الرئيسيةالتحليلاتتحليلات استراتيجيةمخاوف واشنطن من استغلال روسيا و الصين حالة استنزاف ترسانتها

مخاوف واشنطن من استغلال روسيا و الصين حالة استنزاف ترسانتها

كشفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أن الحرب المستمرة منذ أكثر من خمسة أشهر بين الولايات المتحدة وإيران استنزفت مخزونات واشنطن من صواريخ الدفاع الجوي والصواريخ الدقيقة. ويحذر مسؤولون وخبراء عسكريون من أن هذا الاستنزاف قد يمنح روسيا والصين هامشا أوسع للمناورة في أي مواجهة محتملة مع واشنطن وحلفائها في أوروبا وآسيا.

بحسب مسؤولين أمريكيين تحدثوا لنيويورك تايمز في تقرير نشرته الصحيفة يوم 8 أغسطس 2026، شنّ الرئيس دونالد ترامب حملة عسكرية ضد إيران بالتزامن مع إسرائيل منذ 28 فبراير 2026. وأرغمت هذه الحملة البنتاغون على سحب صواريخ وسفن حربية وطائرات ووحدات دفاع جوي من أوروبا وآسيا لتعزيز الوجود العسكري في الشرق الأوسط. والنتيجة، بحسب المسؤولين أنفسهم، تآكل ملموس في القوة النارية الأمريكية في تلك المناطق، وهو تحول يثير قلقا متزايدا داخل الأوساط العسكرية والاستخباراتية الأمريكية والغربية.

أكثر من 1500 صاروخ باتريوت استُهلكت في خمسة أشهر

استخدمت الولايات المتحدة أكثر من 1500 صاروخ اعتراضي من طراز باتريوت منذ بداية الحرب. ولم يعد لديها في المخزون الحالي سوى أقل من 1700 صاروخ من هذا النوع، بحسب شخصين اطلعا على تفاصيل المخزون العسكري وتحدثا لنيويورك تايمز شريطة عدم الكشف عن هويتهما. وتشير التقديرات ذاتها إلى أن إعادة بناء هذا المخزون قد تستغرق أكثر من سنتين، رغم الجهود التي تبذلها إدارة ترامب مع شركات التصنيع العسكري لتسريع الإنتاج.

استهلك القصف الأمريكي لإيران آلاف الصواريخ التي تكلف الواحدة منها ملايين الدولارات. وتحتوي هذه الصواريخ على مكونات دقيقة مستوردة من شبكة عالمية من الموردين، ما يجعل تعويضها عملية تستغرق سنوات. وقد استنفد الجيش الأمريكي، بحسب التقرير، معظم مخزونه من صواريخ الجيش التكتيكية المعروفة اختصارا بـ ATACMS وصواريخ الضربة الدقيقة بعيدة المدى PrSM، وهي أسلحة تُعد حيوية في أي مواجهة مستقبلية مع الصين أو روسيا نظرا لقوة الدفاعات الجوية لدى البلدين.

تحذيرات كين قبل الحرب وقرار ترامب بالمضي قدما

قبل اندلاع الحرب، أبلغ الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الرئيس ترامب بمخاطر التعمق أكثر في مخزونات مستنزفة أصلا. وينقل مسؤولان اثنان مطلعان على تلك المحادثات أن ترامب مضى في قراره رغم التحذير، معتقدا أن الحرب ستُحسم خلال أسابيع قليلة. وبعد مرور أكثر من خمسة أشهر على الهجوم، لم يتمكن الرئيس الأمريكي من حسم الموقف الإيراني ولا من إيجاد مخرج واضح للنزاع.

وبحسب التقرير، لعبت أزمة الذخيرة دورا في دفع ترامب إلى التراجع عن حملة قصف واسعة كان يخطط لها أواخر يوليو 2026. هذا التراجع يكشف كيف تحول قرار مهاجمة إيران، الذي اتُخذ على أمل حسم سريع، إلى عامل إضافي يزيد من هشاشة الموقع الأمريكي أمام تهديدات أخرى.

