حسب ما أوردته قناة سي إن بي سي الأمريكية، جاءت هذه الخطوات ردا على سلسلة من القيود التي فرضتها الإدارة الأمريكية مؤخرا، وذلك قبل أسابيع من زيارة يعتزم الرئيس شي جين بينغ القيام بها إلى واشنطن، تأتي في أعقاب زيارة سبق أن قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين في مايو الماضي. ووصفت القناة هذه الحزمة بأنها الأوسع منذ الهدنة التي أنهت شهورا من التصعيد المتبادل بين الاقتصادين الأول والثاني عالميا، في وقت فرضت فيه واشنطن، قبل أيام قليلة، رسوما جمركية جديدة طالت الصين إلى جانب 59 دولة أخرى.
سبع كيانات أمريكية على القائمة السوداء وقيود جديدة على المسيّرات
بحسب وثائق نشرها مكتب فوجاي القانوني المتخصص في الشأن الصيني، أصدرت وزارة التجارة الصينية يوم 5 أغسطس أمرين تنظيميين يفرضان إجراءات مضادة على سبع شركات ومؤسسات أمريكية بموجب قانون مكافحة العقوبات الأجنبية. يحظر الأمر رقم 2 على الأفراد والمؤسسات الصينية الدخول في أي معاملات أو تعاون أو أنشطة مع ست من هذه الكيانات، من بينها شركة أبلايد دي إن إيه ساينسز المتخصصة في التقنيات الحيوية، وشركة ستراتوم ريزيرفوار العاملة في أبحاث الجيولوجيا، إلى جانب ألتانا تكنولوجيز وفيريتيه غروب. وبحسب قناة سي إن إن الأمريكية، ترتبط هذه الكيانات الستة بالرد الصيني على قرار أمريكي سابق بحظر واردات 43 شركة صينية بدعوى انتهاكات حقوق الإنسان. أما الكيان السابع، وهو شركة كومبلاينس تستينغ، فقد أدرج بموجب الأمر رقم 3 بذريعة مساعدتها هيئة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية على تنفيذ حظرها الأخير على واردات الروبوتات الآلية ومحولات الطاقة المصنعة في الخارج. بالتوازي مع هذه العقوبات، شددت وزارة التجارة الرقابة على تصدير الطائرات المسيرة ومكوناتها الرئيسية والتقنيات المرتبطة بها نحو السوق الأمريكية، إذ باتت طلبات التصدير تخضع لمراجعة فردية صارمة، دون إمكانية الاستفادة من أي تسهيلات في منح التراخيص.
من حظر العمالة القسرية إلى قيود الاتصالات: الإجراءات الأمريكية التي أشعلت الرد
نقلت وكالة فرانس برس عن متحدث باسم وزارة التجارة الصينية قوله إن الإجراءات الأمريكية الأخيرة تمس بشكل خطير بحقوق الصين ومصالحها المشروعة، مضيفا أن بكين لا يسعها سوى اتخاذ إجراءات مضادة ضرورية، من بينها تشديد الرقابة على تصدير المسيرات ومكوناتها الأساسية نحو الولايات المتحدة. وتأتي هذه التصريحات بعد أيام من إدراج وزارة الأمن الداخلي الأمريكية أكثر من أربعين شركة صينية إضافية على قائمة قانون منع العمل القسري في شينجيانغ، بدعوى استخدامها عمالة قسرية في قطاعات النسيج والزراعة والألمنيوم. وفي موازاة ذلك، وسعت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية قيودها لتشمل شركات الاتصالات ومختبرات الفحص والمسيرات وأجهزة التوجيه المنزلية والكابلات البحرية ومعدات الروبوتات المتقدمة ومحولات الطاقة، وهو ما اعتبرته بكين استهدافا متكررا لقطاعاتها التقنية عبر عدة هيئات تنظيمية أمريكية في آن واحد.
بكين توسّع نطاق الرد: من التحقيقات الأمنية إلى تعليق شهادات المطابقة
لم تقتصر الحزمة الصينية على العقوبات المباشرة والرقابة على المسيرات، إذ علقت وزارة التجارة عمليات التفتيش الدورية التي تجريها هيئات التصديق الصينية بالتعاون مع نظيراتها الأمريكية، وأدرجت شركات أمريكية متخصصة في اختبارات المطابقة على قائمتها السوداء. كما أطلقت بكين، للمرة الأولى، تحقيقا في مجال الأمن القومي يستهدف واردات آلات الطباعة والتصوير المزودة ببرمجيات أجنبية، في خطوة يمكن، بحسب مجموعة يوريزيا الاستشارية، أن تمتد لاحقا إلى قطاعات أخرى إذا أفضى التحقيق إلى قيود على البرمجيات المستوردة. ونقلت وكالة شينخوا الصينية، بحسب ما أوردته فرانس برس، أن كبير المسؤولين التجاريين الصينيين هو ليفنغ أبلغ الممثل التجاري الأمريكي جيمسون غرير عبر اتصال هاتفي عن قلق بالغ إزاء القيود الأمريكية الأخيرة. وسبق لبكين أن اتهمت واشنطن، الأسبوع الماضي، بالسعي إلى قمع الشركات الصينية، بعد حظر منفصل استهدف واردات الروبوتات الآلية.
ما الذي يعنيه التصعيد لشركات التكنولوجيا والطائرات المسيّرة؟
لا تبدو هذه الخطوات معزولة عن التوقيت السياسي: فهي تأتي قبل أسابيع من زيارة يفترض أن تكون الأبرز في العلاقات الثنائية منذ توقيع الهدنة، ما يجعل من كل إجراء تجاري ورقة تفاوضية بقدر ما هو رد فعل تقني. فبالنسبة للشركات الأمريكية العاملة في السوق الصينية، يعني تعليق شهادات المطابقة وتشديد إجراءات التفتيش ارتفاعا محتملا في تكاليف الامتثال وتأخيرا في عمليات التصدير. أما بالنسبة لمصنعي المسيرات ومكوناتها في الولايات المتحدة، فإن نظام الترخيص الفردي الجديد يحرمهم من القدرة على التخطيط وفق جداول زمنية موثوقة، ويدفع بعضهم إلى البحث عن موردين بديلين بتكلفة إضافية وضمن آجال أطول. ويرى مصرف بي إن بي باريبا، بحسب ما نقلته قناة سي إن بي سي، أن الصين بدأت تحاكي أسلوب واشنطن نفسه، إذ تنتقل من التركيز على منع تدفق المنتجات الأمريكية إلى الحد من تدفق التقنيات الصينية نحو السوق الأمريكية، في تحول قد يعيد رسم موازين القوة التقنية بين الاقتصادين.
زيارة شي جين بينغ إلى واشنطن: هل تُطوى الخلافات قبل القمة؟
يرى بيتر أليكساندر، مؤسس شركة الاستشارات زد بن أدفايزرز ومديرها في شنغهاي، في تصريحات لبرنامج ذا تشاينا كونيكشن على قناة سي إن بي سي، أن الطرفين يحاولان ابتكار مقاربات وعقوبات وقيود جديدة يمكن أن يقايضا بها لاحقا، متوقعا أن يطوى جزء كبير من هذه الإجراءات بحلول موعد زيارة شي جين بينغ إلى واشنطن. وأشارت مصادر متعددة إلى أن هذا التصعيد ليس الأول منذ الهدنة: ففي يونيو الماضي، أدرجت الصين عشر شركات دفاعية أمريكية على قائمة الرقابة على الصادرات، وقيدت مشاركة 46 شركة أمريكية في المشتريات الحكومية، ردا على توسيع وزارة الحرب الأمريكية قائمتها السوداء للشركات الصينية العسكرية. وفي أواخر يوليو، فرضت بكين أيضا قيودا على التصدير إلى 14 شركة دفاعية أوروبية، بعد أن وسع الاتحاد الأوروبي عقوباته على كيانات صينية. تعكس هذه المتوالية من الإجراءات المتبادلة هشاشة الهدنة الأمريكية الصينية، رغم استمرار قنوات التواصل الرسمية بين الجانبين على مستوى كبار المسؤولين.
حتى الآن، لم تعلن الإدارة الأمريكية عن رد مباشر على الحزمة الصينية الجديدة، بينما لا تزال المباحثات التحضيرية لزيارة شي جين بينغ جارية بين المسؤولين في العاصمتين. وتبقى الأسابيع الفاصلة عن موعد الزيارة، المرتقبة الشهر المقبل، المحطة التي ستحدد ما إذا كانت هذه الإجراءات المتبادلة ستطوى في إطار تفاهم أوسع، أو ستتحول إلى نقطة توتر جديدة تهدد الهدنة الموقعة قبل نحو عشرة أشهر.
المصادر
- سي إن بي سي (CNBC) – “Beijing launches its broadest trade retaliation since Busan truce”
https://www.cnbc.com/2026/08/06/us-china-trump-xi-summit-trade-technology-restrictions.html – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026 - وكالة فرانس برس عبر صحيفة الشرق الأوسط – “China Announces ‘Countermeasures’ after US Trade Sanctions”
https://english.aawsat.com/business/5303635-china-announces-countermeasures-after-us-trade-sanctions – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026 - سي إن إن (CNN) – “China hits US with sanctions, drone export curbs ahead of Xi visit”
https://www.cnn.com/2026/08/05/china/china-us-sanctions-intl-hnk – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026 - مكتب فوجاي للمحاماة (FuJae Partners) – “China Imposes Countermeasures on 7 U.S. Entities and Tightens Export Controls on Drone-Related Dual-Use Items to the U.S.”
https://fujae.com/news/china-imposes-countermeasures-on-7-u-s-entities-and-tightens-export-controls-on-drone-related-dual-use-items-to-the-u-s/ – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026
يوسف عبد الله



