الرئيسيةالتحليلاتتحليلات اقتصاديةلماذا سجّل العجز المالي الأميركي رقماً قياسياً في يوليو 2026 ؟

لماذا سجّل العجز المالي الأميركي رقماً قياسياً في يوليو 2026 ؟

سجّلت الموازنة الفيدرالية الأميركية عجزاً شهرياً غير مسبوق بلغ 432 مليار دولار خلال يوليو الماضي، ليرتفع العجز التراكمي منذ بداية السنة المالية 2026 إلى نحو 1.8 تريليون دولار، وفق بيانات وزارة الخزانة. يأتي هذا الاتساع في وقت يتوقع فيه مكتب الموازنة بالكونغرس أن يقترب العجز السنوي من 2.1 تريليون دولار، ما يعمّق الفجوة بين تعهدات الإدارة الأميركية بضبط الإنفاق والواقع المالي على الأرض.

كشفت وزارة الخزانة الأميركية، في تقريرها الشهري الصادر الأربعاء، أن العجز الفيدرالي بلغ 432.2 مليار دولار خلال يوليو، وهو أعلى مستوى يُسجَّل خلال هذا الشهر تحديداً منذ بدء تتبع البيانات. ونتج هذا الرقم عن إيرادات بلغت 334 مليار دولار مقابل نفقات وصلت إلى 766 مليار دولار، ما يعني أن الحكومة الفيدرالية أنفقت أكثر من ضعف ما جبته من عائدات خلال شهر واحد فقط. ويمثل هذا المستوى قفزة قدرها 141 مليار دولار، أو نحو 48 في المائة، مقارنة بعجز يوليو 2025 الذي بلغ 291 مليار دولار.

أكبر عجز شهري منذ جائحة كورونا

لم يسبق لواشنطن أن سجّلت عجزاً بهذا الحجم خلال شهر واحد منذ مارس 2021، حين بلغ العجز 660 مليار دولار في ذروة برامج الدعم المرتبطة بجائحة كوفيد-19. ويرى جيريمي هوربيدال، الأستاذ المساعد في الاقتصاد بجامعة سنترال أركنساس، أن حجم الفجوة الحالية استثنائي بمقاييس ما بعد الجائحة. وقال هوربيدال إنه يتعيّن العودة إلى مارس 2021 لإيجاد رقم شهري أكبر، في إشارة إلى ندرة تسجيل عجز بهذا الحجم خارج فترات الأزمات الكبرى. ويوضح هذا التطور أن اتساع الفجوة المالية لم يعد مرتبطاً بظرف استثنائي واحد، بل بات يعكس اتجاهاً هيكلياً في الإنفاق الفيدرالي.

تسعة وتسعون مليار دولار دُفعت قبل موعدها

تعزو وزارة الخزانة جزءاً من ارتفاع نفقات يوليو إلى عامل تقني مرتبط بالتقويم، إذ صادف أول أغسطس يوم أحد، ما دفع الإدارة الأميركية إلى صرف نحو 99 مليار دولار من مستحقات أغسطس، بينها رواتب العسكريين ومزايا قدامى المحاربين ومدفوعات برنامج ميديكار، قبل موعدها بأيام. وقفزت نفقات ميديكار وحدها بمقدار 76 مليار دولار مقارنة بيوليو 2025، غير أن معظم هذه القفزة يعود أيضاً إلى فارق التقويم، إذ لا تتجاوز الزيادة الفعلية بعد التصحيح 11 مليار دولار. وبعد استبعاد أثر هذا التحول التقويمي بمجمله، ينخفض العجز المعدَّل ليصل إلى نحو 333 مليار دولار، وهو ما يبقى مرتفعاً بنسبة 18 في المائة مقارنة بيوليو من العام الماضي.

