الهجرة و اللجوء في الوطن العربي

لماذا يعيد الوطن العربي رسم خرائط الهجرة واللجوء في 2026؟

منذ سنة 2023، تتقاطع في الوطن العربي أربع موجات هجرة كبرى في آن واحد: حرقة مغاربية تتجه نحو شواطئ إسبانيا وإيطاليا، وأكبر أزمة نزوح داخلي يشهدها العالم في السودان، وعودة ملايين السوريين إلى بلادهم بعد سقوط نظام بشار الأسد، وسياسات أوروبية جديدة تدخل حيز التطبيق في يونيو 2026 وتعيد تعريف حق اللجوء. هذا الملف يتتبع هذه الخيوط الأربعة، ويضع التجارب الإنسانية في قلب التغطية، بعيدا عن اختزال ملايين البشر في أرقام أو تهديدات أمنية.

لم تعرف منطقة الهجرة من الوطن العربي وإليه، خلال العامين الماضيين، هذا القدر من التشابك بين الأسباب السياسية والاقتصادية والمناخية. فبينما تتراجع أرقام العبور غير النظامي نحو أوروبا في أغلب الطرق التقليدية، وفق بيانات وكالة “فرونتكس” الأوروبية، يبقى الساحل الجزائري استثناء صريحا وسط هذا التراجع، إذ ارتفعت محاولات العبور منه بنسبة 15 بالمئة خلال 2025. وفي الوقت ذاته، يتخطى عدد النازحين قسرا داخل السودان وحده 9,1 ملايين شخص، في وقت تستعد فيه المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لعودة نحو مليون لاجئ سوري إضافي خلال 2026. أما في بروكسل، فقد دخل “ميثاق الهجرة واللجوء” الأوروبي حيز التطبيق الكامل في 12 يونيو 2026، بعد سنتين من التحضير، حاملا معه إجراءات أكثر صرامة في مراقبة الحدود ومعالجة طلبات اللجوء.

هذا الملف لا يكتفي برصد هذه التطورات بشكل منفصل، بل يربط بينها ضمن سياق واحد: كيف تتفاعل سياسات الطرد والاحتجاز في ليبيا مع تشدد الخطاب الأوروبي؟ وكيف تنعكس أزمة اتفاقية 1968 بين الجزائر وفرنسا على ملايين أبناء الجالية الجزائرية؟ وما الذي يعنيه تصاعد الجفاف في الساحل الأفريقي بالنسبة لحركة العبور عبر الحدود الجنوبية الجزائرية؟ الإجابات موزعة على تسعة محاور رئيسية، تبدأ من الهجرة المغاربية وتنتهي بأرقام تحويلات الجالية إلى بلدانها الأصلية.

من “الحرقة” الجزائرية إلى ضغط باريس: المغرب العربي في قلب خريطة الهجرة

تحوّلت الجزائر خلال 2025 و2026 إلى الاستثناء الأبرز وسط التراجع العام في الهجرة غير النظامية نحو الاتحاد الأوروبي. فبينما تراجعت عمليات العبور غير النظامي عبر الحدود الخارجية للاتحاد بنسبة 26 بالمئة خلال 2025، ثم بنسبة 52 بالمئة إضافية خلال أول شهرين من 2026، وفق بيانات وكالة “فرونتكس”، ظل مسار غرب المتوسط المنطلق أساسا من السواحل الجزائرية يسجل ارتفاعا لافتا، إذ زادت محاولات العبور عبره بنسبة 50 بالمئة بين يناير وأبريل 2026، بمعدل يقارب 1300 محاولة شهريا عبر مضيق جبل طارق وحده.

في الداخل الجزائري، أعلنت وزارة الدفاع أن وحداتها أوقفت 24071 مهاجرا غير نظامي خلال 2025 عند مناطق حدودية جنوبية مثل عين قزام وتين زواتين وبرج باجي مختار، معظمهم قادمون من دول الساحل الأفريقي وأفريقيا جنوب الصحراء عبر شبكات تهريب منظمة، قبل أن يستقروا مؤقتا في مدن مثل تمنراست وأدرار للعمل في الزراعة والبناء وجمع المال اللازم لمتابعة الرحلة شمالا. وفي المقابل، تصدّر الجزائريون أنفسهم قائمة الجنسيات الأكثر تسجيلا في وضعية إقامة غير نظامية داخل الاتحاد الأوروبي خلال 2025، بواقع 70905 حالة وفق بيانات “يوروستات”، متقدمين على الأفغان الذين سجلوا 42635 حالة.

ما يميز الحالة الجزائرية عن جارتيها المغربية والتونسية هو غياب أي اتفاق أمني ثنائي مع إسبانيا يحد من الانطلاقات، على عكس المغرب الذي اعتمد مقاربة جمعت بين المراقبة الاستباقية والتنمية الساحلية والتعاون الأمني الوثيق مع مدريد، فتراجعت أعداد المغاربة الواصلين بحرا إلى إسبانيا من أكثر من نصف الوافدين سنة 2020 إلى نحو 11 بالمئة فقط سنة 2025. وانخفض عدد الوافدين إلى جزر الكناري تحديدا بنسبة 62 بالمئة خلال 2025، ثم بنسبة إضافية بلغت 67,2 بالمئة خلال النصف الأول من 2026، بفضل ما وصفته السلطات الإسبانية بتحسن التنسيق مع الرباط ونواكشوط وداكار.

أما تونس، فتجد نفسها اليوم بلد عبور وبلد مقصد في آن واحد. فقد أعلنت الخارجية التونسية ترحيل نحو 10 آلاف مهاجر غير نظامي خلال 2025 عبر برنامج العودة الطوعية المنسق مع المنظمة الدولية للهجرة، مقارنة بـ7200 حالة سنة 2024، مؤكدة في الوقت ذاته أنها “لن تصبح منطقة عبور” للمهاجرين نحو أوروبا. غير أن آلاف المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء لا يزالون يقيمون في مخيمات عشوائية داخل غابات جنوب البلاد، في مناطق مثل العامرة وجبنيانة، بعد منعهم من محاولة عبور البحر المتوسط، ما يجعل تونس ساحة توتر اجتماعي متجدد بين حملات تحريض محلية ومطالب حقوقية بحماية هؤلاء المهاجرين.

