الرئيسيةالعلوم والتكنولوجيااكتشاف نظام مائي قرب الهرم الأحمر يعيد كتابة تاريخ بناء الأهرامات المصرية

اكتشاف نظام مائي قرب الهرم الأحمر يعيد كتابة تاريخ بناء الأهرامات المصرية

كشف فريق بحثي فرنسي-مصري عن نظام هندسي مائي معقد يعود إلى نحو 4500 عام بجوار الهرم الأحمر في دهشور، يضم سدين وخزانا وقناة تحويل. وتشير الدراسة، المنشورة في دورية npj Heritage Science، إلى أن هذا النظام لم يكن طرقا لنقل الحجارة كما اعتُقد لعقود، بل جزءا من بنية هيدروليكية استخدمها المصريون القدماء لضبط السيول ودعم بناء أحد أهرامات مصر الكبرى.

منذ اكتشافهما عام 1897 على يد عالم الآثار الفرنسي جاك دو مورغان، اعتُبر الهيكلان الضخمان الممتدان جنوب غرب الهرم الأحمر في هضبة دهشور من بقايا طرق استُخدمت لجر كتل الحجارة نحو موقع البناء. يمتد كل من الهيكلين بين 600 و700 متر عبر وادي دهشور، وقد وثّقتهما كاميرات القوات الجوية الملكية البريطانية جوا عام 1925 قبل أن ترسمهما خرائط طبوغرافية عام 1974. وبحسب الدراسة الجديدة، فإن موقع الهيكلين وشكلهما الهندسي لا يتطابقان مع خصائص طرق النقل، بل يحملان سمات السدود المصممة لحجز المياه وإبطاء تدفق الرواسب.

فريق فرنسي-مصري يعيد قراءة خرائط موثقة منذ 1897

قاد الدراسة الباحث الفرنسي كزافييه لاندرو من معهد “باليوتيك” الفرنسي، إلى جانب غيوم بيتون وسيد حميدة، بالتعاون مع جامعة القاهرة. واعتمد الفريق على تحليل الصور الفضائية والخرائط التاريخية والنماذج الرقمية لارتفاع التضاريس، إضافة إلى مسوحات المقاومة الكهربائية التي رصدت جزءا محفوظا من قناة مائية كان دو مورغان قد أشار إليها في نهاية القرن التاسع عشر دون أن يفسر وظيفتها.

سدان وخزان وقناة تحويل بمحاذاة واجهة الهرم الأحمر

يتألف النظام المقترح، بحسب الدراسة، من سدين متكاملين يعملان معا: الأول يحجز الرواسب التي تجرفها السيول المفاجئة، فيما يسمح الثاني بمرور مياه أنظف نحو خزان تُقدَّر سعته بنحو 61 مليون غالون. ومن هذا الخزان، تنطلق قناة تحويل يقارب طولها كيلومترا واحدا، تمتد بمحاذاة الواجهة الغربية للهرم الأحمر قبل أن تعود للاتصال بشبكة الصرف الطبيعية في الوادي.

ويرى الباحثون أن هذه القناة قد تكون سهّلت نقل الأحمال الثقيلة داخل الموقع عبر زلاجات تستعين بالمياه أو صنادل صغيرة، إضافة إلى تزويد العمال والحيوانات بالمياه وتحضير الملاط وتقليل الغبار المتصاعد أثناء البناء. ويضيف الفريق أن النظام قد يضم أيضا أقدم بوابة تصريف مثلثة الشكل معروفة في مصر القديمة، بتصميم يشبه ما يُعرف هندسيا باسم “منقار البط”، وهي تقنية تسمح بتصريف كمية مياه تفوق ضعف ما تسمح به بوابة مستقيمة بالعرض نفسه، ما يقلل من خطر فيضان المياه فوق السد.

مناخ أكثر رطوبة قبل 4500 عام فرض ضبط السيول

بُني النظام، بحسب تقدير فريق البحث، في عهد الفرعون سنفرو، أي نحو عام 2550 قبل الميلاد، حين كان مناخ منطقة دهشور أكثر رطوبة بكثير من اليوم. وتشير النمذجة الهيدرولوجية إلى أن حوض وادي دهشور، المتصل بروافد وادي طفلة الغربية، كانت مساحته تتراوح بين 100 و400 كيلومتر مربع، وهو ما جعله عرضة لسيول موسمية غزيرة بمعدل أمطار سنوي يتراوح بين 50 و150 مليمترا.

في هذا السياق، لم يكن التحكم في المياه رفاهية هندسية بل ضرورة لحماية موقع البناء نفسه من الفيضانات المفاجئة، في وقت كان يُشيَّد فيه الهرم الأحمر، أول هرم مصري ناجح ذي أوجه ملساء بالكامل. ويكشف هذا الترابط بين إدارة المياه وسلامة الموقع أن مهندسي الدولة القديمة لم يكونوا يواجهون تحدي رفع الحجارة فحسب، بل كانوا يتعاملون في الوقت نفسه مع تحدي حماية مشروعهم من الطبيعة.

من فشل سد الكفرة إلى تجربة دهشور الأكثر تطورا

يقارن الباحثون بين نظام دهشور وسد سد الكفرة، الذي بُني أيضا في عهد سنفرو لكنه انهار بعد فيضان كارثي يُعزى إلى ضعف بوابة التصريف فيه. في المقابل، يرى الفريق أن تصميم بوابة “منقار البط” المقترح في دهشور كان أكثر تطورا، إذ يوزع ضغط المياه بشكل يحد من مخاطر الانهيار المفاجئ. ويوضح هذا التباين أن المصريين القدماء لم يتبنوا حلا هندسيا واحدا لإدارة المياه، بل جربوا تصاميم متعددة تراكمت خبرتها عبر عقود من البناء المتواصل في دهشور وسقارة.

دهشور: مختبر سنفرو الهندسي قبل ابتكار الهرم الناجح

تحتل هضبة دهشور مكانة خاصة في تاريخ بناء الأهرامات، إذ شهدت خلال عهد سنفرو، مؤسس الأسرة الرابعة ووالد خوفو، سلسلة من التجارب الهندسية المتلاحقة. فبعد أن واجه بناة سنفرو صعوبات في هرم ميدوم، ثم اضطروا إلى تعديل زاوية ميله في منتصف البناء ليصبح “الهرم المائل”، جاء الهرم الأحمر ليكون أول هرم مصري ناجح بأوجه ملساء بالكامل من الأساس إلى القمة. وفي ضوء هذا التاريخ، يرى الباحثون أن إتقان إدارة المياه في محيط الهرم الأحمر قد يكون جزءا من الدروس الهندسية التي راكمها بناة سنفرو عبر تجاربهم المتعاقبة في دهشور وميدوم.

وتندرج دراسة دهشور ضمن اتجاه بحثي متنام يعتمد على الاستشعار عن بعد والنمذجة الرقمية لإعادة قراءة مواقع أثرية معروفة منذ قرن أو أكثر، بدل الاكتفاء بالتنقيب التقليدي وحده. وقد أتاحت هذه الأدوات لفريق لاندرو مقارنة صور جوية التقطت عام 1925 بصور فضائية حديثة، ما كشف تفاصيل هندسية دقيقة في الهيكلين لم تكن ظاهرة بالعين المجردة على الأرض. ويعكس هذا المنهج تحولا أوسع في علم المصريات، حيث باتت البيانات الجغرافية والمناخية القديمة أداة أساسية لفهم القرارات الهندسية التي اتخذها بناة الأهرامات قبل خمسة آلاف عام تقريبا.

من بردية ميرر إلى دهشور: خيط متصل من أدلة الهندسة المائية

لعقود طويلة، هيمنت على تفسير بناء الأهرامات فرضية واحدة تقريبا: منحدرات ترابية ضخمة وحبال وسواعد بشرية بالآلاف تجر الكتل الحجرية نحو قمة البناء. غير أن اكتشافات ميدانية متتالية بدأت تُدخل عاملا آخر إلى هذه المعادلة، هو المياه. فقد كشفت بردية “ميرر”، التي عُثر عليها عام 2013 في ميناء وادي الجرف على ساحل البحر الأحمر، أن عمال الفرعون خوفو استخدموا قوارب لنقل كتل الحجر الجيري من محاجر طرة عبر النيل إلى ميناء قرب موقع هرم الجيزة الأكبر. واليوم، تضيف دراسة دهشور حلقة جديدة إلى هذا التحول في الفهم العلمي، بعد أن كان الفريق نفسه قد رجّح في فبراير 2025 وجود نظام مائي مشابه بالقرب من هرم زوسر المدرج في سقارة.

خطوة مقبلة نحو تنقيب ميداني يؤكد الفرضية

يشدد معدّو الدراسة على أن تفسيرهم يبقى فرضية علمية قائمة على القراءة عن بعد للصور والخرائط والنماذج الرقمية، وأن التأكيد النهائي يستلزم أعمال تنقيب ميدانية في الموقع. ويصف الفريق منطقة القناة المحاذية للواجهة الغربية للهرم بأنها هدفا ذا أولوية لحملات الحفر المقبلة، نظرا لقربها من الهرم وانتظامها الهندسي.

في حال تأكدت هذه الفرضية عبر التنقيب، فإن الاكتشاف سيعيد صياغة الصورة التقليدية لبناء الأهرامات، التي طالما ارتبطت حصرا بالسواعد البشرية والمنحدرات الترابية، ليضيف إليها بعدا هيدروليكيا متكاملا ظل مخفيا تحت رمال دهشور لأكثر من أربعة آلاف وخمسمائة عام.


المصادر

  1. RT عربية – اكتشاف نظام مائي متطور بجوار الهرم الأحمر قد يغيّر فهم بناء الأهرامات
    https://rtarabic.com/technology/1818611 – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026
  2. npj Heritage Science – Two Possible Ancient Dams Near the Red Pyramid on the Dahshur Plateau, Egypt (Landreau, Piton, Hemeda)
    https://doi.org/10.1038/s40494-026-02833-9 – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026
  3. HeritageDaily – Ancient water management system proposed near Egypt’s Red Pyramid
    https://www.heritagedaily.com/2026/07/ancient-water-management-system-proposed-near-egypts-red-pyramid/158700 – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026
  4. Arkeonews – 4,500-Year-Old Mega-Dams Near Egypt’s Red Pyramid May Reveal an Ancient Engineering Breakthrough
    https://arkeonews.net/4500-year-old-mega-dams-near-egypts-red-pyramid-may-reveal-an-ancient-engineering-breakthrough/ – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026
  5. Ancient Origins – Dams Near Egypt’s Red Pyramid Point to Hydraulic Construction Method
    https://www.ancient-origins.net/news-history-archaeology/red-pyramid-dams-00103020 – تم الاطلاع عليه في 8 أغسطس 2026

سارة خليل

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

سارة خليل
سارة خليلhttps://alahrar.net/
سارة خليل صحفية متخصصة في العلوم والتكنولوجيا والصحة العامة. تهتم بتبسيط القضايا العلمية المعقدة وشرح أثر الابتكار والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في حياة الأفراد والمجتمعات. تتابع كذلك موضوعات الأبحاث الطبية والصحة النفسية والأمن السيبراني، مع الحرص على الاستناد إلى المصادر الموثوقة وتقديم المعلومات بلغة واضحة ومفهومة لغير المتخصصين.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة