أفادت وسائل إعلام أمريكية، نقلا عن مسؤولين مطلعين، بأن الرئيس دونالد ترامب طلب فتح تحقيق رسمي في مصدر التسريبات التي تناولت مستويات الذخائر لدى الجيش الأمريكي بعد نحو خمسة أشهر من الحرب مع إيران. وبحسب هذه المصادر، ناقش ترامب الملف مباشرة مع نائب وزير الدفاع ستيفن فاينبرغ، الذي يقود من جهته جهودا لتسريع وتيرة تصنيع الذخائر داخل قواعد الصناعة الدفاعية الأمريكية.
أمر رئاسي لملاحقة “الخونة” داخل الإدارة
وبحسب ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال، عبّر ترامب في اجتماعات مغلقة عن استيائه الشديد من التغطية الإعلامية المتكررة لتراجع مخزون بعض الذخائر المرتبطة بالحرب، معتبرا أن كشف هذه المعلومات يضعف موقف واشنطن في لحظة حساسة من الصراع. وكلّف الرئيس الأمريكي وزارة العدل بمهمة تحديد هوية المسؤولين الذين يسربون المعلومات، ووصفهم بالخونة في منشور نشره على منصته تروث سوشال. وأضاف أن العقوبات المنتظرة ستشمل أحكاما بالسجن لمدد طويلة لمن تثبت إدانته بتسريب معلومات عسكرية حساسة.
بلغ غضب ترامب ذروته، وفق ستة مصادر مطلعة نقلت عنها شبكة سي إن إن، خلال اجتماع لمجلس الوزراء عُقد الأسبوع الماضي في كامب ديفيد، حين أثار بحدة موضوع التغطية الإعلامية لمسألة الذخائر. ولفتت الشبكة إلى أن ترامب كان على علم بهذا الملف منذ أشهر، لكن توقيت التسريبات، في خضم مفاوضات مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، هو ما أثار غضبه تحديدا.
خشية من تعزيز موقف طهران في المفاوضات النووية
تكمن الحساسية السياسية للملف، بحسب المصادر ذاتها، في أن ترامب يعتقد أن كشف حدود القدرة العسكرية الأمريكية يمنح طهران أفضلية تفاوضية غير مرغوبة. فالإدارة الأمريكية تسعى، منذ إلغاء الرئيس ضربات جديدة على إيران نهاية الأسبوع الماضي، إلى ترك هامش للدبلوماسية، فيما تنفي طهران وجود أي محادثات ثنائية مباشرة مع واشنطن، مؤكدة أنها تتواصل فقط مع سلطنة عمان بخصوص أمن مضيق هرمز.
ويكشف هذا التوتر ديناميكية أعمق من مجرد خلاف حول التسريبات، فكلما تعمقت الحرب المستمرة منذ 28 فبراير الماضي، أصبح توازن الردع الأمريكي تجاه إيران رهينا بمخزون فعلي من الذخائر الدفاعية والهجومية، لا بالخطاب السياسي وحده.
البيت الأبيض ينفي أي نقص ويتحدث عن تفوق ناري
في المقابل، رفض البيت الأبيض بشكل قاطع فكرة وجود أي نقص فعلي في الترسانة الأمريكية. وقال المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل إن الجيش الأمريكي يملك كل ما يحتاجه لتنفيذ العمليات في الزمان والمكان اللذين يختارهما الرئيس، مضيفا أن القوات نفذت عمليات ناجحة متعددة عبر مختلف القيادات القتالية دون أن تتأثر جاهزيتها.
من جهتها، وصفت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت تقريرا نشرته صحيفة واشنطن بوست عن مواجهة مباشرة بين ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث بأنه قصة كاذبة لم تحدث إطلاقا. أما ترامب نفسه، فأكد في منشوره على تروث سوشال أن الولايات المتحدة تملك كميات ضخمة من الذخائر، خصوصا من أنواع معينة، وأن كميات إضافية يجري تصنيعها وشحنها حسب الحاجة.
خمسة أشهر من الحرب استنزفت شرائح كاملة من الترسانة
غير أن التقديرات المستقلة ترسم صورة مغايرة لخطاب النفي الرسمي. فبحسب أرقام نقلتها سي إن إن عن مصدرين مطلعين على أحدث تقرير للمخزون، استهلك الجيش الأمريكي قرابة أربعة أخماس مخزونه من صواريخ الاعتراض ثاد، ونحو نصف صواريخ باتريوت الاعتراضية، منذ اندلاع الحرب مع إيران. ويقدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن واشنطن كانت تمتلك نحو 2200 صاروخ باتريوت و452 صاروخ ثاد قبل بدء العمليات العسكرية.
