نظمت النيابة الإقليمية للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بالقنيطرة، ندوة حملت عنوان “انتفاضة القنيطرة سنة 1954: التاريخ والذاكرة”، بقاعة التجارة والصناعة والخدمات بالمدينة. حضر اللقاء أساتذة جامعيون وباحثون مختصون في تاريخ المغرب الحديث، إلى جانب السلطات المحلية والإقليمية ورؤساء وأعضاء الهيآت المنتخبة وفعاليات جمعوية، وممثلون عن أسر المقاومة وجيش التحرير. وواكب اللقاء الفكري تكريم رمزي لصفوة من قدماء المقاومين، وفق ما أوردته وكالات ومنابر مغربية متعددة.
ثلاثة أيام غيّرت وجه المدينة في صيف 1954
تعود جذور هذا الحدث إلى قرار سلطات الحماية الفرنسية نفي السلطان محمد الخامس، في 20 أغسطس 1953، أولا إلى جزيرة كورسيكا ثم إلى مدغشقر ابتداء من 2 يناير 1954، بعد رفضه توقيع ظهائر كانت تخدم مصالح المعمرين. وأعقب هذا القرار تنصيب محمد بن عرفة سلطانا صوريا، وهو ما قوبل برفض شعبي واسع اعتبرته الحركة الوطنية خرقا لشرعية العرش. اندلعت انتفاضة القنيطرة، بعد هذا النفي بعام تقريبا، في سياق موجة احتجاجات متعاقبة عبر ربوع المملكة، تبنتها الحركة الوطنية للمطالبة بعودة السلطان الشرعي وإنهاء نظام الحماية.
شارك في المواجهات التي خاضها سكان القنيطرة وضواحيها فئات واسعة من المجتمع، حتى إن تلاميذ وأطفالا تركوا مدارسهم وكتاتيبهم القرآنية للانضمام إلى الحراك، بحسب ما تورده مصادر محلية موثقة. وخلّفت أيام المواجهة عددا من الشهداء والجرحى، إضافة إلى منفيين ومعتقلين، في وقت امتد فيه هذا الزخم النضالي حتى عودة السلطان الشرعي إلى عرشه في 16 نونبر 1955، بعد أن أفضت مفاوضات إيكس ليبان بين الرباط وباريس، في أغسطس 1955، إلى تنحية ابن عرفة وفتح الطريق أمام استقلال المغرب في العام الموالي.
ويربط باحثون مغاربة جذور الحركة الوطنية التي أطّرت هذه الانتفاضة بمحطة أبكر، تتمثل في احتجاجات مايو 1930 الرافضة لما عرف بالظهير البربري، والتي اجتاحت حينها أغلب المدن المغربية ومن بينها القنيطرة. وبحسب هذا التحليل، فتح ذلك الرفض المبكر الباب أمام تشكل تنظيم سياسي وطني أكثر بنية، تحول تدريجيا من احتجاجات متفرقة إلى حركة منظمة قادت لاحقا موجات المطالبة بالاستقلال في خمسينيات القرن الماضي.
لم تعد ذكرى انتفاضة القنيطرة، بمرور العقود، مجرد استحضار لثلاثة أيام من المواجهة مع المستعمر، بل تحولت إلى أداة تستثمرها المؤسسات الرسمية لربط الماضي النضالي بالسردية السياسية الراهنة للدولة. فالخطاب الرسمي الذي يواكب كل ذكرى سنوية لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يوظفها لإبراز استمرارية العلاقة بين العرش والشعب عبر مختلف المحطات التاريخية.
المندوب السامي يربط الحدث بإرادة العرش والشعب
وصف المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، مصطفى الكثيري، انتفاضة القنيطرة بأنها “منعطف بارز” في تاريخ المغرب، لما مثلته من “انتصار لإرادة العرش والشعب” خلال فترة الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال. وأوضح الكثيري أن المغاربة قاوموا الحماية الفرنسية منذ فرضها سنة 1912، قبل أن يتخذ النضال بعد ثلاثينيات القرن الماضي شكلا سياسيا جديدا تجسد في نشأة الحركة الوطنية.
وشدد الأكاديميون المشاركون في الندوة على أن تخليد هذه الذكرى يشكل مناسبة لتوعية الأجيال الجديدة بروح النضال الوطني، معتبرين إياها ركيزة للمواطنة ورافدا لمسار التنمية المستمر. وخصصت المندوبية، بهذه المناسبة، إعانات مالية لعدد من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وأرامل المتوفين منهم، عرفانا بما قدموه من خدمات للوطن.
