شاهدت الرقم يتكرر على شاشة هاتفي بالصدفة، عاجل أحمر، ثم أرقام، ثم كلمة “الآن”، كما لو أن الإخطار روتيني بقدر إخطار عن تحديث تطبيق. وصلت مستشفيات قطاع غزة، خلال أربع وعشرين ساعة فقط، حالات استشهاد وإصابة جديدة. لم أتوقف عند الرقم بحد ذاته، بل عند السطر الذي يسبقه: “منذ وقف إطلاق النار”. كلمة “وقف”، التي يُفترض أن تعني التوقف الكامل، لا تزال، بعد أكثر من عشرة أشهر، تُستخدم لوصف حرب مستمرة بلا اسم رسمي.
بحسب وزارة الصحة في قطاع غزة، ارتفع عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ إلى 1,259 شهيدا، فيما بلغ عدد المصابين 4,146 وعدد الجثث التي انتُشلت من تحت الركام 807. أما الحصيلة التراكمية منذ بداية الحرب فقد بلغت 73,387 شهيدا و174,257 مصابا. هذه الأرقام، على ضخامتها، لا تروي شيئا عن الساعة التي فُقد فيها كل اسم من هذه الأسماء، وهنا يكمن ما لا تقوله النشرة الرسمية.
يكتب ألبير كامو في روايته “الطاعون” أن الكارثة، حين تطول، تتحول من مأساة إلى إحصاء، ويعتاد الناس على عدّ الموتى كما يعدّون الأمطار. وهذا بالضبط ما يحدث في غزة اليوم: الهدنة هنا لا تعني نهاية القتل، بل تعني فقط تغيير اسمه في نشرات الأخبار.
وبحسب منظمة أطباء بلا حدود، فإن وتيرة القتل والإصابة في غزة منذ إعلان الهدنة تقارب حالة واحدة كل ساعة وعشرين دقيقة، وهو رقم لو تخيلناه ساعة حائط حقيقية، لوجدنا عقاربها لا تتوقف عن الدوران داخل غرف الطوارئ. تسعة أشهر مرت على هذا الإيقاع، حسب المنظمة ذاتها، دون أن تتغير سرعة تلك العقارب.
كما تشير بيانات منظمة اليونيسف إلى أن أكثر من 265 طفلا قُتلوا منذ بدء الهدنة وحتى منتصف يونيو الماضي وحده. ومن بين هؤلاء الأطفال طالب في الصف السادس أُصيب، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، برصاصة داخل خيمة كانت تُستخدم فصلا دراسيا في مدينة غزة. حين يتحول الفصل الدراسي إلى هدف، ماذا يبقى من فكرة “الحياة اليومية” التي تتحدث عنها بيانات الهدنة؟
كما تتوالى عمليات الهدم داخل ما يُعرف بالمنطقة الصفراء، وهي الشريط الذي حددته القوات الإسرائيلية كخط تماس مع القطاع، وسط قيود مستمرة على حركة البضائع والمساعدات الإنسانية وتنقل السكان. ويعيش أكثر من 2.1 مليون فلسطيني، بحسب الأمم المتحدة، مكدسين على أقل من نصف مساحة القطاع، في مساحة تتقلص كل أسبوع تقريبا مع كل عملية توغل جديدة.
لا يقتصر الأثر على القتلى والجرحى وحدهم. فمن أصل 36 مستشفى في القطاع، لا يعمل الآن سوى نصفها جزئيا، بحسب وزارة الصحة في غزة، فيما بلغت نسبة النقص في أدوية السرطان وأمراض الدم 61 في المئة، ما يضع مرضى الأورام في خطر داهم على حياتهم. وفي الأول من أغسطس الجاري، استهدفت غارة إسرائيلية مستودع أدوية في مستشفى الشهداء الأقصى بدير البلح، في واقعة وثقتها وكالة الأنباء الفرنسية.
في السادس من أغسطس الجاري، أصدرت ثماني دول عربية وإسلامية بيانا مشتركا نقلته قناة الجزيرة، أدانت فيه ما وصفته بالاستهداف المتكرر للقطاع الصحي في غزة. ووفق مكتب الإعلام الحكومي في غزة، وهو طرف في النزاع ويجب التعامل مع أرقامه بحذر، سُجل 4,091 خرقا لاتفاق وقف إطلاق النار خلال 300 يوم، فيما لم يدخل القطاع سوى 35 في المئة من شاحنات المساعدات المتوقعة.