البحر المتوسط: خريطة طرق تتبدل لا تتوقف

لم يعد الحديث عن “أزمة الهجرة في المتوسط” يعني مسارا واحدا. فوفق البيانات النهائية الأولية لوكالة “فرونتكس” عن سنة 2025، تراجعت عمليات العبور غير النظامي عند الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي بنسبة 26 بالمئة لتصل إلى نحو 178 ألف حالة، وهو أدنى مستوى منذ 2021 وأقل من نصف الرقم المسجل سنة 2023. لكن هذا التراجع الإجمالي يخفي تباينات حادة بين المسارات الثلاثة الرئيسية.

فمسار وسط المتوسط، المتجه أساسا نحو السواحل الإيطالية، ظل الأكثر ازدحاما، إذ استأثر بنحو 40 بالمئة من مجمل الدخول غير النظامي خلال 2025 بواقع أكثر من 63200 حالة، مع بقاء ليبيا المصدر الرئيسي لأكثر من 90 بالمئة من هذه العمليات. وفي السياق ذاته، سجل ممر ليبيا-كريت المتجه نحو اليونان قفزة استثنائية بلغت 260 بالمئة خلال الأحد عشر شهرا الأولى من 2025 مقارنة بالفترة نفسها من 2024، ما يعكس تحول شبكات التهريب نحو مسارات أطول وأكثر خطورة كلما شددت السلطات مراقبتها للمسارات التقليدية.

في المقابل، شكّل مسار غرب المتوسط، المنطلق أساسا من الجزائر، الاستثناء الوحيد الذي سار عكس الاتجاه العام، بارتفاع بلغ 15 بالمئة خلال 2025، مع تصدر الجزائريين والصوماليين قائمة الجنسيات المسجلة على هذا المسار. أما مسار شرق المتوسط فتراجع بنسبة 30 بالمئة ليصل إلى نحو 46200 حالة، فيما سجل مسار غرب أفريقيا، المتجه نحو جزر الكناري، أكبر انخفاض بين جميع المسارات بنسبة 60 بالمئة، بفضل تشديد المراقبة في موريتانيا والسنغال.

هذه التحولات لا تعني بالضرورة تراجع الضغط الإنساني. فقد قدّرت المنظمة الدولية للهجرة أن ما لا يقل عن 1878 شخصا لقوا حتفهم في البحر المتوسط خلال 2025 وحده، فيما سجلت بداية 2026 معدلات وفيات غير مسبوقة، إذ توفي نحو 660 شخصا في أول شهرين فقط، كثير منهم بسبب أحوال جوية قاسية دفعت شبكات التهريب رغم ذلك إلى إرسال قوارب مكتظة وغير آمنة. وعلى المستوى العالمي، وثّقت المنظمة الدولية للهجرة، في تقريرها السنوي الصادر في أبريل 2026، وفاة أو فقدان نحو 7900 مهاجر خلال 2025 في مختلف طرق الهجرة حول العالم، ليرتفع الإجمالي المسجل منذ 2014 إلى أكثر من 80 ألف حالة، بينما يقدَّر أن نحو 340 ألف فرد من عائلات هؤلاء المفقودين يعيشون اليوم في حالة انتظار لا نهاية محددة لها.

تسعة ملايين نازح في السودان: أكبر أزمة نزوح شهدها العالم منذ عقود

بينما تتصدر طرق العبور المتوسطية عناوين الصحافة الأوروبية، تدور في الجوار الأفريقي المباشر للوطن العربي أضخم أزمة نزوح يسجلها العالم منذ سنوات. فمنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، أُجبر نحو 14 مليون شخص على مغادرة منازلهم، وفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، منهم 9,1 ملايين نازح داخليا حتى نهاية 2025، إلى جانب ما بين 2,8 و4,4 ملايين لاجئ توزعوا على دول الجوار، أبرزها تشاد ومصر وجنوب السودان وليبيا وأوغندا وأفريقيا الوسطى.

في تشاد وحدها، استقبلت البلاد حتى نهاية يونيو 2026 نحو 2,26 مليون شخص نازح قسرا، من بينهم 1,55 مليون لاجئ وطالب لجوء، بعد عبور أكثر من 935 ألف سوداني حدودها منذ بداية الحرب. وتشير المفوضية إلى أن أكثر من نصف سكان السودان يواجهون انعداما حادا في الأمن الغذائي، مع تأكد وقوع مجاعة في عدة مناطق، فيما تبقى خطة الاستجابة الإقليمية لسنة 2025 ممولة بنسبة 25 بالمئة فقط من احتياجاتها المعلنة، وهو ما دفع منظمات إغاثية إلى تقليص خدماتها الصحية والغذائية لملايين النازحين في وقت واحد.

في المقابل، يقدم الملف السوري نموذجا مغايرا تماما لديناميكية النزوح ذاتها، إذ تحوّل من أزمة لجوء ممتدة منذ أكثر من عقد إلى موجة عودة واسعة النطاق عقب سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024. فبحسب ممثل المفوضية في سوريا، غونزالو فارغاس يوسا، عاد نحو 1,3 مليون لاجئ سوري من الخارج منذ ذلك التاريخ، إلى جانب نحو مليوني نازح داخلي عادوا إلى مناطقهم الأصلية، ليتجاوز إجمالي العائدين ثلاثة ملايين شخص خلال فترة قصيرة نسبيا. وتتوقع المفوضية عودة نحو مليون لاجئ إضافي خلال 2026، ما يعني أن العدد الإجمالي للعائدين قد يتخطى أربعة ملايين شخص خلال عامين فقط، رغم أن أكثر من ربع هؤلاء العائدين يفتقرون إلى وثائق أساسية كبطاقات الهوية أو سندات الملكية، في بلد لا يزال 15,6 مليون شخص فيه، أي أكثر من ستة من كل عشرة سكان، بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة خلال 2026.

أما في غزة، فتتشابك أزمة النزوح مع سؤال إعادة الإعمار والمرجعية السياسية المقبلة للقطاع. فبعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، نزح نحو 833 ألف فلسطيني إضافي، بينهم أكثر من 694 ألفا انتقلوا من جنوب القطاع إلى شماله، فيما لا يزال نحو 73 ألف نازح يقيمون في ملاجئ طارئة تديرها وكالة الأونروا. وقدّرت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، في أبريل 2026، كلفة إعادة إعمار غزة على مدى عشر سنوات مقبلة بنحو 71,4 مليار دولار، مشترطة لنجاح هذه العملية وقفا دائما لإطلاق النار وأمنا مناسبا ونفاذا إنسانيا بلا قيود. وفي مطلع يوليو 2026، أثار إعلان “مجلس السلام” أنه “لا مكان للأونروا في غزة الجديدة” نقاشا واسعا يتجاوز مستقبل وكالة أممية بعينها إلى سؤال أعمق حول الجهة التي ستدير ملف اللاجئين الفلسطينيين مستقبلا.

12 يونيو 2026: اليوم الذي تغيّرت فيه قواعد اللجوء في أوروبا

دخل “ميثاق الهجرة واللجوء” الأوروبي حيز التطبيق الكامل في جميع الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي يوم 12 يونيو 2026، بعد سنتين من مرحلة انتقالية أعقبت دخوله حيز النفاذ القانوني في يونيو 2024. ويتكوّن الميثاق من عشرة نصوص تشريعية ملزمة تعيد صياغة كيفية إدارة الاتحاد لحدوده الخارجية ومعالجة طلبات اللجوء وتوزيع المسؤولية بين الدول الأعضاء، عبر أربعة محاور رئيسية: إجراءات الفرز عند الحدود، وتوحيد إجراءات اللجوء بين الدول الأعضاء، وآلية تضامن إلزامية لتوزيع طالبي اللجوء أو الدعم المالي بين الدول، وضوابط جديدة لمنع “التنقلات الثانوية” داخل الفضاء الأوروبي.

وقد أقرت الدول الأعضاء في ديسمبر 2025 “مجمع التضامن” الأول لسنة 2026، الذي يمنح الدول الأكثر عرضة للضغط الهجروي أولوية الوصول إلى صندوق دعم أوروبي مشترك. غير أن منظمة “هيومن رايتس ووتش” حذرت، في وثيقة أسئلة وأجوبة نشرتها بالتزامن مع دخول الميثاق حيز التطبيق، من أن القواعد الجديدة “ستقوّض حق اللجوء” عبر تسهيل تسريع تقييم طلبات الحماية والحد من الضمانات الإجرائية وتوسيع مدة احتجاز طالبي اللجوء. وأظهر تقرير للمفوضية الأوروبية صدر في 8 مايو 2026 أن الدول الأعضاء أحرزت تقدما ملموسا في تنفيذ الميثاق، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن دخوله حيز التطبيق “ليس نهاية المسار”، وأن جهودا متواصلة ستظل ضرورية لتفعيله بشكل كامل.

وتزامن ذلك مع تطور موازٍ أثار جدلا حقوقيا واسعا، إذ أقر الاتحاد الأوروبي في يونيو 2026 لائحة “الإعادة” الجديدة، التي تتيح إنشاء مراكز احتجاز خارج أراضي الاتحاد لترحيل الأجانب المطرودين إلى دول ثالثة، في خطوة اعتبرها محامون ومختصون في قانون اللجوء “انتصارا لليمين المتطرف” وانعكاسا لتوجه أوروبي متزايد نحو التعاون مع أنظمة ثالثة على حساب مبادئ حقوق الإنسان. وفي فرنسا تحديدا، تبنى النواب قانون هجرة جديدا يحمل، بحسب توصيف معارضيه، الكثير من روح اليمين المتطرف، إذ يمنح السلطات صلاحيات أوسع لترحيل الأجانب “غير المرغوب فيهم”، فيما لم تنجح الأغلبية الرئاسية إلا في تمرير بند واحد يتيح للعامل غير النظامي طلب تصريح إقامة دون موافقة صاحب العمل، شريطة إقامة لا تقل عن ثلاث سنوات وعمل فعلي لا يقل عن اثني عشر شهرا من آخر أربعة وعشرين شهرا.

ليبيا: اقتصاد الاحتجاز الذي يتغذى على المهاجرين

كشف تقرير مشترك لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ومفوضية حقوق الإنسان الأممية، نُشر في 17 فبراير 2026 ويغطي الفترة من يناير 2024 إلى ديسمبر 2025، عن نمط “منهجي ومنظّم” من انتهاكات حقوق الإنسان بحق المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء في ليبيا، استند إلى مقابلات مع نحو مئة مهاجر ولاجئ وطالب لجوء من 16 دولة في أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا. ويصف التقرير ما يجري بأنه “نموذج استغلالي” يتغذى على ضعف الفئات الأكثر هشاشة، تحول إلى “واقع وحشي ومطبَّع” في البلاد.

وبحسب النتائج، يُختطف المهاجرون على يد شبكات إجرامية ترتبط في كثير من الأحيان بالسلطات الليبية نفسها، ثم يُنقلون إلى مراكز احتجاز دون أي إجراءات قانونية، حيث يتعرضون للاسترقاق والعمل القسري والدعارة القسرية والابتزاز ومصادرة ممتلكاتهم ووثائق هويتهم. كما وثّق التقرير حالات اختفاء قسري وعمليات اعتراض بحرية عنيفة تعيد المهاجرين قسرا إلى ليبيا، حيث يواجهون دورات متجددة من الانتهاكات، إلى جانب اكتشاف مقابر جماعية في جنوب البلاد وشرقها وغربها تضم رفاتا لم تُحدد هويته بعد. وقد سجلت المنظمة الدولية للهجرة وجود 894890 مهاجرا في ليبيا حتى يوليو 2025، فيما سجلت المفوضية السامية للاجئين نحو 197961 لاجئا وطالب لجوء، من بينهم أكثر من 467 ألف سوداني وصلوا هربا من الحرب، لم يُسجَّل رسميا منهم سوى 86849 شخصا فقط.

