتي تدريجيا، تراهن دول أخرى كدول الخليج على القدرة المالية لتأمين الواردات بلا انقطاع عبر مخزونات استراتيجية ضخمة وعلاقات تجارية متنوعة مع عدة أسواق مصدرة. ويرى أنصار التوجه الأول أن الاعتماد الكامل على الاستيراد يترك الدول رهينة لصدمات جيوسياسية خارجة عن إرادتها، بينما يرى أنصار التوجه الثاني أن محاولة تحقيق اكتفاء ذاتي كامل في بيئة تعاني ندرة مائية بنيوية قد تستنزف موارد مائية أشد ندرة من الغذاء نفسه.
ما الذي ينتظر المائدة العربية في الأشهر المقبلة؟
يرسم تقرير “بؤر الجوع” المشترك بين فاو وبرنامج الأغذية العالمي، الذي يغطي الفترة الممتدة من نوفمبر 2025 إلى مايو 2026، خريطة إنذار مبكر تضع كلا من السودان وفلسطين واليمن وسوريا ضمن 16 بؤرة ساخنة عالميا للجوع الحاد، إلى جانب ساحات أخرى في أفريقيا وآسيا. ويعني هذا التصنيف أن المنطقة العربية ستظل خلال الأشهر المقبلة في قلب اهتمام آليات الإنذار المبكر الأممية، مع ما يحمله ذلك من فرص لتعبئة تمويل إنساني إضافي، لكن أيضا من مخاطر تراجع هذا التمويل في ظل تزايد عدد الأزمات الإنسانية المتنافسة على الموارد العالمية المحدودة ذاتها.
وعلى المدى المتوسط، يبدو أن مسار الأمن الغذائي العربي سيتحدد بثلاثة عوامل متشابكة. أولها مصير النزاعات المفتوحة في السودان وغزة واليمن ولبنان، إذ يبقى وقف إطلاق النار المستدام الشرط الأساسي لأي تعافٍ زراعي وإنساني حقيقي في هذه الساحات، كما تُظهر تجربة غزة التي دفعت المجاعة إلى الوراء بعد الهدنة دون أن تلغيها كليا. وثانيها مسار التكيف مع تقلبات المناخ، حيث يبقى نموذج المغرب الذي انتقل من أسوأ جفاف منذ عقود إلى موسم فلاحي واعد خلال عام واحد فقط، دليلا على هشاشة الاعتماد على تقلبات الطبيعة وحدها دون استثمارات بنيوية مستدامة في تحلية المياه والري الموفر. وثالثها مصير المفاوضات المالية الدولية حول مستقبل منظومات الدعم، والتي ستحدد إلى حد بعيد قدرة الحكومات العربية على الاستمرار في تحمل فاتورة الخبز الرخيص وسط ضغوط مالية متصاعدة.
أسئلة يطرحها القراء
هل تعني المجاعة في السودان أن البلاد بأكملها بلا غذاء؟ لا، فتصنيف المجاعة وفق منهجية “IPC” يُطبق على مناطق جغرافية محددة تتجاوز فيها مؤشرات محددة عتبات دقيقة تتعلق بندرة الغذاء وسوء التغذية الحاد ومعدل الوفيات، مثل مدينتي الفاشر وكادقلي. أما بقية البلاد فتصنَّف ضمن مستويات أقل حدة من الأزمة الغذائية، وإن كانت خطيرة أيضا إذ يعاني نحو 19.5 مليون سوداني من انعدام أمن غذائي حاد.
لماذا لا تستطيع الدول العربية الغنية بالنفط تحقيق اكتفاء ذاتي غذائي؟ يعود ذلك أساسا إلى شح الموارد المائية العذبة وندرة الأراضي الصالحة للزراعة في أغلب هذه الدول، ما يجعل الزراعة المكثفة مكلفة للغاية مقارنة باستيراد الغذاء جاهزا. ولذلك تفضل دول كالسعودية الاستثمار في مخزونات استراتيجية ضخمة وعلاقات تجارية متنوعة بدل السعي لاكتفاء ذاتي كامل يستنزف موارد مائية شحيحة أصلا.