من كييف إلى المحيط الهادئ: كلفة الاستنزاف تنتقل إلى الحلفاء

يظهر الأثر الأكثر مباشرة لأزمة الذخيرة الأمريكية في كييف. فقد أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن عدد صواريخ الدفاع الجوي التي يوفرها الحلفاء الغربيون لبلاده تراجع بمقدار ثلاثة أضعاف هذا العام مقارنة بعام 2025. وفي حادثة دالة على هذا التراجع، فشلت الدفاعات الأوكرانية في اعتراض أي من 28 صاروخا روسيا أُطلقت يوم الأربعاء الماضي. وأسفر ذلك عن مقتل 17 شخصا على الأقل، بحسب زيلينسكي الذي قال إن مزيدا من الصواريخ الاعتراضية كان يمكن أن ينقذ حياة هؤلاء الضحايا.

أما في آسيا، فقد تحولت قيادة المحيطين الهندي والهادئ الأمريكية إلى مصدر رئيسي لتزويد جبهة إيران بالذخيرة. وحُوّل جزء كبير من صواريخ توماهوك بعيدة المدى الموجودة في المنطقة، وهي أسلحة تُعد حاسمة في أي مواجهة مع الصين حول تايوان. كما أُرسلت مئات صواريخ الاعتراض الجوي من كوريا الجنوبية ومواقع أخرى في آسيا إلى الشرق الأوسط، فيما نُقلت مجموعة حاملة طائرات وبعض أحدث المدمرات الأمريكية من المنطقة لدعم الحملة ضد إيران. ويخشى مسؤولون أمريكيون أن يدفع هذا الانكشاف كوريا الجنوبية واليابان إلى الشك في قدرة واشنطن على حمايتهما بأسلحة غير نووية، ما قد يعزز نزوعهما نحو امتلاك ردع نووي خاص بهما.

في أوروبا أيضا، تزايد قلق الحلفاء الأمريكيين من تراكم الطلبات في خطوط الإنتاج الأمريكية. ودفع ذلك عددا منهم إلى البحث عن مصادر تسليح بديلة خارج الولايات المتحدة، في توجه قد يعيد رسم خريطة التسليح الأطلسي على المدى المتوسط.

موسكو وبكين تراقبان نافذة الضعف الأمريكية

يرى توم كاراكو، الباحث البارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، أن استنزاف الذخيرة الأمريكية يمثل ما وصفه بإبادة جيلية لوسائل الردع التقليدي. ويرجّح كاراكو، الذي يتابع عن كثب حجم المخزون العسكري الأمريكي، أن ينعكس ذلك على طريقة اتخاذ القرار في بكين وموسكو لسنوات مقبلة. وقال في هذا الصدد: “من المستحيل ألا يؤثر هذا في حسابات موسكو وبكين”. وبحسب مسؤول أمريكي مطلع على الاستخبارات الدفاعية، تتابع كل من روسيا والصين وتيرة استنزاف المخزون الأمريكي عبر مصادر علنية مثل مداولات الميزانية في الكونغرس وإعلانات شركات التصنيع العسكري، إضافة إلى الأقمار الاصطناعية التجسسية.

ولم تكن هذه المخاوف جديدة كليا. فقد حذر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق أنتوني بلينكن، في مارس 2026، من أن استنزافا مطولا للترسانة الأمريكية قد يضع واشنطن في موقع غير مؤات أمام الصين وروسيا، في وقت لم تكن فيه حرب إيران قد بلغت بعد ذروة استهلاكها للذخيرة.

وفي موسكو، عبّر المدون الروسي المؤيد للحرب ألكسندر كوتس، المعروف بقربه من الخط الرسمي الروسي، عن ارتياحه للوضع. وقال: “الوضع يتطور بشكل مؤاتٍ جدا لنا”، مضيفا أن تراجع الأسلحة الدقيقة الأمريكية سيقلص كمية ما يصل منها إلى أوكرانيا. من جهتها، ترى دارا ماسيكو، الخبيرة في الشأن العسكري الروسي بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، أن موسكو بدأت بالفعل، قبل حرب إيران، تعيد تقييم افتراضاتها بشأن سرعة إنتاج السلاح الأمريكي، استنادا إلى تجربة أربع سنوات من الحرب في أوكرانيا.

ويحذر تود هاريسون، المحلل الدفاعي في معهد أميركان إنتربرايز، من أن طول أمد الحرب مع إيران يفاقم مشكلة الذخيرة الأمريكية. ويوسع ذلك، في المقابل، ما يسميه نافذة الضعف التي تستفيد منها موسكو وبكين.

