الجيش اليمني، الناطق باسمه العميد يحيى سريع، أعلن الأربعاء أن قواته نفذت عملية عسكرية نوعية استهدفت ناقلتي نفط سعوديتين، إحداهما تحمل اسم إنسيليا والأخرى ليلى، بعد اتهامهما بخرق قرار الحظر الملاحي الذي فرضته الجماعة على السفن المرتبطة بالمملكة العربية السعودية. وبحسب البيان العسكري، استخدمت في الضربة صواريخ باليستية وأخرى كروز إلى جانب طائرات مسيرة، ما أدى بحسب رواية أنصار الله إلى اندلاع حرائق كبيرة على متن السفينتين. وجاء الإعلان بعد يومين فقط من دخول الحصار البحري الذي فرضته الجماعة على الملاحة المرتبطة بالسعودية حيز التنفيذ الفعلي.
ضربة الأربعاء: ما تؤكده الرياض وما لم يتأكد بعد
من جهتها، أكدت وكالة الأنباء السعودية الرسمية، نقلا عن مصدر مسؤول في الهيئة العامة للنقل، تعرض الناقلة إنسيليا لهجوم أثناء إبحارها في البحر الأحمر، تسبب في اندلاع حريق عند مقدمة السفينة. وأوضح المصدر أن جميع أفراد الطاقم بقوا سالمين، ووصفت الوكالة الحادث بأنه انتهاك للقوانين والأعراف الدولية التي تكفل سلامة السفن التجارية وأطقمها. غير أن البيان السعودي لم يتطرق إلى مصير الناقلة الثانية، ليلى، التي لم يصدر بشأنها أي تأكيد رسمي حتى صياغة هذا التقرير، فيما ظلت إشارة تتبعها الملاحي غائبة عن الأقمار الصناعية منذ عدة أيام سابقة للحادث.
في السياق ذاته، أفاد مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني بتلقيه بلاغا عن استهداف ناقلة بجسم مقذوف مجهول على بعد نحو 70 ميلا بحريا جنوب غرب مدينة الشقيق السعودية، ما أسفر عن حريق على متنها احتواه الطاقم دون تسجيل إصابات أو أضرار بيئية. ولم يوضح المركز البريطاني ما إذا كانت الحادثة التي رصدها تتعلق بالإنسيليا أم بالليلى. وبحسب سجلات الملاحة، فإن الإنسيليا ناقلة سعودية العلم لنقل المشتقات النفطية بحمولة تفوق 109 آلاف طن، بنيت عام 2003 وتديرها تجاريا شركة جدة للتجارة الدولية.
من ضربة مطار صنعاء إلى معادلة الحصار بالحصار
الهجوم على الناقلتين لا ينفصل عن تصعيد أوسع بدأ يوم الاثنين الفائت، حين أعلنت جماعة أنصار الله فرض حظر بحري شامل على الملاحة المرتبطة بالسعودية، واصفة إياه بتطبيق لمبدأ العين بالعين. وربط الناطق باسم الجماعة هذا القرار بضربة استهدفت مطار صنعاء الدولي قبل أيام، ومنعت طائرة إيرانية من الهبوط فيه، معتبرا إياها عملا عدوانيا غادرا. وما يفسر حدة رد فعل صنعاء ليس الضربة الجوية وحدها، بل تراكم أكثر من عقد من الحصار الذي تتهم الجماعة الرياض بفرضه على اليمن برا وبحرا وجوا.
وبحسب بيانات الجماعة، فإن الرياض تفرض منذ نحو 12 عاما حصارا وصفته بالظالم والشامل أدى إلى نهب موارد اليمن، وهو الاتهام الذي ترفضه السلطات السعودية جملة وتفصيلا. ويشير محللون، من بينهم مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات الأمريكية، إلى أن صياغة أنصار الله لهذا التصعيد بوصفه دفاعا عن الحقوق الاقتصادية اليمنية، لا امتدادا لصراعها الإقليمي مع طهران، تهدف أساسا إلى تجنيب الجماعة سخطا داخليا متزايدا إزاء فتح جبهة عسكرية جديدة على حساب سكان يعانون أصلا من أزمة إنسانية مزمنة.
