كشفت شبكة “إن بي سي نيوز” الأمريكية، يوم 5 أغسطس 2026، نقلا عن خمسة مصادر مطلعة، أن وزارة الدفاع الأمريكية تعد وثيقة سرية تعيد النظر في توجيهات استخدام السلاح النووي، بحيث تمنح صناع القرار في البيت الأبيض ما وصفته المصادر بـ”خيارات واقعية وذات مصداقية” بدل الاكتفاء بمنطق الردع الشامل. ويشرف على هذه المراجعة كولبي نفسه، المعروف منذ سنوات بمواقفه الداعمة لتوسيع دور الأسلحة النووية التكتيكية في العقيدة الأمريكية. والمراجعة، على عكس ما قد يوحي به الحديث عنها، ليست استعراضا رسميا شاملا للعقيدة النووية على غرار ما جرت العادة عليه بعد تولي كل رئيس أمريكي منصبه، بل مراجعة أضيق لما يعرف بـ”توجيهات الاستخدام”، الوثيقة التي تحدد صلاحيات قائد القيادة الاستراتيجية الأمريكية ووزير الدفاع في اللجوء إلى السلاح النووي.
مراجعة سرية تمنح الأسلحة التكتيكية موقعا أكثر مركزية
بحسب ما نقلته مجلة “بريكينغ ديفنس” عن كولبي، خلال كلمة ألقاها في ندوة الردع لعام 2026 بمدينة أوماها بولاية نبراسكا، فإن المقاربة الجديدة تعطي وزنا أكبر للأسلحة النووية قصيرة المدى، المصممة للاستخدام في ميدان المعركة أو ضد أهداف عسكرية محددة، بدل الاعتماد حصرا على الصواريخ الاستراتيجية بعيدة المدى القادرة على تدمير مدن بأكملها. ويرى مسؤولون في وزارة الدفاع أن العقيدة الحالية، التي ظلت شبه ثابتة لعقود، تحصر الرئيس الأمريكي بين خيارين متطرفين لا ثالث لهما: عدم الرد إطلاقا، أو الرد بقوة تدميرية شاملة قد تنهي العالم.
هذا التحول لا يقاس بعدد الرؤوس الحربية فحسب، بل بإعادة تعريف واشنطن لحدود ما يمكن أن تعتبره “حربا نووية محدودة” يمكن إدارتها دون فناء شامل، وهو افتراض يرفضه كثير من خبراء الاستراتيجية النووية جملة وتفصيلا. ولم يصدر كولبي حتى الآن أي تأكيد علني بشأن مضمون الوثيقة النهائي، مكتفيا بالقول إنه لا توجد “أي إعلان عن تغيير من أي نوع” في السياسة النووية الأمريكية حتى تاريخه.
نهاية “نيو ستارت”: حين سقطت آخر ضوابط التسلح بين واشنطن وموسكو
جاء هذا التحول العقائدي بعد ستة أشهر من انتهاء معاهدة “نيو ستارت” في 5 فبراير 2026، وهي آخر اتفاقية ملزمة كانت تحد من عدد الرؤوس النووية الاستراتيجية المنشورة لدى كل من الولايات المتحدة وروسيا. وقعت المعاهدة عام 2010، وجرى تمديدها مرة واحدة فقط عام 2021 لخمس سنوات إضافية، من دون أن تترك بنودها إمكانية لتمديد ثان. ومنذ تعليق موسكو التزامها بآليات التفتيش عام 2023 على خلفية الحرب في أوكرانيا، تراجعت فعالية المعاهدة تدريجيا قبل سقوطها نهائيا هذا العام.
في المقابل، وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش سقوط المعاهدة بأنه “لحظة خطيرة” بالنسبة للأمن والسلم الدوليين، مشيرا إلى أن العالم يدخل، ولأول مرة منذ أكثر من نصف قرن، مرحلة خالية من أي سقف ملزم على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم. أما واشنطن فتربط مباشرة بين نهاية المعاهدة وضرورة إعادة النظر في عقيدتها، بحجة أن أي اتفاق ثنائي مع روسيا وحدها لم يعد كافيا في ظل التوسع النووي الذي تشهده الصين.
حين غابت الضوابط سابقا: تجارب فرنسا النووية في صحراء الجزائر
بالنسبة لقارئ جزائري، فإن العودة إلى مرحلة خالية من أي ضوابط نووية دولية تعيد إلى الأذهان فصلا مباشرا من التاريخ الوطني. بين عامي 1960 و1966، أجرت فرنسا 17 تجربة نووية في صحراء الجزائر، أربعا منها في الغلاف الجوي بمنطقة رقان بين فبراير 1960 وأبريل 1961، وثلاث عشرة تحت الأرض بمنطقة إن إيكر حتى فبراير 1966، في غياب تام لأي إطار دولي يقيد امتلاك السلاح النووي أو تجربته. جرت أولى هذه التجارب، المعروفة باسم “الجربوع الأزرق”، قبل استقلال الجزائر بعامين، وتواصلت بعضها حتى بعد الاستقلال بموجب اتفاقيات إيفيان.
هذه الحقبة، التي لا تزال آثارها الصحية والبيئية موضع نقاش بين الجزائر وفرنسا حتى اليوم، تمنح النقاش الحالي حول غياب ضوابط التسلح النووي بعدا إضافيا بالنسبة لدول الجنوب التي لم تشارك في صياغة قواعد اللعبة النووية، لكنها تحملت في كثير من الأحيان كلفتها المباشرة.