البيت الأبيض ينفي الأزمة وسط توقعات بسنتين على الأقل لإعادة البناء

في المقابل، ينفي البيت الأبيض وجود أزمة ذخيرة من الأساس. فقد أكدت المتحدثة باسمه كارولين ليفيت أن الولايات المتحدة تملك قوة نارية كافية لتنفيذ أي عملية يأمر بها الرئيس في أي وقت ومكان. ونفى المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل صحة التقارير عن نقص في السلاح، مؤكدا أن الجيش الأمريكي يملك كل ما يلزم للضرب في الزمان والمكان اللذين يختارهما الرئيس. ويُظهر ترامب، بحسب الصحيفة، انزعاجا شديدا من هذه التقارير. فقد أمر بفتح تحقيق واسع لملاحقة مصادر التسريبات، ويطالب بملاحقات جنائية، بينما يحمّل سلفه جو بايدن مسؤولية أي نقص في المخزون.

وتملك الولايات المتحدة، بحسب بيانات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، مخزونا ضخما من الذخائر الأقل تطورا، من بينها أكثر من 100000 قنبلة موجهة تُطلق من الطائرات. غير أن استخدام هذا النوع من الأسلحة يستوجب اقتراب الطائرات الحربية من أهدافها، ما يزيد من خطر إسقاطها. أما الصواريخ الأكثر تطورا، القابلة للإطلاق من مسافات تصل إلى مئات الأميال، فهي ما استُنزف بشكل خاص، وهي الأكثر أهمية في أي مواجهة محتملة مع قوى تملك دفاعات جوية متقدمة كالصين وروسيا.

ويصف النائب الديمقراطي جيسون كرو، عضو لجنتي الخدمات العسكرية والاستخبارات في مجلس النواب الأمريكي، عملية شراء الأسلحة الأمريكية بأنها بالية ولا تواكب وتيرة تطور الحروب الحديثة. ويضيف أن الخصوم الأمريكيين لا يواجهون العراقيل ذاتها. وفي انتظار أن تتضح نتائج جهود التسريع الصناعي التي أطلقتها إدارة ترامب مع شركات التصنيع العسكري، تبقى المدة المقدرة لإعادة بناء مخزون صواريخ باتريوت وحدها أكثر من سنتين. وهو أفق زمني قد يحدد إلى حد كبير موازين القوة بين واشنطن من جهة، وموسكو وبكين من جهة أخرى، خلال الفترة المقبلة.


المصادر

  1. نيويورك تايمز – “The U.S. Is Burning Through Weapons in Iran. Russia and China Are Taking Note.” بقلم أنطون تروانوفسكي، 8 أغسطس 2026
    https://www.nytimes.com/2026/08/08/us/politics/pentagon-weapons-stockpiles-china-russia.html – تم الاطلاع عليه في 10 أغسطس 2026
  2. جيروزاليم بوست – تقرير حول تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومخاوف من استغلال روسي صيني لتراجع المخزون الأمريكي
    http://www.jpost.com/international/article-904979 – تم الاطلاع عليه في 10 أغسطس 2026
  3. ميليتارني – تقرير عن مخاوف واشنطن من استغلال موسكو وبكين لتراجع مخزونها الصاروخي خلال حرب إيران
    https://militarnyi.com/en/news/usa-fear-russia-china-exploit-deplete-stock/ – تم الاطلاع عليه في 10 أغسطس 2026
  4. بلومبرغ – تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الأسبق أنتوني بلينكن حول مخاطر استنزاف الترسانة الأمريكية، مارس 2026
    https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-03-04/blinken-says-sustained-iran-war-effort-may-leave-us-vulnerable – تم الاطلاع عليه في 10 أغسطس 2026

أحمد ناصر

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

أحمد ناصر
أحمد ناصرhttps://alahrar.net/
أحمد ناصر صحفي يهتم بالشؤون السياسية والعلاقات الدولية والتحولات الجيوسياسية في العالم العربي والشرق الأوسط. يتابع الملفات الدبلوماسية والأمنية والانتخابات والحياة الحزبية، ويعمل على تقديم قراءة هادئة للأحداث تربط بين الخبر وسياقه السياسي والتاريخي. يركز في مقالاته على تحليل مواقف الفاعلين الرئيسيين وتوضيح انعكاسات القرارات الدولية على المنطقة.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة