نقلت هآرتس، يوم الأربعاء 13 أغسطس 2026، عن مصدر أمني رفيع المستوى وصفته بأنه مطلع على تقييمات الجيش في الضفة الغربية. المصدر حذر من أن الوضع الميداني بات أشبه بـ«برميل بارود قد ينفجر في أي لحظة»، في إشارة إلى تفاقم اعتداءات المستوطنين على القرى الفلسطينية خلال الأسابيع الأخيرة. وبحسب المصدر ذاته، فإن عدداً من الضباط في القيادة الوسطى للجيش الإسرائيلي يتجنبون اتخاذ إجراءات صارمة بحق المستوطنين المتورطين في هذه الاعتداءات. السبب، وفق التقرير، تحسّب هؤلاء الضباط لتأثير أي مواجهة على مسارهم الوظيفي وفرص ترقيتهم مستقبلاً.
ضباط يتفادون المواجهة خشية على مستقبلهم الوظيفي
وبحسب ما أوردته هآرتس، تكشف الرواية الداخلية لضباط في القيادة الوسطى عن تردد ممنهج في التعامل مع اعتداءات المستوطنين. هذا التردد يقوم على حسابات مهنية أكثر منه على غياب الصلاحيات القانونية. ويرى بعض هؤلاء الضباط أن مواجهة مستوطنين مسلحين، يحظى بعضهم بغطاء سياسي من أطراف في الائتلاف الحكومي، قد تكلفهم مستقبلهم داخل المؤسسة العسكرية. هذا التردد الميداني هو بالتحديد ما يفسر، وفق مراقبين لشؤون الضفة الغربية، اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يعد بسيادة القانون والممارسة الفعلية على الأرض.
والأمر ليس مطروحاً للمرة الأولى في النقاش العام الإسرائيلي. فقد سبق للواء يهودا فوكس، القائد السابق للمنطقة الوسطى، أن انتقد علناً اتساع الاستيطان وتصاعد عنف المستوطنين. اعتبر فوكس، في تصريحات سابقة نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية، أن هذا العنف يزرع الفوضى والخوف بين سكان فلسطينيين لا يشكلون أي تهديد أمني. غير أن التحذير الجديد يذهب أبعد من الانتقاد السياسي. فهو يشير إلى عطل بنيوي داخل آليات إنفاذ القانون العسكري ذاتها، لا إلى موقف فردي لهذا الضابط أو ذاك.
من هجوم قرية تل إلى عملية عسكرية واسعة
يأتي هذا التحذير بعد أقل من ثلاثة أسابيع على هجومين استيطانيين استهدفا قرية تل قرب نابلس. الهجومان أسفرا، في 24 يوليو 2026، عن مقتل أربعة فلسطينيين من عائلة رمضان، من بينهم شقيقان وابنا عم، إضافة إلى مقتل مستوطنَين اثنين، وفق ما وثقته منظمة هيومن رايتس ووتش. ووقعت الحادثة في منطقة مصنفة “ب”، الخاضعة لسيطرة أمنية مشتركة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل بموجب اتفاقيات أوسلو الثانية، ما أثار تساؤلات حول فعالية هذا الترتيب الأمني بعد أكثر من ثلاثة عقود على توقيعه.
وفي أعقاب الحادثة مباشرة، أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الجيش إسرائيل كاتس بإطلاق عملية عسكرية واسعة النطاق في القرى الفلسطينية بالضفة الغربية. العملية أسفرت عن اعتقال عشرات الفلسطينيين خلال الأيام التالية، وفق ما ذكرته قناة الجزيرة. في المقابل، شهدت المنطقة موجة من هجمات انتقامية نفذها مستوطنون ضد قرى فلسطينية مجاورة، من بينها مواجهات قرب بلدة السموع تخللها رشق بالحجارة واستيلاء فلسطيني على سلاح مستوطن. وفي موازاة ذلك، نشر الجيش الإسرائيلي كتيبتين عسكريتين إضافيتين لتنضما إلى 24 كتيبة كانت منتشرة أصلاً في الضفة الغربية، بحسب ما أورده موقع “ميدل إيست مونيتور”، المعروف بتوجهه المتضامن مع القضية الفلسطينية.
حصيلة متصاعدة وسكان مستوطنون يتضاعف عددهم
ووفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، بلغ عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا في الضفة الغربية، منذ مطلع العام الجاري وحتى 19 يوليو، 68 قتيلاً. من بين هؤلاء، سقط 13 فلسطينياً على الأقل برصاص مستوطنين أو في هجمات نفذوها مباشرة. في المقابل، أُصيب 20 إسرائيلياً حتى منتصف الشهر ذاته، بحسب المصدر الأممي نفسه. وتشير هذه الأرقام، بحسب باحثين متابعين للملف، إلى أن وتيرة العنف في الضفة الغربية تسارعت بشكل ملحوظ منذ تولي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها في ديسمبر 2022، مع ذروة إضافية سُجلت خلال شهري مارس وأبريل 2026، بالتزامن مع الحرب التي خاضتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران.
هذا التصاعد يجري في منطقة تشهد كثافة استيطانية متزايدة. فبحسب بيانات منظمة “يش دين” الحقوقية الإسرائيلية، يقيم نحو 490 ألف مستوطن إسرائيلي وسط قرابة ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية، في مستوطنات تعتبرها معظم الدول والهيئات الدولية غير قانونية بموجب القانون الدولي. وهذا التداخل الجغرافي المباشر بين الطرفين هو ما يجعل أي حادثة موضعية قابلة للتحول سريعاً إلى دورة أوسع من العنف المتبادل.
وهذا التصاعد لا ينفصل أيضاً عن سياق سياسي داخلي متوتر. فرئيس الوزراء نتنياهو يواجه محاكمات بتهم فساد قد تنتهي بالسجن، إلى جانب تراجع شعبيته قبل أشهر من انتخابات مرتقبة. هذا الوضع يدفع محللين إسرائيليين إلى ربط تصعيد الخطاب الأمني بحسابات انتخابية داخلية، أكثر من ارتباطه بمعطيات ميدانية بحتة فقط.
تحذيرات أردنية من انزلاق الوضع نحو الانفجار
على المستوى الإقليمي، حذر وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي من أن السياسات الإسرائيلية الحالية «تدفع الضفة الغربية نحو الانفجار»، في تصريحات نقلتها تقارير صحافية دولية أوائل أغسطس الجاري. ويعكس هذا الموقف قلقاً أردنياً متجدداً من تداعيات أي تصعيد أمني واسع في الضفة الغربية على الاستقرار في المملكة، التي تتشارك حدوداً مباشرة مع المناطق الفلسطينية المحتلة وتستضيف أعداداً كبيرة من ذوي الأصول الفلسطينية.
ما يكشفه هذا التقاطع بين التحذير الأمني الداخلي والقلق الإقليمي هو أن معضلة الضفة الغربية لم تعد شأناً إسرائيلياً فلسطينياً محضاً وحسب. فقد باتت عاملاً مباشراً في حسابات الاستقرار الإقليمي الأوسع، من عمّان إلى واشنطن.
وحتى صباح الخميس، لم تصدر القيادة الوسطى للجيش الإسرائيلي أي تعليق رسمي على مضمون تقرير هآرتس بشأن إحجام ضباطها عن مواجهة المستوطنين. مساءلة هؤلاء الضباط تبقى معلقة. وفي هذه الأثناء، تتوقع منظمات حقوقية دولية استمرار وتيرة الاعتداءات ما لم تُتخذ إجراءات رادعة، وفق ما جاء في تقارير هيومن رايتس ووتش.
المصادر
- هآرتس – تقرير عن تحذير مصدر أمني رفيع المستوى من “برميل بارود” في الضفة الغربية وإحجام ضباط عن مواجهة المستوطنين
https://www.haaretz.com/west-bank/2026-08-13/ty-article/.premium/senior-security-source-settler-violence-pushes-west-bank-to-verge-of-explosion/0000019f-f70f-d569-a5ff-f76f54bc0000 – تم الاطلاع عليه في 13 أغسطس 2026 - هيومن رايتس ووتش – تقرير عن هجومي المستوطنين على قرية تل ومقتل أربعة فلسطينيين وإسرائيليين اثنين في 24 يوليو 2026
https://www.hrw.org/news/2026/07/24/west-bank-surge-in-settler-violence-threatens-mass-atrocities – تم الاطلاع عليه في 13 أغسطس 2026 - الجزيرة – تقرير عن اعتقال الجيش الإسرائيلي عشرات الفلسطينيين في إطار عملية عسكرية واسعة عقب هجوم قرية تل
https://www.aljazeera.com/news/2026/7/25/israel-arrests-dozens-of-palestinians-in-west-bank-amid-settler-attacks – تم الاطلاع عليه في 13 أغسطس 2026 - ميدل إيست مونيتور – تقرير عن انتشار كتيبتين عسكريتين إضافيتين في الضفة الغربية ووصف الوضع بـ”برميل بارود”
https://www.middleeastmonitor.com/20260730-the-west-bank-on-a-powder-keg/ – تم الاطلاع عليه في 13 أغسطس 2026 - ديلي مافريك – تقرير يتضمن تصريحات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي بشأن مخاطر انفجار الوضع في الضفة الغربية
https://www.dailymaverick.co.za/article/2026-08-02-israeli-settlers-west-bank-rampage-presses-on-with-government-backing/ – تم الاطلاع عليه في 13 أغسطس 2026
بقلم: أحمد ناصر