بكين وموسكو في قلب الحسبة الأمريكية الجديدة
تربط واشنطن مراجعتها النووية الجديدة مباشرة بتوسع الترسانة الصينية، التي انتقلت في السنوات الأخيرة من ترسانة محدودة إلى قوة نووية ثلاثية كاملة تضم صواريخ برية وبحرية وقاذفات جوية. وتقدر جهات أمريكية رسمية أن الصين قد تصل إلى نحو 1500 رأس نووي بحلول عام 2035، وهو رقم ترفض بكين مناقشته علنا، وتصر في المقابل على أن ترسانتها أصغر بكثير من الترسانتين الأمريكية والروسية، وترفض الدخول في أي مفاوضات ثلاثية للحد من التسلح.
أما روسيا، فتعتبر نفسها، بحسب تصريحات مسؤولين فيها، متحررة من كل الالتزامات التي كانت تفرضها “نيو ستارت”، مع اقتراح سابق من الرئيس فلاديمير بوتين بالحفاظ على السقوف الكمية للمعاهدة بشكل مؤقت من دون آلية تفتيش، وهو عرض لم تستجب له واشنطن بالشكل الذي كانت تنتظره موسكو. وتخشى دوائر أمريكية أن يدفع غياب الضوابط الطرفين إلى ما تصفه بـ”التحوط من أسوأ السيناريوهات”، أي بناء ترسانات أكبر تحسبا لأي اختلال في التوازن الاستراتيجي.
عتبة الاستخدام في خطر: تحذيرات في الكونغرس ومراكز الأبحاث
يحذر عدد من مساعدي الكونغرس والخبراء المطلعين على تفاصيل المراجعة من أن منح الأسلحة التكتيكية دورا أكبر قد يجعلها تبدو أكثر “قابلية للاستخدام” في نزاعات تقليدية، وهو ما يخفض عمليا العتبة التي يلجأ عندها أي طرف إلى السلاح النووي. ونقلت “إن بي سي نيوز” عن أحد مساعدي الكونغرس المطلعين على المراجعة وصفه إياها بأنها لا تتماشى مع خطاب الرئيس ترامب حول تعزيز الردع النووي الأمريكي، معتبرا أنها تسير في اتجاه معاكس لما يريده البيت الأبيض من “مزيد من القدرات لا تقليصها”.
ويستند هذا التحذير إلى محاكاة حرب نووية أجرتها جهات عسكرية وأكاديمية أمريكية على مدى عقود، خلصت في غالبيتها إلى أن أي استخدام محدود لسلاح نووي، مهما كانت قوته التدميرية صغيرة، يحمل مخاطر تصعيد سريع نحو تبادل نووي شامل يصعب السيطرة عليه بعد وقوعه. ويحذر باحثون في مراكز أبحاث أوروبية وآسيوية من أن التحول الأمريكي قد يشجع حلفاء واشنطن أنفسهم على إعادة النظر في مواقفهم من التسلح النووي، ما قد يفتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي في أوروبا وشرق آسيا في آن واحد.
ماذا بعد؟ الخطوات المقبلة في المراجعة النووية
من المرتقب أن يعرض كولبي تفاصيل إضافية من المقاربة الجديدة على قيادة القوات الاستراتيجية الأمريكية في نبراسكا، من دون أن تنشر الوثيقة النهائية للرأي العام، بحسب ما أكده مسؤولون في وزارة الدفاع. وفي موازاة ذلك، أبدى الرئيس ترامب رغبته في التفاوض على معاهدة جديدة “أكثر حداثة” تحل محل “نيو ستارت”، من دون أن تظهر حتى الآن أي مفاوضات فعلية بين واشنطن وموسكو، فيما ترفض بكين أي انضمام إلى محادثات ثلاثية للحد من التسلح.
في غياب أي أفق قريب لاتفاق جديد، يبقى الإطار الدولي الوحيد الملزم اليوم هو معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي أقرت فيها الدول النووية الخمس المعترف بها رسميا مبدأ أن الحرب النووية “لا يمكن أن تكسب ولا ينبغي خوضها أبدا”. غير أن اتساع الفجوة بين هذا الالتزام المبدئي والمراجعات العملياتية الجارية في واشنطن يترك السؤال مفتوحا حول مدى صمود هذا المبدأ في السنوات المقبلة.
المصادر
- إن بي سي نيوز – “Pentagon drafting a new U.S. nuclear strategy in case of regional war with China or Russia, sources say”
https://www.nbcnews.com/politics/national-security/pentagon-drafting-new-us-nuclear-strategy-case-regional-war-china-russ-rcna587370 – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026 - مجلة بريكينغ ديفنس – “Pentagon wants ‘expanding options’ for nuclear weapons, officials say”
https://breakingdefense.com/2026/08/pentagon-wants-expanding-options-for-nuclear-weapons-officials-say/ – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026 - صحيفة غالف نيوز – “US-Russia New START treaty expires: Is the world heading toward a dangerous nuclear arms race?”
https://gulfnews.com/amp/story/world/americas/us-russia-new-start-treaty-expires-is-the-world-heading-toward-a-dangerous-nuclear-arms-race-1.500433053 – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026 - منصة أخبار الأمم المتحدة – “UN chief warns of ‘grave moment’ as final US-Russia nuclear arms treaty expires”
https://news.un.org/en/story/2026/02/1166892 – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026 - مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي – “Nukes Without Limits? A New Era After the End of New START”
https://www.cfr.org/articles/nukes-without-limits-a-new-era-after-the-end-of-new-start – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026 - مجلة نيو إنترناشيونالست – “Open Wounds: The legacy of French nuclear tests in Algeria”
https://newint.org/arms/2026/open-wounds-legacy-french-nuclear-tests-algeria – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026
أحمد ناصر