الرياض وواشنطن وطهران: أطراف متشابكة في أزمة البحر الأحمر
يقف الحصار البحري الجديد عند تقاطع ثلاث جبهات متزامنة. فمن جهة، تخوض السعودية، بدعم أمريكي وإماراتي، مواجهة متقطعة منذ عام 2015 مع جماعة أنصار الله التي تسيطر على صنعاء منذ 2014. ومن جهة أخرى، تتهم صنعاء الرياض بالتحرك بالوكالة عن مصالح أمريكية وإسرائيلية في المنطقة، بينما يستمر التصعيد المتوازي بين واشنطن وطهران حول مضيق هرمز، الذي تشهد فيه القوات الأمريكية والإيرانية تبادلا للضربات منذ أسابيع. وقد هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علنا بعقاب عسكري كبير لجماعة الحوثيين عقب ضربة الناقلتين، في وقت أفادت تقارير بأن واشنطن دعمت سابقا الغارات السعودية التي استهدفت صنعاء ومهدت لهذا التصعيد.
أما إيران، الحليف الإقليمي لجماعة أنصار الله، فلم تعلن تبنيا مباشرا لعملية البحر الأحمر، فيما يرى مراقبون أن قدرة طهران على تفعيل جبهة اليمن متى شاءت تمنحها ورقة ضغط إضافية على واشنطن، توازي الأثر الذي أحدثه إغلاقها الفعلي شبه الكامل لمضيق هرمز على أسواق الطاقة العالمية خلال الأسابيع الأخيرة.
قفزة الأسعار العالمية وانعكاساتها على مصدري النفط
انعكس الهجوم فورا على أسواق الطاقة العالمية. فقد قفز خام برنت، بحسب صحيفة ذا ناشيونال، بنسبة 2.34 في المئة ليبلغ 96.27 دولارا للبرميل، في استمرار لموجة صعود تجاوزت 30 في المئة منذ بداية يوليو. وذهبت مجلة فوربس إلى أن الأسعار العالمية تجاوزت 98 دولارا للبرميل، فيما أشارت صحيفة واشنطن بوست إلى أن خام برنت ارتفع نحو 40 في المئة منذ بداية الشهر وحده. ويعزو محللو السوق هذا التصاعد إلى تزامن الاضطراب في مضيق باب المندب مع الشلل شبه الكامل الذي يعرفه مضيق هرمز، ما يهدد بفتح نقطة اختناق ثانية على طرق إمداد النفط العالمية التي يمر عبرها باب المندب وحده ما بين 12 و15 في المئة من التجارة البحرية الدولية، بقيمة تفوق تريليون دولار سنويا.
وعلى الأرض، بدأت شركات الشحن العالمية بالفعل تغيير مسارات ناقلاتها. فبحسب وكالة فرانس برس، غيرت تسع ناقلات على الأقل وجهتها لتفادي المرور عبر باب المندب منذ إعلان الحصار، بينها ثلاث ناقلات كانت قد حملت النفط من ميناء ينبع السعودي. كما ذكرت وكالة رويترز أن خمس سفن، أربعا منها ناقلات نفط، غيرت مسارها في البحر الأحمر يوم الأربعاء وحده، متجهة نحو قناة السويس بدل باب المندب. ويؤكد هذا التحول أن مشغلي السفن باتوا يأخذون التهديد الحوثي على محمل الجد، بصرف النظر عن حصيلة الضربات الفعلية حتى الآن.
في هذا السياق، يكتسب التصعيد بعدا يتجاوز اليمن والسعودية ليطال مصدري الطاقة في المنطقة عموما، بمن فيهم الجزائر التي يرفع ارتفاع أسعار برنت من قيمة صادراتها من النفط والغاز عبر شركة سوناطراك، وإن كان هذا الارتفاع نفسه يترجم أيضا كلفة إضافية على المستهلكين، بمن فيهم الجالية الجزائرية في أوروبا التي تتأثر مباشرة بأي قفزة في أسعار الوقود والنقل.