تزامن مقصود مع الذكرى الملكية السابعة والعشرين
يكتسب احتفال هذا العام بعدا إضافيا نظرا لتزامنه مع إحياء المغرب الذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء الملك محمد السادس عرش أسلافه. وأكد بلاغ صادر عن أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير أن هذا التقاطع يفرض واجب الوفاء بالذاكرة التاريخية الوطنية والمحلية، عبر ترسيخ فصولها في نفوس الناشئة والشباب، للإسهام في “مسيرات البناء والنماء” التي تقودها المؤسسة الملكية.
ويعكس هذا الربط توجها متكررا في الخطاب الرسمي المغربي، حيث تحرص المؤسسات المعنية بالذاكرة الوطنية على وصل حلقات التاريخ ببعضها البعض، من مقاومة الحماية الفرنسية إلى مسار الحكم الحالي، عبر تقديم استمرارية العرش كخيط ناظم لمختلف المحطات. وتندرج هذه المقاربة ضمن سياسة أوسع تنتهجها الدولة المغربية لتوثيق الذاكرة الوطنية، شملت في السنوات الأخيرة تخليد محطات نضالية أخرى في مدن مختلفة، من بينها انتفاضة ماء بوفكران بمكناس.
من التكريم الرمزي إلى الدعم المادي لأسر المقاومين
لم تقتصر فعاليات الذكرى على الجانب الرمزي والفكري، إذ حرصت المندوبية السامية على ترجمة التكريم إلى دعم مادي ملموس لصالح المستفيدين من هذه الفئة. واستفاد عدد من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، إلى جانب أرامل المتوفين منهم، من إعانات مالية خُصصت لهم بمناسبة هذه الذكرى، في خطوة اعتادت المندوبية تكرارها في المناسبات الوطنية المشابهة.
ويندرج هذا الشق الاجتماعي ضمن اختصاصات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، المكلفة رسميا بمتابعة ملفات هذه الفئة وضمان استفادتها من التعويضات والخدمات المخصصة لها. وتتيح هذه المناسبات السنوية، بحسب منظميها، فرصة لتقييم وضعية المستفيدين ومد جسور التواصل بين المؤسسة الرسمية وأسر المقاومة وجيش التحرير في مختلف جهات المملكة.
وتحرص النيابة الإقليمية للمندوبية بإقليم الغرب الشراردة بني احسن، الذي تنتمي إليه القنيطرة، على تنظيم هذه الفعالية سنويا في المدينة نفسها التي شهدت الأحداث، بدل الاكتفاء باحتفال مركزي في الرباط. ويرى منظمو الندوة أن هذا الاختيار يمنح الذاكرة المحلية وزنا خاصا، إذ يتيح لسكان القنيطرة وضواحيهم استعادة تفاصيل الانتفاضة في الأماكن التي وقعت فيها فعليا، بدل الاكتفاء بسردية وطنية عامة.
تبقى انتفاضة القنيطرة، بعد اثنين وسبعين عاما على اندلاعها، محطة يعاد إحياؤها سنويا في المدينة التي شهدت أحداثها، وسط حضور مؤسسي رسمي يضمن استمرار توثيقها ونقلها إلى الأجيال المقبلة. وينتظر أن تتجدد هذه المقاربة في نونبر المقبل، مع حلول ذكرى عودة السلطان محمد الخامس إلى عرشه، المحطة التي تشكل، في السردية الرسمية، خاتمة مسار النضال الذي بدأته مدن عدة من بينها القنيطرة.
المصادر
- البوابة الرسمية للمملكة المغربية Maroc.ma – السيد الكثيري: انتفاضة القنيطرة 1954، انتصار لإرادة العرش والشعب من أجل الحرية والاستقلال
https://www.maroc.ma/ar/السيد-الكثيري-انتفاضة-القنيطرة-1954،انتصار-لارادة-العرش-والشعب-من-اجل-الحرية-والاستقلال/أخبار – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026 - Hespress – “انتفاضة القنيطرة” تذكر بالبطولات
https://www.hespress.com/انتفاضة-القنيطرة-تذكر-بالبطولات-1788306.html – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026 - جريدة 20 دقيقة (20minutes.ma) – انتفاضة مدينة القنيطرة انعطافة بارزة في تاريخ المغرب الحافل بالأمجاد والبطولات
https://www.20minutes.ma/politique/135216.html – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026 - أنوار بريس (anwarpress.com) – انتفاضة القنيطرة ضد المستعمر سنة 1954.. منعطف حاسم في تاريخ المغرب
https://anwarpress.com/725983/ – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026 - الاتحاد (alittihad.info) – انتفاضة مدينة القنيطرة ضد المستعمر الفرنسي في غشت 1954
https://alittihad.info/انتفاضة-مدينة-القنيطرة-ضد-المس/ – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026 - موسوعة الجزيرة نت – محمد الخامس
https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2015/7/30/محمد-الخامس – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026
ليلى منصور