وفي تطور لافت وقع بعد أشهر قليلة من نشر هذا التقرير، اندلعت في طرابلس، يوم 4 يونيو 2026، احتجاجات مناهضة للمهاجرين عقب إشاعات تتحدث عن نية توطينهم بشكل دائم في البلاد، في أعقاب أشهر من خطاب تحريضي رسمي في شرق ليبيا وغربها على حد سواء. وسبق لحكومة الوحدة الوطنية أن أعلنت في مارس 2025 عزمها ترحيل 100 ألف مهاجر ولاجئ وطالب لجوء كل أربعة أشهر، فيما اعترضت القوات الليبية أو أنقذت حتى نهاية نوفمبر 2025 نحو 25286 مهاجرا وطالب لجوء أعادتهم قسرا إلى الشواطئ الليبية، حيث يواجهون بحسب منظمات حقوقية “خطرا جديا للتعذيب والمعاملة اللاإنسانية”.

تونس: غابات صفاقس وملف لم يُحسم بين التحريض والضغط الأوروبي

تختزل مدينة صفاقس التونسية، الواقعة على الساحل الشرقي للبلاد، أحد أكثر ملفات الهجرة تعقيدا في المغرب العربي. فقد تحولت المدينة إلى نقطة تجمع رئيسية للمهاجرين الأفارقة القادمين من جنوب الصحراء الكبرى، الذين يستخدمونها كنقطة انطلاق نحو السواحل الإيطالية القريبة نسبيا. وقد أدى مقتل مواطن تونسي على يد مهاجرين، في يوليو 2023، إلى تصعيد حاد دفع السلطات إلى تنظيم عمليات ترحيل واسعة من صفاقس نحو المناطق الحدودية مع ليبيا، بمعدل أربع قوافل يومية نقلت قرابة 1200 مهاجر غير نظامي إلى مناطق صحراوية نائية، وسط انتقادات دولية واسعة لعمليات الطرد الجماعي هذه.

ومنذ ذلك الحين، استقرت آلاف الأسر من أفريقيا جنوب الصحراء في مخيمات عشوائية داخل غابات مناطق العامرة وجبنيانة جنوب تونس، بعد منعها من محاولة عبور البحر المتوسط، في ظروف معيشية قاسية تفتقر لأبسط مقومات الإيواء. وفي الوقت ذاته، أطلقت مجموعات من الناشطين التونسيين حملات تدعو إلى مقاطعة تشغيل المهاجرين غير النظاميين أو تأجير مساكن لهم، استنادا إلى نص قانوني يعاقب كل من يتورط في ذلك، ما غذى مناخا من التوتر الاجتماعي تخللته حوادث عنف متبادل واتهامات بالعنصرية من جهة، ومخاوف أمنية معلنة من جهة أخرى.

وبحسب ما أعلنه وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي في نوفمبر 2025، أعادت تونس نحو 10 آلاف مهاجر غير نظامي إلى بلدانهم خلال العام، معظمهم من دول جنوب الصحراء الكبرى، عبر برنامج العودة الطوعية المنسق مع المنظمة الدولية للهجرة، مقارنة بـ7200 حالة سنة 2024، مؤكدا التزام تونس أمام شركائها الأوروبيين بألا “تصبح منطقة عبور” للمهاجرين نحو القارة العجوز. ومع ذلك، لا تزال منظمات حقوقية تونسية ودولية تطالب السلطات بوضع حد لعمليات الطرد الجماعي نحو المناطق الصحراوية النائية قرب الحدود الليبية، وبتنظيم الوضعية القانونية لهؤلاء المهاجرين بدل الاكتفاء بمقاربة أمنية بحتة.

اتفاقية 1968: الملف الذي لا يموت بين الجزائر وباريس

قلّما ينفصل ملف الاندماج عن السياسة في العلاقة الفرنسية الجزائرية، وأبرز مثال على ذلك اتفاقية 1968 المنظمة لإقامة الجزائريين في فرنسا، والتي تمنحهم تسهيلات خاصة في الإقامة العائلية تفوق ما يحصل عليه رعايا دول أخرى خارج الاتحاد الأوروبي. فقد شهدت سنة 2025 تصعيدا سياسيا حادا حول هذا الملف، بلغ ذروته في 30 أكتوبر 2025 حين صوّت النواب الفرنسيون، بأغلبية ضئيلة، على قرار يندد بالاتفاقية بعد 56 عاما من توقيعها، واصفا إياها بـ”النظام الاستثنائي المبالغ فيه”، قبل أن يتبنى النواب أنفسهم في نوفمبر قرارا يدعو صراحة إلى إنهائها وإعادة النظر في كافة الاتفاقيات الثنائية مع الجزائر.

هذا التصعيد التشريعي جاء في سياق أزمة دبلوماسية أوسع بين البلدين، إذ أعلنت الجزائر في أبريل 2025 اثني عشر دبلوماسيا فرنسيا “أشخاصا غير مرغوب فيهم” وطلبت مغادرتهم خلال 48 ساعة، فردت باريس باستدعاء قائمها بالأعمال احتجاجا على ما وصفته بالقرار “غير المبرر”، وسط تلويح من وزير الداخلية الفرنسي آنذاك بإنهاء الاتفاقية ردا على ما اعتبره محاولة جزائرية لـ”إذلال” فرنسا. ولم تكن الجزائر بدورها بمعزل عن التصعيد، إذ لوّح مسؤولون جزائريون باحتمال نقض الاتفاقية بشكل أحادي، فيما اعتبر وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف أن القرار البرلماني الفرنسي “شأن فرنسي بحت” لا يعني الجزائر مباشرة.

غير أن مسار العلاقات شهد تحولا لافتا مطلع صيف 2026، إذ أعلنت الجزائر وباريس، بعد عامين من التوتر، توافقهما على “إعادة بناء العلاقات”، مع الاتفاق على العمل استنادا إلى مقترحات ملموسة تأتي بمبادرة من الجانب الفرنسي لتطوير اتفاقية 1968، لا إلغائها بشكل أحادي. ويكشف هذا المسار المتعرج، بحسب متابعين للملف، أن اتفاقية الهجرة تُستخدم غالبا كورقة سياسية داخلية في فرنسا كلما احتدم النقاش حول الهجرة والأمن الداخلي، أكثر من كونها موضوع تفاوض قانوني أو دبلوماسي بحت، وأن أي تعديل جوهري عليها سيمس مباشرة الجالية الجزائرية في فرنسا، وهي الأكبر عددا بين الجاليات المهاجرة المقيمة هناك.

العودة الطوعية: من دمشق إلى صفاقس، أرقام متفاوتة ومسارات متباينة

لا تسير برامج العودة في العالم العربي بمنطق واحد. ففي سوريا، تندرج موجة العودة الحالية ضمن سياق سياسي جديد بعد سقوط نظام الأسد، إذ ترى المفوضية السامية للاجئين أن التعافي التدريجي الذي تشهده البلاد يشجع مئات الآلاف على العودة طواعية، رغم استمرار انعدام الأمن في بعض المناطق ومحدودية فرص العيش. وبحسب ممثل المفوضية في دمشق، فإن أكثر من ربع العائدين يفتقرون إلى وثائق أساسية مثل الهوية الشخصية أو سندات الملكية، ما يجعل إعادة الاستقرار عملية أبطأ وأكثر تعقيدا مما توحي به الأرقام الإجمالية للعودة.

أما في تونس وليبيا، فتندرج برامج العودة ضمن منطق مختلف تماما، إذ تُصمَّم أساسا لتخفيف الضغط الهجروي على السواحل المتجهة نحو أوروبا، بتنسيق مباشر مع المنظمة الدولية للهجرة التي تنظم رحلات أسبوعية لمساعدة المهاجرين على العودة إلى بلدانهم الأصلية طواعية. غير أن هذا النموذج “الطوعي” يتقاطع أحيانا مع ممارسات أقرب إلى الطرد القسري، كما تكشف حالة ليبيا التي أعلنت السلطات فيها عن خطط لترحيل 100 ألف مهاجر كل أربعة أشهر، وسجّلت عمليات ترحيل جماعي لمواطنين نيجيريين ونيجيريين في يناير 2025 دون مراجعة فردية لأوضاعهم، وهو ما اعتبرته الأمم المتحدة انتهاكا صريحا للقانون الدولي للاجئين الذي يحظر الطرد الجماعي دون تقييم فردي لكل حالة.

هذا التباين بين “العودة الطوعية” بمفهومها الإنساني في الحالة السورية و”العودة القسرية” المقنّعة في السياقين الليبي والتونسي، يكشف حدود المصطلح نفسه حين يُستخدم كإطار عام يخفي فروقا جوهرية بين من يعود لأن بلده أصبح أكثر أمانا، ومن يُدفع إلى العودة لأن بلد العبور أغلق أمامه كل الأبواب.

19,3 مليون نازح مناخي محتمل: شمال أفريقيا في مرمى الجفاف

تحتل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا موقعا خاصا في خرائط الهجرة المناخية العالمية، باعتبارها المنطقة الأكثر إجهادا مائيا في العالم، إذ تضم إحدى عشرة دولة من أصل الدول السبع عشرة الأكثر شحا في المياه على مستوى الكوكب. ويتفاقم هذا الشح بفعل تضافر عوامل عدة، أبرزها استنزاف الموارد المائية الجوفية وتكثيف الزراعة والنمو السكاني المتسارع، إلى جانب أحداث مناخية متطرفة كالفيضانات والجفاف وحرائق الغابات، وأخرى بطيئة الظهور كتدهور الأراضي وارتفاع منسوب مياه البحر.

وبحسب تقرير “Groundswell” الصادر عن البنك الدولي، فإن شمال أفريقيا وحدها قد تشهد نزوح ما يصل إلى 19,3 مليون شخص داخليا بحلول سنة 2050 في حال غياب إجراءات مناخية وتنموية حاسمة. وفي العراق تحديدا، سجلت المنظمة الدولية للهجرة نزوح أكثر من 68 ألف شخص بسبب ظروف الجفاف، وهو رقم يعكس، وفق خبراء بيئيين، اتجاها متصاعدا مرشحا للتفاقم في العقود المقبلة. وتشير دراسات علمية حديثة إلى أن الجفاف المتكرر في منطقة الساحل الأفريقي، الواقعة جنوب الحدود الجزائرية والليبية والمصرية مباشرة، يتفاعل مع توترات إثنية واقتصادية قائمة حول استخدام الأراضي والموارد المائية، ما يعزز موجات نزوح ريفي تتجه شمالا نحو دول المغرب العربي قبل أن تتحول جزء منها إلى محاولات هجرة نحو أوروبا.

هذا البعد المناخي يفسر جزئيا استمرار تدفق المهاجرين من مالي والنيجر وتشاد والسودان نحو الحدود الجنوبية الجزائرية رغم تشديد المراقبة الأمنية هناك، إذ تدفع الأزمات المناخية والأمنية المتزامنة في دول الجوار موجات جديدة من الباحثين عن ملاذ اقتصادي أو أمني، مستغلة في الوقت ذاته الفراغ الأمني الذي تخلفه هشاشة الدول في منطقة الساحل. وتحاول مبادرات إقليمية مثل “السور الأخضر الكبير”، الذي التزم البنك الدولي بتمويله بنحو 5,6 مليارات دولار بين 2020 و2025 عبر إحدى عشرة دولة، معالجة الأسباب الجذرية لهذا النزوح من خلال استصلاح 100 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة وخلق فرص عمل ريفية بحلول 2030، لكن نتائجها الملموسة على حركة الهجرة لا تزال محدودة حتى الآن.

مليار و800 مليون دولار فقط: الجزائر في ذيل ترتيب تحويلات المهجر عربيا

يكشف ملف التحويلات المالية للجاليات المهاجرة تناقضا لافتا داخل المغرب العربي نفسه. فبينما تحتل مصر صدارة الدول العربية في هذا المجال بتحويلات بلغت نحو 29,6 مليار دولار سنة 2020 مرشحة للارتفاع إلى نحو 33 مليار دولار خلال السنة المالية 2024-2025 وحدها، بحسب تقديرات اقتصادية حديثة، لا تتجاوز تحويلات الجالية الجزائرية في الخارج نحو 1,8 إلى 1,9 مليار دولار سنويا، رغم أن عدد المغتربين الجزائريين يقدَّر بنحو سبعة ملايين شخص، أي نصف عدد المغتربين المصريين تقريبا الذين يحولون ما يقارب عشرين ضعف المبلغ الذي يحوله الجزائريون.

وتعد تحويلات الفرد الجزائري المغترب من الأدنى في المنطقة، إذ لم تتجاوز 841 دولارا سنة 2020، وهو مبلغ أقل بكثير من متوسط تحويلات الفرد في شمال أفريقيا البالغ 4163 دولارا. ويعزو خبراء اقتصاديون هذه الفجوة إلى غياب شبه تام للبنوك الجزائرية في أوروبا، رغم أن فرنسا تستضيف أكبر جالية جزائرية مهاجرة في العالم، ما يدفع كثيرا من المغتربين إلى الاعتماد على قنوات تحويل غير رسمية أو أقل شفافية. وفي محاولة لتدارك هذه الفجوة، افتتحت الجزائر في سبتمبر 2023 أول فرعين مصرفيين لها خارج القارة الأفريقية عبر البنك الاتحادي الجزائري في نواكشوط وبنك الجزائر في داكار، في خطوة يرى فيها مسؤولون ومحللون بداية استراتيجية أوسع لاستقطاب مدخرات المغتربين، لا سيما المقيمين في فرنسا.

وعلى المستوى الإقليمي الأوسع، بلغ إجمالي تدفقات تحويلات المغتربين الأفارقة نحو قارتهم الأصلية ما يقارب 100 مليار دولار سنويا خلال العقد الأخير، بمعدل نمو بلغ 5,8 بالمئة سنة 2024 وحدها، بحسب تقديرات البنك الدولي، لتصبح هذه التحويلات أحد أهم مصادر التمويل الخارجي للدول النامية، متجاوزة أحيانا حجم الاستثمار الأجنبي المباشر والمساعدات التنموية الرسمية مجتمعة. وتبقى هذه المفارقة، بين ثقل الجالية الجزائرية العددي في أوروبا وضعف مساهمتها المالية المسجلة رسميا، أحد أبرز الأسئلة المفتوحة في ملف علاقة الدولة الجزائرية بمهجرها.

بيانات وأرقام أساسية

  • 178 ألف حالة عبور غير نظامي عند الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي خلال 2025، بتراجع 26 بالمئة مقارنة بـ2024 (فرونتكس).
  • ارتفاع 15 بالمئة في مسار غرب المتوسط المنطلق من الجزائر خلال 2025، بينما تراجعت باقي المسارات الرئيسية (فرونتكس).
  • 24071 مهاجرا غير نظامي أوقفتهم السلطات الجزائرية عند حدودها الجنوبية خلال 2025 (وزارة الدفاع الجزائرية).
  • 70905 جزائريين سُجّلوا في وضعية إقامة غير نظامية داخل الاتحاد الأوروبي خلال 2025، المرتبة الأولى عالميا (يوروستات).
  • 9,1 ملايين نازح داخلي في السودان، وما بين 2,8 و4,4 ملايين لاجئ سوداني في دول الجوار (المفوضية السامية للاجئين).
  • أكثر من 3 ملايين سوري عادوا إلى بلادهم منذ ديسمبر 2024، مع توقع عودة مليون إضافي خلال 2026 (المفوضية السامية للاجئين).
  • 894890 مهاجرا مسجلين في ليبيا حتى يوليو 2025، مقابل 197961 لاجئا وطالب لجوء (المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية للاجئين).
  • 7900 مهاجر توفوا أو فُقدوا في طرق الهجرة حول العالم خلال 2025، ليتجاوز الإجمالي منذ 2014 ثمانين ألف حالة (المنظمة الدولية للهجرة).
  • حتى 19,3 مليون نازح مناخي محتمل داخل شمال أفريقيا بحلول 2050 دون إجراءات تنموية ومناخية حاسمة (البنك الدولي).
  • نحو 1,8 مليار دولار تحويلات سنوية للجالية الجزائرية، مقابل نحو 29,6 مليار دولار للجالية المصرية (تقديرات اقتصادية وبنك دولي).

الفاعلون الرئيسيون في الملف

يتقاطع في ملف الهجرة العربي فاعلون رسميون ودوليون وغير رسميون. فعلى المستوى الأممي، تتقدم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة في رصد الأرقام وتقديم الدعم الإنساني المباشر للنازحين واللاجئين، بينما تتولى مفوضية حقوق الإنسان الأممية توثيق الانتهاكات كما في تقريرها عن ليبيا. وعلى المستوى الأوروبي، تتصدر وكالة “فرونتكس” مراقبة الحدود الخارجية للاتحاد، فيما تتولى المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي الإشراف على تنفيذ “ميثاق الهجرة واللجوء” الجديد.

أما على المستوى الوطني، فتتباين مقاربات الدول المغاربية بشكل واضح: الجزائر تعتمد مقاربة أمنية غالبة عند حدودها الجنوبية دون اتفاق ثنائي واضح مع إسبانيا، والمغرب يجمع بين المراقبة الأمنية والتنمية الساحلية والتعاون الدبلوماسي الوثيق مع مدريد وبروكسل، وتونس تراوح بين برامج العودة الطوعية المنسقة مع المنظمة الدولية للهجرة ومقاربة أمنية متشددة تجاه المهاجرين العالقين على أراضيها. وفي فرنسا، يتشابك ملف الهجرة مع الحسابات الانتخابية الداخلية، حيث يمارس اليمين المتطرف تأثيرا متزايدا على مضمون القوانين المتبناة، حتى من قبل معسكرات وسطية ويمينية تقليدية تسعى لاحتواء صعوده. وأخيرا، تلعب شبكات تهريب البشر، الناشطة خصوصا في ليبيا ومنطقة الساحل، دورا حاسما في تحديد مسارات الهجرة وكلفتها البشرية والمالية، إذ تتراوح كلفة عبور بحري واحد بين 5000 و8000 يورو للشخص وفق تقديرات “فرونتكس”.

النقاشات الخلافية: بين حق اللجوء ومنطق الاحتواء الأمني

يتمحور الجدل الأوروبي الأوسع اليوم حول سؤال جوهري: هل يمكن التوفيق بين تشديد إجراءات الحدود والحفاظ على جوهر حق اللجوء كما نصت عليه اتفاقية جنيف لسنة 1951؟ ترى منظمات حقوقية دولية، مثل هيومن رايتس ووتش ومفوضية حقوق الإنسان الأممية، أن الإجراءات الجديدة، من احتجاز أطول لطالبي اللجوء إلى إنشاء مراكز احتجاز خارج الأراضي الأوروبية، تمثل تراجعا صريحا عن الالتزامات الدولية، بينما تدافع المؤسسات الأوروبية عن هذه الإجراءات باعتبارها ضرورية لضبط “فوضى” اعتُبرت غير مستدامة خلال أزمة 2015، ولمواجهة محاولات جهات معادية استغلال تدفقات الهجرة كأداة ضغط سياسي على حدود الاتحاد.

وفي الحالة الليبية، يبرز جدل موازٍ حول جدوى استمرار التعاون الأوروبي مع سلطات محلية متهمة بتوثيق أممي رسمي بارتكاب انتهاكات ممنهجة، في ظل استمرار تمويل أوروبي لعمليات خفر السواحل الليبي التي تعيد المهاجرين قسرا إلى بلد وصفته الأمم المتحدة بأنه غير آمن على الإطلاق لهم. أما في تونس، فيتجدد النقاش حول حدود المسؤولية الأخلاقية لدولة تحولت، بضغط أوروبي مباشر أو غير مباشر، إلى ما يشبه “حارس حدود” لأوروبا، دون أن تحصل مقابل ذلك على إطار قانوني واضح يحمي حقوق المهاجرين العالقين على أراضيها.

وفي غزة، يتخذ الجدل بعدا مختلفا تماما، إذ يتقاطع سؤال إعادة الإعمار وعودة النازحين مع سؤال سياسي أعمق حول من سيدير القطاع مستقبلا، ومصير وكالة الأونروا التي بُنيت حولها عقود من العمل الإغاثي والتعليمي للاجئين الفلسطينيين، في ظل دعوات صريحة من أطراف بارزة إلى إنهاء دورها بالكامل في “غزة الجديدة”، وهو ما يعتبره مراقبون فلسطينيون وحقوقيون محاولة لإعادة تعريف قضية اللجوء الفلسطيني نفسها بمعزل عن مرجعياتها القانونية والتاريخية المعتمدة أمميا منذ 1948.

آفاق مستقبلية: ما الذي يجب مراقبته خلال الأشهر المقبلة؟

سيكون العام الأول لتطبيق “ميثاق الهجرة واللجوء” الأوروبي، الممتد من يونيو 2026 فصاعدا، اختبارا حقيقيا لقدرة الاتحاد على التوفيق بين ضبط حدوده وصون التزاماته الحقوقية، خصوصا مع دخول لائحة “الإعادة” الجديدة ومراكز الاحتجاز خارج الأراضي الأوروبية حيز التطبيق التدريجي. وفي الملف الفرنسي الجزائري، سيحدد مسار المفاوضات حول تطوير اتفاقية 1968 خلال الأشهر المقبلة ما إذا كانت “إعادة بناء العلاقات” المعلنة صيف 2026 ستفضي فعلا إلى تسوية مستقرة، أم أنها ستبقى هدنة مؤقتة قابلة للانهيار عند أي استحقاق انتخابي فرنسي جديد.

أما في سوريا، فسيظل مسار عودة اللاجئين مرتبطا مباشرة بوتيرة الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي في البلاد، وبقدرة الحكومة الجديدة على استيعاب أكثر من أربعة ملايين عائد خلال عامين فقط دون انهيار الخدمات الأساسية. وفي السودان، ستبقى معالجة الفجوة التمويلية الحادة في خطة الاستجابة الإنسانية شرطا أساسيا لتفادي تفاقم أزمة النزوح الأكبر عالميا إلى مستويات إنسانية أكثر خطورة. وعلى المدى الأبعد، ستظل الهجرة المناخية أحد أكثر الملفات إغفالا رغم حجمها المتوقع، إذ يبقى السؤال مفتوحا حول قدرة مبادرات إقليمية كـ”السور الأخضر الكبير” على تحقيق نتائج ملموسة قبل أن تتحول توقعات البنك الدولي بشأن نزوح ملايين سكان شمال أفريقيا إلى واقع معاش.

أسئلة شائعة حول ملف الهجرة واللجوء في الوطن العربي

لماذا يرتفع العبور من الجزائر بينما تتراجع باقي طرق الهجرة نحو أوروبا؟ يعود ذلك أساسا إلى غياب اتفاق أمني ثنائي واضح بين الجزائر وإسبانيا يشبه التنسيق القائم بين الرباط ومدريد، إلى جانب مقاربة جزائرية تركز على المراقبة عند الحدود الجنوبية أكثر من تركيزها على السواحل الشمالية المنطلقة نحو إسبانيا وجزر البليار.

هل تعني عودة ملايين السوريين أن الأزمة الإنسانية في البلاد انتهت؟ لا. فرغم عودة أكثر من ثلاثة ملايين شخص منذ ديسمبر 2024، لا يزال أكثر من ستة من كل عشرة سوريين بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة خلال 2026، فيما يفتقر أكثر من ربع العائدين إلى وثائق أساسية تمكنهم من استعادة ممتلكاتهم أو إثبات هويتهم القانونية.