الأسابيع المقبلة: تهديدات أمريكية وغموض عسكري
يبقى مسار الأزمة رهينا بمعطيين أساسيين لم يحسما بعد. أولهما موقف واشنطن، التي لوح رئيسها بعقاب عسكري كبير للحوثيين دون تحديد طبيعته أو توقيته. وثانيهما مصير الهدنة الهشة التي أبرمت بين الحوثيين والتحالف السعودي في مارس 2022، والتي لم تشهد منذ إبرامها تصعيدا بهذا الحجم، بعدما استهدفت غارات مطار صنعاء الأسبوع الماضي للمرة الأولى منذ أكثر من أربع سنوات.
في الأثناء، تواصل مراكز الرصد البحري، وعلى رأسها مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني، متابعة حركة الناقلات في باب المندب، حيث تراجعت أعداد العبور اليومية للسفن من نحو 38 ناقلة يوم الثلاثاء إلى 27 ناقلة فقط يوم الأربعاء، بينها خمس ناقلات نفط وناقلة واحدة للغاز المسال، بحسب بيانات نقلتها منصة أويل برايس. وكانت بيانات صندوق النقد الدولي قد سجلت متوسط عبور يومي لا يتجاوز 28 سفينة عبر باب المندب في الأسابيع الأخيرة، مقابل أكثر من 70 سفينة يوميا قبل اندلاع الحرب في غزة أواخر 2023، ما يعكس تراجعا سابقا كان الحصار الجديد سيعمقه أكثر إذا استمر.
وحتى صياغة هذا التقرير، لم تصدر الرياض أي رد عسكري مباشر على ضربة الأربعاء، فيما لم تعلن جماعة أنصار الله عن نيتها تعليق حصارها البحري، الذي تصفه بأنه سيستمر أيا كانت النتائج والتبعات.
المصادر
- الجزيرة نت – Yemen’s Houthis claim attack on two Saudi oil tankers
https://www.aljazeera.com/news/2026/7/22/yemens-houthis-claim-attack-on-two-saudi-oil-tankers – تاريخ الاطلاع: 23 يوليو 2026 - شفق نيوز – Yemen’s Ansarallah attacks two Saudi oil tankers
https://shafaq.com/en/Middle-East/Yemen-s-Ansarallah-attacks-two-Saudi-oil-tankers – تاريخ الاطلاع: 23 يوليو 2026 - ذا ناشيونال – Oil tops 98 dollars a barrel after Houthi attacks on Saudi ships in Red Sea
https://www.thenationalnews.com/business/energy/2026/07/23/oil-rises-above-96-per-barrel-after-houthi-attacks-on-saudi-ships-in-red-sea/ – تاريخ الاطلاع: 23 يوليو 2026 - فوربس – Oil Nears 100 Dollars Again As Iran-Backed Houthis Target Red Sea Shipping
https://www.forbes.com/sites/siladityaray/2026/07/23/oil-nears-100-per-barrel-again-as-iran-backed-houthis-target-red-sea-shipping/ – تاريخ الاطلاع: 23 يوليو 2026 - واشنطن بوست – Oil prices leap after Houthi attacks in Red Sea
https://www.washingtonpost.com/world/2026/07/23/least-one-saudi-oil-tanker-is-attacked-red-sea-war-risks-widen/ – تاريخ الاطلاع: 23 يوليو 2026 - أويل برايس دوت كوم – Two Saudi Oil Tankers Targeted as Houthi Blockade Disrupts Red Sea Shipping
https://oilprice.com/Latest-Energy-News/World-News/Two-Saudi-Oil-Tankers-Targeted-as-Houthi-Blockade-Disrupts-Red-Sea-Shipping.html – تاريخ الاطلاع: 23 يوليو 2026 - الجزيرة نت – Yemen’s Houthis declare naval blockade of Saudi Arabia: What to know
https://www.aljazeera.com/news/2026/7/20/yemens-houthis-declare-naval-blockade-of-saudi-arabia-what-to-know – تاريخ الاطلاع: 23 يوليو 2026
أحمد ناصر