من جهته، يقول الجيش الإسرائيلي إنه يستهدف عناصر تابعة لحركة حماس ومسلحين آخرين يشكلون تهديدا مباشرا، ردا على ما يصفه بخروقات متكررة من الجانب الفلسطيني للهدنة، فيما تحدثت تقارير عن مقتل خمسة جنود إسرائيليين منذ إعلان الاتفاق. وفي موازاة ذلك، أعلن مجلس السلام، المدعوم من مجلس الأمن الدولي في إطار خطة النقاط العشرين لإنهاء الحرب، اتفاقا للانتقال إلى مرحلة نزع السلاح بعد إعلان حركة حماس قبولها لخارطة الطريق. غير أن الفجوة بين ما تُعلنه الدبلوماسية في قاعات الاجتماعات وما تسجله المستشفيات يوميا لا تزال واسعة، وهذه الفجوة نفسها هي ما يجعل كلمة “هدنة” تبدو، لمن يعيش في غزة، أقرب إلى مصطلح إداري منها إلى وصف لواقع معاش.
وفي يوليو الماضي، سجلت وزارة الصحة في غزة أعلى حصيلة شهرية للوفيات منذ بداية العام، بأكثر من 150 قتيلا، بحسب ما أعلنه نائب المتحدث باسم الأمم المتحدة فرحان حق. الأرقام لا تتوقف عند الإحصاء الرسمي وحده؛ خلف كل رقم منها اسم، وسرير فارغ، وامرأة تنتظر جثة لم تُنتشل بعد من تحت الركام.
أفكر، وأنا أعيد قراءة هذه الأرقام، في الأمهات اللواتي أصبحن يحسبن أعمار أطفالهن بعدد الأشهر التي نجوا فيها من الاستهداف، لا بعدد السنوات التي عاشوها. أفكر في المسعفات اللواتي يدخلن الخيام المحترقة قبل أن يدخلها أحد غيرهن. المقاومة، في سياق كهذا، ليست فقط في حمل السلاح؛ إنها أيضا في أن تُبقي طفلا حيا حتى الصباح، وفي أن تُعيد فتح عيادة دُمرت للمرة الثالثة.
يا من تقرأ هذه الأرقام من بعيد: لا تدعها تتحول، كما حذّر كامو، إلى مجرد جدول إحصائي يُطوى بعد قراءته. فوراء رقم 1,259 اسم كامل، ووراء رقم 807 جثة، وعائلة لا تزال تنتظر عند باب المستشفى. الهدنة، في غزة، ليست غياب الحرب؛ إنها فقط الاسم الذي اختارته الدبلوماسية لحرب لم تُخبر أهل غزة بعد أنها انتهت.
المصادر
- شبكة قدس الإخبارية – نشرة عاجلة حول حصيلة القتلى والمصابين في مستشفيات غزة، نقلا عن وزارة الصحة الفلسطينية
لقطة شاشة مرفقة من المستخدم – تم الاطلاع عليه في 11 أغسطس 2026 - مركز المعلومات الفلسطيني الدولي (IMEMC) – تقرير حول تصاعد خروقات الهدنة في غزة
https://imemc.org/article/israel-intensifies-ceasefire-violations-across-gaza/ – تم الاطلاع عليه في 11 أغسطس 2026 - قناة الجزيرة – تقرير حول إدانة ثماني دول عربية وإسلامية لاستهداف القطاع الصحي في غزة
https://www.aljazeera.com/amp/news/2026/8/6/eight-countries-strongly-denounce-ongoing-israeli-violations-in-gaza – تم الاطلاع عليه في 11 أغسطس 2026 - منظمة أطباء بلا حدود – بيان حول واقع الهدنة في غزة ووتيرة الإصابات
https://www.doctorswithoutborders.org/latest/gaza-not-ceasefire-it-structural-violence-another-name – تم الاطلاع عليه في 11 أغسطس 2026 - أخبار الأمم المتحدة – تقرير حول الحصيلة الشهرية للقتلى في غزة وتصريحات المتحدث باسم الأمم المتحدة
https://news.un.org/en/story/2026/08/1168067 – تم الاطلاع عليه في 11 أغسطس 2026 - وكالة أسوشيتد برس – تقرير حول تجاوز الحصيلة التراكمية 73 ألف قتيل رغم الهدنة الهشة
https://www.pbs.org/newshour/world/palestinian-death-toll-in-gaza-tops-73000-officials-say-as-israel-strikes-despite-ceasefire – تم الاطلاع عليه في 11 أغسطس 2026
بقلم: ليلى منصور



