صادق البرلمان الفرنسي، في 21 يوليو 2026، على قانون يحمل عنوان “حماية القاصرين من المخاطر التي تعرّضهم لها مواقع التواصل الاجتماعي”، بأغلبية كبيرة بلغت 243 صوتًا مقابل صوتين في مجلس الشيوخ، و279 صوتًا مقابل 81 في الجمعية الوطنية. كانت المادة الأولى من هذا النص تقضي بمنع كل من هم دون 15 عامًا من الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي، على أن يدخل الحظر حيّز التنفيذ في سبتمبر المقبل. غير أن نوابًا من حزبي الاشتراكي و”فرنسا الأبية” طعنوا في النص أمام المجلس الدستوري في 23 يوليو، معتبرين أن الآلية المعتمدة غير متناسبة مع الهدف المعلن.
لماذا صوّت البرلمان على الحظر أصلاً؟
خلف هذا التصويت الواسع مخاوف كانت تتردد منذ أشهر داخل الأسر الفرنسية نفسها. فبحسب استطلاع أجرته مؤسسة أودوكسا لصالح شركة أكادوميا، أعرب 67 في المئة من الفئة العمرية بين 11 و17 عامًا عن تأييدهم لفكرة حظر الوصول إلى مواقع التواصل دون سن 15 عامًا. كما استحضر واضعو النص التجربة الأسترالية، حيث دخل حظر مماثل يشمل من هم دون 16 عامًا حيّز التنفيذ في ديسمبر 2025. غير أن هذه الأرضية الشعبية والدولية لم تكن كافية، في نظر القضاة الفرنسيين، لتبرير الصيغة القانونية التي اختارها المشرّع.
مادة واحدة تسقط، لا القانون بأكمله
في قراره رقم 2026-911 DC، اقتصر المجلس الدستوري على إلغاء المادة الأولى من القانون، دون المساس ببقية بنوده. اعترف القضاة التسعة، برئاسة ريشار فيران، بأن حماية المصلحة الفضلى للطفل ومنع الإخلال بالنظام العام هدفان يبرران دستوريًا تقييد وصول القاصرين إلى هذه الخدمات. غير أنهم خلصوا إلى أن الآلية التي اختارها المشرّع تجاوزت ما هو ضروري ومتناسب لبلوغ هذا الهدف، وفق البيان الصحفي الصادر عن المجلس. هذا التمييز بين مبدأ الحماية وأسلوب تطبيقه هو ما يفسّر لماذا لم يُسقط النص كاملًا.
لماذا اعتُبر الحظر غير متناسب؟
استند القرار إلى مادتين من إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789. الأولى، المادة 11، التي تحمي حرية التعبير والتواصل، ورأى المجلس أن الحظر كان عامًا وشاملًا، يطال منصات لم تثبت خطورتها الصحية أو الأمنية على القاصرين، دون تمييز بين نوع المحتوى أو وظائف كل منصة. ووفق نص القرار نفسه، كان الحظر سيشمل خدمات لمشاركة محتوى ترفيهي أو تعليمي أو تعاوني، وألعابًا إلكترونية ذات طابع اجتماعي جماعي، بل حتى شبكات تواصل أُنشئت أصلًا في إطار أنشطة تربوية. كما لم يترك النص أي هامش للآباء لرفع الحظر أو تكييفه بحسب سن الطفل أو نضجه أو وضعه العائلي، بحسب ما جاء في البيان. أما المادة الثانية، التي تحمي الحياة الخاصة، فقد استُدعيت لأن التحقق من سن كل مستخدم كان سيفرض عمليًا على جميع مرتادي هذه المنصات، بالغين كانوا أو قاصرين، إثبات أعمارهم دون ضمانات قانونية كافية لحماية بياناتهم الشخصية.
ما يميّز هذا القرار ليس إسقاط مادة واحدة فحسب، بل رسمه لحدود أي نص مقبل: حظر متدرّج يراعي طبيعة كل منصة ويترك هامشًا للأسرة، لا حظرًا شاملاً يُعامل جميع من هم دون الخامسة عشرة معاملة واحدة. وبهذا المعنى، يضع المجلس الدستوري كرة المسؤولية التقنية والتشريعية معًا في ملعب الحكومة، لا في ملعب المنصات وحدها.
ما الذي يتغيّر فعليًا على هواتف المراهقين في سبتمبر؟
القرار لا يعني أن المجلس الدستوري اعتبر منصات التواصل الاجتماعي آمنة لمن هم دون 15 عامًا، ولا أنه شكك في وجود مخاطر صحية أو نفسية مرتبطة باستخدامها. البتّ اقتصر على وسيلة الحظر المعتمدة، لا على وجود الخطر نفسه أو غيابه، إذ أقرّ القضاة صراحة بأن حماية المصلحة الفضلى للطفل هدف دستوري مشروع يبرر تقييدات مستقبلية، شرط أن تكون متناسبة ومحددة بدقة.
عمليًا، لن يدخل أي حظر جديد حيّز التنفيذ مع بداية الموسم الدراسي المقبل. القاصرون دون 15 عامًا سيحتفظون بإمكانية فتح حسابات على المنصات نفسها التي كانوا يستخدمونها قبل تصويت يوليو، ولن تُفرض على المستخدمين أي آلية تحقق إضافية من السن حاليًا. ومعظم هذه المنصات تفرض أصلًا، ضمن شروط استخدامها الخاصة، حدًا أدنى للسن يبلغ 13 عامًا، وهو قيد مستقل تمامًا عن القانون الفرنسي الذي أُلغي جزء منه، ويبقى قائمًا بصرف النظر عن هذا القرار. هذا لا يعني أن الملف أُغلق، بل أن العودة إلى نقطة الصفر التشريعي أصبحت واقعًا مؤقتًا، ريثما تُصاغ آلية جديدة تستوفي شروط المجلس الدستوري.
لوكورنو مكلَّف بنص جديد، من دون سقف زمني معلن
كلّف الرئيس إيمانويل ماكرون رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بإعداد نص بديل، عقب صدور القرار مباشرة. من جهتها، أعلنت سارة الحايري، المفوضة السامية لشؤون الطفولة، استئناف العمل على الملف. وقالت في بيان: «نأخذ علمًا بالقرار، لكننا لا نستسلم»، مضيفة أن الحكومة ستنسق مع المفوضية الأوروبية لبناء إطار مؤمَّن قانونيًا يحقق الهدف نفسه بصيغة تستجيب لملاحظات القضاة. في المقابل، رحّب النائب أرتور دولابورت، أحد مقدمي الطعن، بالقرار عبر منصة إكس، وكتب أن نواب المعارضة «كانوا يدينون نظامًا غير متناسب أخطأ هدفه، والقضاة أيّدوهم».
ماذا يعني هذا للأسر الجزائرية والعربية في فرنسا؟
بالنسبة إلى الأسر ذات الأصول الجزائرية والعربية المقيمة في فرنسا، فإن القرار لا يُحدث أي تغيير قانوني فوري في الأدوات المتاحة لها لمراقبة استخدام أبنائها لمواقع التواصل. الرقابة الأبوية تبقى، كما كانت قبل تصويت يوليو، مسألة تُدار عبر إعدادات المنصات وقرارات الأسرة، لا عبر حظر قانوني شامل تفرضه الدولة. كثير من هذه الأسر كانت تتابع الملف عن كثب، باعتباره سابقة قد تُلهم نقاشًا مشابهًا في بلدان أخرى تضم جاليات مهاجرة كبيرة. غير أن الأثر الفعلي لهذا القرار سيظهر لاحقًا فقط، حين يُعرض نص لوكورنو الجديد على البرلمان. وحينها وحده سيتضح ما إذا كانت الفوارق بين المنصات ستُترجم إلى قواعد عملية قابلة للتطبيق فعلًا في حياة المراهقين اليومية.
بحسب حيثيات القرار نفسها، فإن أي نص مقبل سيحتاج إلى ثلاثة عناصر مجتمعة لتجاوز الرقابة الدستورية. أولًا، تصنيف الخدمات بحسب خطورتها الفعلية على القاصرين، بدل معاملة جميع المنصات معاملة واحدة. ثانيًا، آلية واضحة تتيح للوالدين رفع الحظر جزئيًا أو كليًا بحسب سن الطفل ونضجه ووضعه العائلي. ثالثًا، ضمانات تقنية وقانونية محددة تحمي بيانات كل من يُطلب منه إثبات سنّه، قاصرًا كان أو بالغًا.
لم يحدد المجلس الدستوري ولا الحكومة إلى حد الآن جدولًا زمنيًا لعرض هذا النص الجديد على البرلمان. المؤكد الوحيد هو أن الحظر الشامل الذي اعتمده النص الأول لن يعود بصيغته نفسها، وأن أي بديل سيُقاس بمعيار واحد: هل يوازن فعليًا بين حماية القاصرين وحرية التعبير وحق الخصوصية، أم يكرر العيوب التي أسقطها القضاة.
المصادر
- المجلس الدستوري الفرنسي — البيان الصحفي للقرار رقم 2026-911 DC الصادر في 14 أغسطس 2026
https://www.conseil-constitutionnel.fr/actualites/communique/decision-n-2026-911-dc-du-14-aout-2026-communique-de-presse – تم الاطلاع عليه في 15 أغسطس 2026 - فرانس إنفو — تقرير حول قرار المجلس الدستوري بشأن حظر مواقع التواصل عن القاصرين
https://www.franceinfo.fr/internet/reseaux-sociaux/le-conseil-constitutionnel-censure-la-loi-prevoyant-d-interdire-l-acces-des-mineurs-de-moins-de-15-ans-aux-reseaux-sociaux_8147519.html – تم الاطلاع عليه في 15 أغسطس 2026 - سي نيوز (CNEWS) — ردود الفعل الرسمية على القرار، بما في ذلك تكليف الرئيس ماكرون لسيباستيان لوكورنو وتصريح سارة الحايري
https://www.cnews.fr/france/2026-08-14/reseaux-sociaux-le-conseil-constitutionnel-censure-linterdiction-aux-moins-de-15 – تم الاطلاع عليه في 15 أغسطس 2026 - الجمعية الوطنية الفرنسية — وثيقة التعديل رقم AC149 على اقتراح القانون رقم 2107، المتضمنة نتائج التصويت البرلماني ومقارنة بالتجربة الأسترالية
https://www.assemblee-nationale.fr/dyn/17/amendements/2107/CION-CEDU/AC149.pdf – تم الاطلاع عليه في 15 أغسطس 2026
بقلم سارة خليل
ALAHRAR.NET



