في تصريحات أدلى بها يوم الجمعة 21 أغسطس 2026 لقناة “الشرق” الإخبارية، أكد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي أن الرباط لن تتخلى عن مطالبتها بسيادة سبتة ومليلية. ودعا الوزير إلى تشكيل آلية حوار أو لجنة مشتركة مع مدريد لبحث الوضع النهائي للمدينتين. وجاء الرد الإسباني سريعاً: أعلنت مصادر في وزارة الخارجية، برئاسة خوسيه مانويل ألباريس، أن سيادة إسبانيا على المدينتين لم تُناقش ولن تُناقش أبداً مع أي طرف، في إشارة واضحة إلى إغلاق الباب أمام أي تفاوض.
وهبي يُحيي “الحق التاريخي” أمام الكاميرات المغربية والعربية
هذا ليس أول ظهور علني لوهبي بهذا الخصوص. ففي 11 أغسطس، وفي مقابلة مع القناة العمومية المغربية “2M”، كان قد صرّح بأن قضية سبتة ومليلية ستبقى موضوع حوار بين الرباط ومدريد. وأضاف أن بلاده تتمسك بحقها التاريخي وحقها الجغرافي في المدينتين. ثم عاد الوزير، بعد أسبوع ونيّف، ليكرر الموقف نفسه أمام “الشرق”، مؤكداً أن الملف لا يزال مطروحاً على الطاولة في كل لقاء مع الجانب الإسباني.
وأوضح وهبي في تصريحاته الأخيرة أن هدف الرباط ليس المواجهة، بل التوصل إلى حل نهائي عبر الحوار الهادئ والصبر الاستراتيجي. وقال حرفياً: «سنُدافع عن حقّنا التاريخي وحقّنا الجغرافي، وعن سبل الحوار بشأن هذه المسألة». الصياغة تكررت بالتفصيل نفسه في تصريحيه، على مسافة أسبوع ونيّف. هذا التكرار المدروس ليس عرضياً: فهو يتيح للرباط إبقاء الملف حياً في الأجندة الثنائية من دون المخاطرة بقطيعة مفتوحة مع مدريد، شريكها الاقتصادي والأمني الأول في أوروبا.
مدريد تُغلق الباب: لا مساس بالسيادة
ردّت الخارجية الإسبانية بسرعة وبلهجة لا تحتمل التأويل. فبحسب مصادر في الوزارة التي يقودها ألباريس، نقلت الرباط عبر القنوات الدبلوماسية رفضاً قاطعاً لأي طرح مختلف بشأن سبتة ومليلية. وأكدت هذه المصادر أن إسبانية المدينتين لا تحتمل أي شك، وأن سيادتهما جزء من السلامة الإقليمية المعترف بها دولياً لإسبانيا، بل وللاتحاد الأوروبي بأكمله باعتبارهما الحدود البرية الوحيدة بين الاتحاد وإفريقيا. وقالت الوزارة، بحسب ما نقلته صحيفة “ذي أوبجكتيف”: «سبتة ومليلية مدينتان إسبانيتان، وحدود إسبانيا والاتحاد الأوروبي».
ولم تقتصر الردود على المستوى الدبلوماسي فحسب. فقد وصفت وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس، خلال زيارة إلى سبتة في 12 أغسطس، المدينتين بأنهما إسبانيتان تماماً. وشدّدت على أن أي اعتداء عليهما يُعد اعتداءً على إسبانيا بأكملها. من جهته، تساءل رئيس مدينة مليلية خوان خوسيه إمبرودا عن جدوى مطالبة الرباط باسترجاع مدينتين لا تستطيع، في نظره، إدارة ما لديها أصلاً، في إشارة إلى هجرة الشباب المغربي نحو أوروبا. أما زعيم حزب اليسار الموحد، إنريكي سانتياغو، فقد اعتبر أن لا مجال إطلاقاً للتفاوض على هذا الملف.
خمسة قرون من السيادة الإسبانية في مواجهة مطلب مغربي منذ الاستقلال
يعود أصل النزاع إلى قرون بعيدة. فقد استولت القوات الإسبانية على مليلية سنة 1497، غداة سقوط آخر معاقل الحكم الإسلامي في الأندلس. أما سبتة، فاحتلها البرتغاليون سنة 1415، قبل أن تنتقل إلى السيادة الإسبانية سنة 1668 بموجب معاهدة لشبونة. منذ ذلك الحين، تُدير مدريد المدينتين باعتبارهما جزءاً لا يتجزأ من ترابها الوطني. وقد حصلتا على نظام الحكم الذاتي الموسّع سنة 1995 كمدينتين مستقلتين ضمن الدولة الإسبانية.
أما المغرب، فيعتبر منذ استقلاله سنة 1956 أن المدينتين ما تزالان تحت احتلال إسباني، ويطالب بضمهما إلى ترابه الوطني أسوة بمناطق أخرى استعادها من إسبانيا وفرنسا خلال العقود التالية للاستقلال. وقد شهد الملف توتراً حاداً سنة 2002 خلال أزمة جزيرة بيريخيل، حين أرسل المغرب عناصر أمنية إلى الجزيرة المتنازع عليها قبل أن تتدخل القوات الإسبانية لإخلائها. ومنذ ذلك الحين، ظل الملف مجمّداً عملياً. غير أن تصريحات مغربية متفرقة ظلت تُعيد إحياءه بين الحين والآخر، من دون أن تصل إلى مواجهة مباشرة بين الطرفين.
أزمة الهجرة في سبتة تُعيد فتح الجرح الدبلوماسي
لا يمكن فصل التصعيد الأخير عن الأزمة الإنسانية التي شهدتها سبتة نهاية يوليو الماضي. فخلال يومي 30 و31 يوليو 2026، عبر الحدود نحو المدينة عدد كبير من المهاجرين غير النظاميين في وقت قصير جداً. وتحدثت مصادر إسبانية عن نحو 72 ألف عبور، فيما أشار تقرير للمجلس الوطني لحقوق الإنسان المغربي، نُشر في 8 أغسطس، إلى ما يقارب 80 ألف عبور خلال 48 ساعة فقط. الفارق بين الرقمين يُذكّر بصعوبة التحقق المستقل من حصيلة الأزمات الحدودية في زمن قياسي. واتهم المجلس ذاته قوات الأمن الإسبانية بالاعتداء على مهاجرين بعيداً عن أعين الكاميرات، وهي اتهامات لم تُقرّ بها السلطات الإسبانية رسمياً حتى الآن.
في المقابل، زار ألباريس مدينة سبتة في 11 أغسطس، في أول زيارة من نوعها لوزير خارجية إسباني إلى المدينة. وأكد أن بلاده تعمل مع الرباط على إعادة من دخلوا بشكل غير نظامي إلى المغرب، مشدداً على أن أحداً لن يصل إلى القارة الأوروبية عبر المدينتين. وتكشف هذه الأزمة أن الهجرة باتت أداة ضغط متبادلة بين الرباط ومدريد. فهي تُستخدم أحياناً لتذكير الطرف الآخر بحساسية الملف الحدودي في لحظات التوتر السياسي.
أين يتجه الملف؟ بين الصبر الاستراتيجي المغربي والتشدد الإسباني الأوروبي
يبدو أن الرباط لا تراهن على حسم قريب، بل على استراتيجية طويلة الأمد قوامها التذكير الدوري بالمطلب من دون فرض جدول زمني أو آلية محددة. ويعكس هذا النهج إدراكاً مغربياً لحجم الروابط الاقتصادية والأمنية التي تربطها بإسبانيا، أول شريك تجاري لها في أوروبا. فالمواجهة المفتوحة خيار مكلف لكلا الطرفين، ولا أحد منهما يبدو مستعجلاً لخوضه.
وتزداد حساسية الملف مع ظهور إشارات أمريكية غامضة. فقد أورد تقرير للجنة تابعة لمجلس النواب الأمريكي إشارة إلى الوضع المستقبلي لسبتة ومليلية بوصفه قابلاً للتفاوض، في وقت لا يزال فيه الموقف الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية معترفاً بسيادة إسبانيا على المدينتين. هذه الإشارة ليست قراراً ملزماً، ولا تعكس موقف الإدارة الأمريكية رسمياً. ومع ذلك، فإنها تمنح الرباط سنداً رمزياً إضافياً في خطابها الداخلي والدبلوماسي، على غرار ما فعله الاعتراف الأمريكي بالمغربية على الصحراء الغربية سنة 2020.
في انتظار أي تطور جديد، يبقى الملف على حاله: مطلب مغربي متجدد لا يتوقف، ورفض إسباني قاطع لا يتزحزح، وسط أوروبي يعتبر المدينتين حدوده الخارجية الوحيدة مع القارة الإفريقية.
المصادر
- Euronews (النسخة الإسبانية) — “España cierra la puerta a Marruecos: Ceuta y Melilla no se negocian”
https://es.euronews.com/my-europe/2026/08/22/gobierno-rechaza-propuesta-marruecos-comision-dialogo-ceuta-melilla — تم الاطلاع عليه في 22 أغسطس 2026 - Confilegal — “La soberanía de Ceuta y Melilla, el foco de la Justicia de Marruecos: son nuestros derechos históricos”
https://confilegal.com/20260822-la-soberania-de-ceuta-y-melilla-el-foco-de-la-justicia-de-marruecos-son-nuestros-derechos-historicos/ — تم الاطلاع عليه في 22 أغسطس 2026 - El Español — “Marruecos reivindica su derecho histórico y geográfico sobre Ceuta y Melilla y reclama su retorno al seno de la patria”
https://www.elespanol.com/espana/20260821/marruecos-ceuta-melilla-reclama-derecho-historico-geografico-retorno-seno-patria/1003744359954_0.html — تم الاطلاع عليه في 21 أغسطس 2026 - The Objective — “España replica a Marruecos que no negociará la soberanía de Ceuta y Melilla”
https://theobjective.com/espana/2026-08-21/espana-marruecos-soberania-ceuta-melilla/ — تم الاطلاع عليه في 21 أغسطس 2026 - Euronews (النسخة الإنجليزية) — “Morocco accuses Spain of assaulting migrants crossing into Ceuta and claims sovereignty over Ceuta”
https://www.euronews.com/my-europe/2026/08/12/morocco-accuses-spain-of-assaulting-migrants-crossing-into-ceuta-and-claims-sovereignty-ov — تم الاطلاع عليه في 12 أغسطس 2026
أحمد ناصر – مجلة الاحرار