ما الفرق بين “العودة الطوعية” في تونس والطرد الجماعي في ليبيا؟ تُنسَّق برامج العودة في تونس مع المنظمة الدولية للهجرة عبر رحلات منظمة ومعلنة، بينما تشمل الحالة الليبية عمليات ترحيل جماعي دون مراجعة فردية للأوضاع، وهو ما تصفه الأمم المتحدة بالمخالفة الصريحة للقانون الدولي للاجئين.

هل سيؤثر ميثاق الهجرة الأوروبي الجديد على طالبي اللجوء من دول عربية تحديدا؟ نعم، إذ تشمل الإجراءات الجديدة توحيد معايير تقييم طلبات الحماية عبر كل دول الاتحاد، وتسريع الفرز عند الحدود، وهو ما قد يطال بشكل مباشر طالبي اللجوء القادمين من مناطق نزاع عربية كسوريا والسودان واليمن، وليس فقط المهاجرين الاقتصاديين.

الخلاصة

يكشف هذا الملف أن الهجرة واللجوء في الوطن العربي لا يمكن اختزالهما في سردية واحدة، فبينما تُغلق أبواب أوروبا تدريجيا أمام معظم طرق العبور التقليدية، يظل الساحل الجزائري استثناء صارخا، وبينما يعود ملايين السوريين إلى بلادهم بأمل حذر، لا يزال تسعة ملايين سوداني عالقين في نزوح لا أفق واضحا لنهايته. وبين مركز احتجاز ليبي يوصف بأنه “اقتصاد قائم على الاستغلال”، وغابة تونسية تؤوي عائلات بلا مأوى حقيقي، وملف دبلوماسي فرنسي جزائري يتأرجح بين التصعيد والتهدئة، تبقى القاسم المشترك الوحيد بين كل هذه القصص هو الإنسان الذي يقرر، لأسباب سياسية أو اقتصادية أو مناخية، أن البقاء في مكانه لم يعد خيارا ممكنا.


المصادر

  1. وكالة فرونتكس الأوروبية – “EU external borders: irregular crossings fall by a quarter in the first 11 months of 2025″ و”Frontex: Irregular border crossings down 26% in 2025″ و”Frontex: 52% drop in irregular border crossings in the first 2 months of 2026” https://www.frontex.europa.eu/media-centre/news/news-release – تم الاطلاع في يوليو 2026
  2. المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين – “Global Trends” يونيو 2026 و”Sudan Situation Appeal 2026″ و”Sudan emergency” https://www.unhcr.org/global-trends – تم الاطلاع في يوليو 2026
  3. مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) – “Migrants in Libya victims of ‘violent business model'” فبراير 2026 https://www.ohchr.org/en/press-releases/2026/02/migrants-libya-victims-violent-business-model-systemic-violations-and-abuses – تم الاطلاع في يوليو 2026
  4. منظمة هيومن رايتس ووتش – “Libya: Anti-Migrant Rhetoric Fuels Abuses” يوليو 2026 و”Questions and Answers: The EU Pact on Migration and Asylum” يونيو 2026 https://www.hrw.org/news/2026/07/02/libya-anti-migrant-rhetoric-fuels-abuses – تم الاطلاع في يوليو 2026
  5. المفوضية الأوروبية – “Pact on Migration and Asylum enters into application on 12 June” و”Commission reports on progress in implementing Pact on Migration and Asylum” https://ec.europa.eu/commission/presscorner/detail/en/ip_26_1285 – تم الاطلاع في يوليو 2026
  6. المنظمة الدولية للهجرة – “Nearly 8,000 Migrant Deaths Recorded in 2025, New IOM Data” أبريل 2026 https://www.iom.int/news/nearly-8000-migrant-deaths-recorded-2025-new-iom-data – تم الاطلاع في يوليو 2026
  7. البنك الدولي، عبر المكتب الإقليمي للمنظمة الدولية للهجرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – “Migration, Environment and Climate Change” https://mena.iom.int/migration-environment-and-climate-change – تم الاطلاع في يوليو 2026
  8. صحيفة العربي الجديد ووكالة “مهاجر نيوز” (InfoMigrants بالعربية) – تقارير حول توقيف 24071 مهاجرا غير نظامي في الجزائر خلال 2025، يناير 2026 https://www.alaraby.co.uk و https://www.infomigrants.net/ar – تم الاطلاع في يوليو 2026
  9. قناة العربية – “تونس ترحّل 10 آلاف مهاجر في 2025 وتتعهد بعدم التحول لمنطقة عبور” نوفمبر 2025 https://www.alarabiya.net/north-africa/tunisia/2025/11/04 – تم الاطلاع في يوليو 2026
  10. صحيفة الشرق الأوسط – “مسؤول أممي يتوقع عودة مليون لاجئ إلى سوريا في عام 2026” ديسمبر 2025 https://aawsat.com – تم الاطلاع في يوليو 2026
  11. وكالة الأونروا – “تقرير الأونروا رقم 210 و212 حول الأزمة الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة” فبراير-مارس 2026 https://www.unrwa.org/ar/resources/reports – تم الاطلاع في يوليو 2026
  12. الجزيرة نت وموقع “إرم نيوز” – تقارير حول اتفاقية 1968 والعلاقات الفرنسية الجزائرية، نوفمبر 2025 ويونيو 2026 https://www.ajnet.me و https://www.eremnews.com – تم الاطلاع في يوليو 2026
  13. قناة SNRT الإخبارية المغربية – “التعاون المغربي الإسباني يقلص تدفقات المهاجرين غير النظاميين إلى إسبانيا في 2025” https://snrtnews.com/article/144204 – تم الاطلاع في يوليو 2026
  14. مجلة “المجلة” – “مصارف الجزائر في الخارج… فرصة لاستقطاب ثروات المغتربين” ديسمبر 2025 https://www.majalla.com – تم الاطلاع في يوليو 2026
  15. سكاي نيوز عربية ومونت كارلو الدولية – تقارير حول قانون الهجرة الفرنسي الجديد وتأثير اليمين المتطرف https://www.skynewsarabia.com و https://www.mc-doualiya.com – تم الاطلاع في يوليو 2026

هيئة التحرير