هل يعني تحسن الوضع في غزة نهاية أزمة المجاعة هناك؟ لا، فالتصنيف الأممي وصف تراجع المجاعة بأنه “هش للغاية”، إذ لا يزال 77 بالمئة من سكان القطاع في مستوى الأزمة أو أسوأ، وحذرت وكالات أممية من أن أي توقف في تدفق المساعدات أو تجدد النزاع كفيلان بإعادة القطاع بأكمله إلى المجاعة خلال أشهر قليلة.
لماذا تصر الحكومات العربية على دعم الخبز رغم كلفته المالية الباهظة؟ لأن رفع سعر الخبز يحمل في الذاكرة السياسية العربية دلالة تاريخية مرتبطة باحتجاجات شعبية عنيفة، من انتفاضة الخبز المصرية عام 1977 إلى أحداث الخبز التونسية عام 1984، ما يجعل أي حكومة تتردد كثيرا قبل المساس بهذا الملف الحساس، حتى حين تنصحها المؤسسات المالية الدولية بخلاف ذلك.
ما الفرق بين انعدام الأمن الغذائي ونقص التغذية المزمن؟ نقص التغذية المزمن مؤشر يقيس عدم كفاية السعرات الحرارية المتاحة للفرد على مدى فترة طويلة، بينما ينظر انعدام الأمن الغذائي الحاد إلى قدرة الأسرة على الوصول إلى الغذاء الكافي في لحظة معينة، وهو مقياس أوسع يشمل ملايين إضافيين لا يعانون بالضرورة نقصا مزمنا في التغذية لكنهم يواجهون صعوبة متكررة في تأمين وجباتهم.
المصادر
- منظمة الأغذية والزراعة (فاو) وشركاؤها الأمميون – “الاستعراض الإقليمي لحالة الأمن الغذائي والتغذية في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا 2025” https://www.fao.org/neareast/news/details/arab-states-face-highest-hunger-levels-in-two-decades-new-un-report-warns/en – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
- برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة واليونيسف – بيان مشترك حول مخاطر المجاعة في السودان https://www.wfp.org/news/joint-news-release-wfpfaounicef-risk-famine-persists-nearly-195-million-people-face-acute-food – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
- التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) – تقرير خاص حول المجاعة في السودان https://www.ipcinfo.org/ipcinfo-website/countries-in-focus-archive/issue-137/en/ – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
- الأمم المتحدة – تحليل IPC حول تراجع خطر المجاعة في قطاع غزة https://www.un.org/unispal/?p=313864 – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
- برنامج الأغذية العالمي – تحديث الوضع الغذائي في اليمن https://www.wfp.org/news/nearly-half-population-government-controlled-areas-yemen-face-acute-food-insecurity – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
- برنامج الأغذية العالمي وموقع الجزيرة – تحليل IPC حول تدهور الوضع الغذائي في لبنان https://www.aljazeera.com/news/2026/4/29/over-1-2m-in-lebanon-expected-to-face-acute-hunger-report – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
- وكالة إيكوفين ومنظمة الأغذية والزراعة – تعافي الإنتاج الزراعي المغربي بعد سبع سنوات من الجفاف https://www.ecofinagency.com/news/1603-53800-morocco-forecasts-15-agricultural-growth-as-rains-ease-seven-year-drought – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
- شبكة شفق نيوز ونظام فاو للإنذار المبكر GIEWS – أزمة المياه وسياسة القمح في العراق https://shafaq.com/en/Report/Iraq-s-water-crisis-A-structural-rewrite-of-agricultural-governance – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
- وزارة الزراعة الأمريكية (USDA GAIN) – تقارير الحبوب والأعلاف السنوية لمصر والجزائر والسعودية https://apps.fas.usda.gov/newgainapi/api/Report/DownloadReportByFileName?fileName=Grain+and+Feed+Annual_Cairo_Egypt_EG2025-0009.pdf – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
- مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية – تقرير حول استمرار دعم الغذاء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا https://mecouncil.org/publication/mena-food-subsidies-are-here-to-stay-for-now/ – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
- المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI) – تقرير حول اعتماد تونس المتزايد على الاستيراد والتهريب الحدودي https://www.ispionline.it/en/publication/food-insecurity-in-tunisia-climate-governance-and-growing-dependence-on-algeria-230573 – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
- منظمة الأغذية والزراعة – مؤشر أسعار الغذاء العالمي، يونيو 2026 https://www.fao.org/worldfoodsituation/FoodPricesIndex/en – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
هيئة التحرير