قرار قضائي يقلب معادلة الرسوم الجمركية

يضاف إلى ضغط الإنفاق تراجع حاد في عائدات الرسوم الجمركية، بعدما قضت المحكمة العليا الأميركية في فبراير الماضي بعدم قانونية الرسوم التي فرضتها الإدارة استناداً إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية. ونتيجة لذلك، ردّت الخزانة خلال يوليو وحده نحو 33.4 مليار دولار من رسوم محصَّلة سابقاً، مقابل تحصيل 25 مليار دولار فقط من رسوم جديدة، ما جعل صافي عائدات الجمارك سلبياً بمقدار 8.55 مليار دولار، للشهر الثالث على التوالي. وبحسب بيانات متاحة، ردّت الحكومة الأميركية حتى الآن نحو 100 مليار دولار من أصل ما يقارب 150 مليار دولار مستحقة كتعويضات عن الرسوم الملغاة. ويكشف هذا المسار أن قراراً قضائياً واحداً كفيل بقلب أحد أهم مصادر الإيرادات الفيدرالية من فائض إلى عبء إضافي على الموازنة.

كلفة الدَّين ترتفع مع صعود العوائد

لا تقتصر الضغوط على جانب الإنفاق التشغيلي، إذ ارتفعت كلفة خدمة الدَّين العام إلى 1.17 تريليون دولار منذ بداية السنة المالية، بزيادة نسبتها 15 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفق بيانات الخزانة. ويعكس هذا الارتفاع صعود عوائد سندات الخزانة الأميركية، ما يرفع كلفة إعادة تمويل الدَّين المستحق. وفي يوليو وحده، ارتفعت فوائد الدَّين بمقدار 26 مليار دولار مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، لتصبح بنداً متزايد الثقل داخل بنية الإنفاق الفيدرالي.

دَين إجمالي يقترب من 40 تريليون دولار

يضاف هذا العبء المتصاعد إلى دَين فيدرالي إجمالي بلغ نحو 39.8 تريليون دولار بنهاية يوليو، بحسب بيانات وزارة الخزانة المجمّعة، بعدما كان قد أنهى السنة المالية 2025 عند نحو 37.6 تريليون دولار، أي أن نحو 2.2 تريليون دولار أُضيفت إلى الدَّين خلال عشرة أشهر فقط. ويعادل هذا المستوى نحو 122 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، وفق تقديرات مكتب الموازنة اللاحزبي بالكونغرس لنهاية السنة المالية 2025. وتغيّرت أيضاً خريطة حائزي هذا الدَّين في الخارج بحلول مارس الماضي، إذ تراجعت حيازة الصين منه إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2008، في حين ارتفعت حيازة المملكة المتحدة بشكل لافت. وكلما اتسع حجم الدَّين، ازداد وزن كل نقطة مئوية إضافية في عوائد السندات على الموازنة الفيدرالية، في حلقة تتغذى فيها كلفة الاقتراض من حجم الاقتراض نفسه.

من 1.9 إلى 2.1 تريليون دولار: تصحيح توقعات الكونغرس

رفع مكتب الموازنة في الكونغرس، وهو هيئة غير حزبية، توقعاته لعجز السنة المالية 2026 إلى 2.1 تريليون دولار، بزيادة 200 مليار دولار عن تقديره الصادر في فبراير الماضي، مرجعاً ذلك أساساً إلى تحصيل جمركي أقل من المتوقع بنحو 250 مليار دولار. وتتقاطع هذه التوقعات مع بيانات وزارة الخزانة نفسها، التي ترسم مساراً لإيرادات سنوية عند 5.48 تريليون دولار مقابل نفقات تبلغ 7.54 تريليون دولار، أي فجوة تقارب 2.06 تريليون دولار. وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد تعهد مراراً بخفض العجز إلى ما يعادل 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، غير أن الرقم المتوقع حالياً يقترب من 6.6 في المائة من الناتج، مقارنة بتقدير سابق بلغ 5.8 في المائة في فبراير. هذا التباعد بين التعهد السياسي المعلن والمسار المالي الفعلي يختصر إلى حد كبير معضلة واشنطن في التعامل مع عجزها المزمن.