كما نقلت وول ستريت جورنال أن رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، كان قد حذّر ترامب قبل خمسة أشهر من اندلاع الحرب من أن أي حملة عسكرية موسعة قد تستنزف بشدة مخزونات صواريخ الاعتراض والصواريخ الهجومية على حد سواء. ويرى خبراء عسكريون أن تعويض هذا النوع من الأسلحة الدقيقة يستغرق سنوات، بخلاف مدة استهلاكها التي لا تتجاوز أشهرا معدودة في زمن الحرب.
فاينبرغ يقود إعادة التصنيع وسط انتظار تمويل الكونغرس
على الصعيد الصناعي، يقود نائب وزير الدفاع ستيفن فاينبرغ جهودا لحث شركات الصناعات الدفاعية على تسريع وتيرة الإنتاج، بحسب وول ستريت جورنال. ووقّع البنتاغون مطلع الأسبوع اتفاقيات مع شركتي لوكهيد مارتن ونورثروب غرومان لمضاعفة إنتاج مكونات صواريخ الاعتراض من طراز باتريوت المتقدم PAC-3 ثلاث مرات، ومن طراز ثاد أربع مرات. إلى جانب ذلك، تقدم البنتاغون بطلب تمويل من الكونغرس بقيمة 67 مليار دولار لإعادة بناء المخزونات الاستراتيجية، غير أن عددا من العقود لا يزال معلقا في انتظار موافقة النواب على التمويل اللازم.
ملف التسريبات ليس الأول من نوعه داخل الإدارة الأمريكية الحالية. فقد استدعت وزارة العدل الشهر الماضي أربعة صحفيين من صحيفة نيويورك تايمز للإدلاء بشهاداتهم بعد كشفهم مخاوف أمنية لدى الجهاز الأمريكي للأمن السري بشأن طائرة قطرية استخدمها ترامب كطائرة رئاسية مؤقتة. ويرى مراقبون أن الملفين يندرجان ضمن سياسة أوسع تتبناها الإدارة لملاحقة مصادر المعلومات الحساسة داخل مؤسسات الدولة، بصرف النظر عن طبيعة الملف المسرّب.
ما الذي قد يحدث لاحقا؟
يبقى مصير التحقيق الذي أمر به ترامب رهينا بما ستتوصل إليه وزارة العدل بشأن مصدر التسريبات، في وقت أنشأ فيه البنتاغون ووزارة العدل، وفق تقارير سابقة، خلية مشتركة لملاحقة الموظفين الذين يكشفون معلومات حساسة للصحافة. وفي الوقت نفسه، تراقب دول الخليج عن كثب أي مؤشر على اتساع رقعة التوتر الإقليمي، فيما تنتظر واشنطن رد فعل طهران على تعليق الضربات الجديدة، وسط غموض حول ما إذا كان هذا التعليق سيفتح فعليا بابا للتفاوض أو سيبقى مجرد هدنة تكتيكية.
يتجاوز هذا الملف حدود الخلاف الداخلي الأمريكي، إذ تراقب الأسواق العالمية عن كثب أي تطور في مسار الحرب مع إيران، نظرا لموقع مضيق هرمز في خريطة الإمدادات النفطية الدولية. فأي تصعيد جديد، أو على العكس أي تهدئة مستدامة، ينعكس مباشرة على أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية، وهو ما يجعل مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية محل متابعة دقيقة من الدول المصدرة للمحروقات، ومنها الجزائر.
المصادر
- الجزيرة نت – “أثارت غضب ترمب.. ماذا تُخفي تقارير مخزون الأسلحة الأمريكية؟”
https://www.aljazeera.net/news/2026/8/7 – تم الاطلاع عليه في 7 أغسطس 2026 - CNN بالعربية – “مصادر تفسر لـCNN علاقة غضب ترامب من التسريبات عن تناقص الذخائر بالتفاوض مع إيران”
https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2026/08/07/trump-grows-angry-over-reports-on-depleted-munitions-believing-it-weakens-him-in-iran-negotiations – تم الاطلاع عليه في 7 أغسطس 2026 - Vetogate (نقلا عن وول ستريت جورنال) – “ترامب يأمر بتحقيق في تسريبات مخزون الذخائر”
https://www.vetogate.com/5708113 – تم الاطلاع عليه في 7 أغسطس 2026 - The Hill – “Trump dismisses munitions shortage reports, says leakers ‘being hunted down'”
https://thehill.com/homenews/administration/6012965-donald-trump-iran-war-munitions-stockpile-reports/ – تم الاطلاع عليه في 7 أغسطس 2026 - RT Arabic – “نفاد الذخيرة.. ترامب غاضب من تقارير تضعف موقفه في المفاوضات مع إيران والعدل تبحث عن الخونة”
https://rtarabic.com/world/1818422 – تم الاطلاع عليه في 7 أغسطس 2026
أحمد ناصر