عائدات السندات تعكس تسعيراً مسبقاً للعجز

استقبلت الأسواق المالية الأميركية إعلان العجز يوم الأربعاء بهدوء نسبي، إذ ظل عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات مستقراً قرب 4.68 في المائة، فيما انصرف اهتمام المتعاملين إلى مؤشر أسعار المستهلك ليوليو المرتقب صدوره في اليوم نفسه. غير أن عائد السندات لأجل ثلاثين عاماً ظل قريباً من أعلى مستوياته منذ عقدين عند نحو 5.19 في المائة، وهو ما يعكس تسعير المستثمرين المسبق لاستمرار عجز مالي مرتفع، بصرف النظر عن رد الفعل اليومي على كل رقم شهري بمفرده.

يبقى أمام الإدارة الأميركية شهران فقط لإقفال السنة المالية 2026 في 30 سبتمبر المقبل، وهي المهلة التي ستحدد ما إذا كان العجز سيقترب فعلاً من سقف 2.1 تريليون دولار الذي توقعه الكونغرس. وسيصدر التقرير الشهري التالي لوزارة الخزانة في سبتمبر، ليقدّم أول مؤشر ملموس على ما إذا كانت وتيرة الإنفاق والتحصيل الجمركي ستتغيّر قبل إغلاق الحسابات.


المصادر

  1. وكالة رويترز – “العجز الأميركي في يوليو يتجاوز 432 مليار دولار مع ارتفاع النفقات وتراجع عائدات الرسوم الجمركية”
    https://kfgo.com/2026/08/12/us-july-deficit-tops-432-billion-as-outlays-grow-tariff-receipts-stay-negative/ – تم الاطلاع عليه في 13 أغسطس 2026
  2. بلومبرغ – “العجز الأميركي يسجل رقماً قياسياً بـ432 مليار دولار في يوليو مع تسارع الإنفاق”
    https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-08-12/us-budget-deficit-surged-in-july-on-acceleration-in-spending – تم الاطلاع عليه في 13 أغسطس 2026
  3. صحيفة أركنساس ديموقرات غازيت – تقرير عن البيان المالي الشهري لوزارة الخزانة وتصريحات الخبير الاقتصادي جيريمي هوربيدال
    https://www.arkansasonline.com/news/2026/aug/12/us-ends-july-with-4322-billion-mothly-deficit/ – تم الاطلاع عليه في 13 أغسطس 2026
  4. تقرير إخباري اقتصادي، استناداً إلى مراجعة الموازنة الشهرية الصادرة عن مكتب الموازنة بالكونغرس وبيان وزارة الخزانة
    https://homenewshere.com/national/news/article_bcc864cb-72ae-5e5e-b90e-beaea86d2a6f.html – تم الاطلاع عليه في 13 أغسطس 2026
  5. منصة Trading Economics، استناداً إلى بيانات وزارة الخزانة الأميركية – إجمالي الدَّين الفيدرالي
    https://tradingeconomics.com/united-states/government-debt – تم الاطلاع عليه في 13 أغسطس 2026
  6. ساعة الدَّين الوطني الأميركي (davemanuel.com)، استناداً إلى بيانات وزارة الخزانة الدولية (Treasury International Capital) – حيازات الدَّين الأجنبية
    https://www.davemanuel.com/us-national-debt-clock.php – تم الاطلاع عليه في 13 أغسطس 2026

يوسف عبد الله

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

يوسف عبد الله
يوسف عبد اللهhttps://alahrar.net/
يوسف عبد الله صحفي اقتصادي يتابع قضايا الأسواق والطاقة والاستثمار وريادة الأعمال والتنمية المستدامة. يهتم بتحليل المؤشرات الاقتصادية وشرح أثر القرارات المالية في الشركات والأسر والمجتمعات، كما يتابع التحولات المرتبطة بالطاقة النظيفة والأمن الغذائي والمياه. يحرص في كتاباته على تقديم الأرقام في سياق واضح، بعيداً عن المصطلحات المعقدة والمبالغة.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة