الرئيسيةالصحةالأبحاث الطبيةلماذا تتحول مقاومة الفطريات للأدوية إلى تهديد صحي صامت؟

لماذا تتحول مقاومة الفطريات للأدوية إلى تهديد صحي صامت؟

**تحذر منظمة الصحة العالمية ومراكز مكافحة الأمراض في عدة دول من تصاعد مطرد في مقاومة الفطريات للعلاجات المتاحة، في وقت لا يتجاوز فيه عدد فئات الأدوية المضادة للفطريات أصابع اليد الواحدة. هذا التفاوت بين انتشار العدوى وبطء تطوير البدائل العلاجية يضع فئات واسعة من المرضى، خصوصا في المستشفيات ووحدات العناية المركزة، أمام خطر متزايد لا يحظى بالاهتمام الإعلامي الذي تحصل عليه مقاومة البكتيريا.

نشرت منظمة الصحة العالمية في أكتوبر 2022 أول قائمة عالمية لأولويات مسببات الأمراض الفطرية، ضمت 19 نوعا مصنفة في ثلاث فئات بحسب خطورتها على الصحة العامة: حرجة وعالية ومتوسطة. جاءت هذه الخطوة بعد خمس سنوات من إطلاق المنظمة قائمة مماثلة خاصة بالبكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، في إشارة إلى أن ملف الفطريات بدأ يحظى أخيرا باهتمام مؤسسي مواز. وبحسب المنظمة، فإن الهدف من القائمة هو توجيه الأبحاث والاستثمارات نحو الأنواع الأكثر إلحاحا، في ظل غياب أدوات تشخيص وعلاج كافية لمعظمها.

الفرق بين البكتيريا المقاومة والفطريات المقاومة قليل الحضور في النقاش العام

خلافا للبكتيريا، تشترك خلايا الفطريات مع خلايا الإنسان في بنية أكثر تعقيدا، ما يجعل تطوير أدوية تستهدف الفطر دون الإضرار بخلايا المريض عملية أبطأ وأكثر كلفة. هذا القيد البيولوجي يفسر جزئيا لماذا لم تظهر فئة دوائية جديدة كليا لمكافحة الفطريات منذ أكثر من عقدين، بحسب مراجعة علمية نشرت في مجلة Drugs. في المقابل، شهد ميدان مكافحة البكتيريا خلال الفترة نفسها تطوير عدة فئات مضادات حيوية جديدة، رغم أن مشكلة المقاومة البكتيرية نفسها لم تحل بالكامل.

من بين الأنواع المصنفة في الفئة الأعلى خطورة ضمن قائمة منظمة الصحة العالمية، تبرز أربعة أسماء: Aspergillus fumigatus وCandida albicans وCandida auris وCryptococcus neoformans. ويكمن ما يميز هذه الفئة، بحسب المنظمة، في اجتماع ثلاثة عوامل: معدلات وفيات مرتفعة، وخيارات علاجية محدودة، ومقاومة متنامية للأدوية القائمة. ولا تنتشر هذه الفطريات بين عامة السكان الأصحاء، بل تستهدف بشكل شبه حصري المرضى الذين تضعف مناعتهم لأسباب طبية أخرى.

المستشفيات ووحدات العناية المركزة في قلب دائرة الخطر

يمثل فطر Candida auris النموذج الأوضح لهذه الديناميكية. اكتشف هذا الفطر لأول مرة عام 2009 في عينة أذن مريض في اليابان، وانتشر منذ ذلك الحين في أكثر من 60 دولة. وبحسب بيانات مراكز السيطرة على الأمراض الأمريكية (CDC)، سجلت الولايات المتحدة وحدها نحو 7000 حالة سريرية خلال عام 2025، مقابل 6304 حالة في عام 2024، في تصاعد مستمر منذ ظهور أول حالة أمريكية عام 2016. وأفادت المراكز بأن أكثر من نصف الولايات الأمريكية أبلغت عن حالات سريرية خلال العام نفسه.

ما يجعل هذا الفطر خطيرا تحديدا هو قدرته على البقاء لفترات طويلة على الجلد وأسطح المعدات الطبية، ما يسهل انتقاله بين المرضى داخل المستشفيات ودور الرعاية طويلة الأمد. وتشير مراكز السيطرة على الأمراض إلى أن نسبة الوفيات بين المصابين تتراوح بين 30 و60 في المئة، وإن كان كثير من هؤلاء المرضى يعانون أصلا من أمراض خطيرة أخرى ساهمت في رفع هذا المعدل. الفئات الأكثر عرضة هي المرضى الموصولون بأجهزة التنفس الاصطناعي أو القسطرة، وحاملو زراعات الأعضاء، ومرضى السرطان تحت العلاج الكيميائي، أي كل من تضعف مناعتهم أو تُخترق حواجزهم الجسدية الطبيعية عبر تدخل طبي.

ما يكشفه انتشار هذا الفطر ليس مجرد رقم سنوي متصاعد، بل فجوة بنيوية تتسع بين سرعة انتقال العدوى داخل المنظومة الصحية وسرعة تطوير أدوات فعالة لاحتوائها.

نقص في التشخيص يتزامن مع بطء وصول أدوية جديدة

يواجه الأطباء صعوبة إضافية تتمثل في تأخر التشخيص، إذ يمكن أن يُخلط بين Candida auris وأنواع أخرى أقل خطورة من الفطريات دون استخدام تقنيات تحديد متقدمة مثل تحليل الطيف الكتلي. هذا التأخير يمنح الفطر وقتا إضافيا للانتشار قبل اتخاذ إجراءات العزل اللازمة.

على صعيد العلاج، لم توافق الهيئات التنظيمية الأمريكية والأوروبية سوى على عدد محدود من الأدوية الجديدة خلال السنوات الأخيرة: إيبريكسافونجيرب في يونيو 2021، وأوتيسيكونازول في أبريل 2022، وريزافونجين في مارس 2023. في المقابل، ما زال دواءان واعدان آخران، هما أولوروفيم وفوسمانوجيبيكس، قيد التجارب السريرية من المرحلة الثالثة، وتشير مراجعة نشرت في مجلة ScienceDirect إلى أن نتائج إحدى هذه التجارب الخاصة بأولوروفيم متوقعة بحلول عام 2026. هذه الفجوة الزمنية بين ظهور المقاومة وتوفر بديل علاجي معتمد تترك الأطباء أحيانا بلا خيارات فعالة أمام حالات معينة من العدوى الغازية.

المبيدات الزراعية تفتح جبهة مقاومة موازية خارج المستشفيات

لا تقتصر أسباب انتشار المقاومة على الاستخدام الطبي للأدوية المضادة للفطريات. فقد وثقت دراسات علمية متعددة، من بينها تقييم مشترك للهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA) والمركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها (ECDC)، وجود صلة قوية بين استخدام مبيدات الآزول الزراعية وظهور سلالات من فطر Aspergillus fumigatus مقاومة للأدوية الطبية من الفئة نفسها. وتُباع في الاتحاد الأوروبي والمنطقة الاقتصادية الأوروبية وحدها نحو 120 ألف طن من مبيدات الآزول سنويا لأغراض غير طبية، أبرزها حماية المحاصيل الزراعية.

والمفارقة أن مركبات الآزول استُخدمت في الزراعة منذ عام 1973، أي قبل دخولها الطب البشري بعقدين تقريبا في مطلع تسعينيات القرن الماضي. وقد لاحظ باحثون أن طفرة جينية معينة مرتبطة بالمقاومة، تُعرف اختصارا بـ TR34/L98H، تظهر أحيانا لدى مرضى لم يتلقوا قط علاجا بمركبات الآزول الطبية، ما يرجح أن مصدر إصابتهم بيئي وليس علاجيا. رئيس وحدة مكافحة العدوى في المركز الأوروبي، دومينيك مونيه، وصف الأدلة على هذا الرابط بأنها “قوية وثابتة”، محذرا من أن الحقول الزراعية باتت تشكل خط انتشار موازيا للمقاومة، بمعزل تام عن المستشفيات.

استخدام غير منضبط للمضادات يقصر عمر الأدوية الفعالة

يشترك هذا الملف مع مقاومة البكتيريا في عامل جوهري واحد: كلما ازداد الاستخدام غير المضبوط للأدوية المضادة للفطريات، سواء في الطب أو الزراعة، تسارعت وتيرة ظهور سلالات مقاومة. وقد دعت مراجعة نشرت في مجلة Clinical Microbiology and Infection إلى تعزيز برامج ترشيد استخدام هذه الأدوية ومراقبة استعمالها في القطاع الزراعي، باعتبار ذلك شرطا ضروريا لإطالة عمر الفاعلية العلاجية للجيل الجديد من الأدوية قيد التطوير حاليا.

تظل نتائج التجربة السريرية الخاصة بدواء أولوروفيم، المرتقبة بحلول نهاية عام 2026، محطة مراقبة رئيسية بالنسبة للأوساط الطبية المعنية بعدوى الرشاشيات الغازية المقاومة للعلاجات التقليدية.


المصادر

  1. منظمة الصحة العالمية (WHO) – قائمة أولويات مسببات الأمراض الفطرية (WHO Fungal Priority Pathogens List)
    https://www.who.int/publications/i/item/9789240060241 – تم الاطلاع في 16 يوليو 2026
  2. منظمة الصحة العالمية (WHO) – بيان صحفي حول إطلاق أول قائمة عالمية للفطريات الخطرة
    https://www.who.int/news/item/25-10-2022-who-releases-first-ever-list-of-health-threatening-fungi – تم الاطلاع في 16 يوليو 2026
  3. مراكز السيطرة على الأمراض الأمريكية (CDC) – صفحة تتبع حالات Candida auris
    https://www.cdc.gov/candida-auris/tracking-c-auris/index.html – تم الاطلاع في 16 يوليو 2026
  4. Contagion Live – تقرير حول تقييم EFSA وECDC للصلة بين مبيدات الآزول الزراعية ومقاومة Aspergillus fumigatus
    https://www.contagionlive.com/view/azole-fungicides-in-agriculture-linked-to-rising-resistance-in-aspergillus-fumigatus – تم الاطلاع في 16 يوليو 2026
  5. ScienceDirect – مراجعة علمية حول مسار تطوير الأدوية المضادة للفطريات الجديدة
    https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S1130140625000026 – تم الاطلاع في 16 يوليو 2026

سارة خليل

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

سارة خليل
سارة خليلhttps://alahrar.net/
سارة خليل صحفية متخصصة في العلوم والتكنولوجيا والصحة العامة. تهتم بتبسيط القضايا العلمية المعقدة وشرح أثر الابتكار والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في حياة الأفراد والمجتمعات. تتابع كذلك موضوعات الأبحاث الطبية والصحة النفسية والأمن السيبراني، مع الحرص على الاستناد إلى المصادر الموثوقة وتقديم المعلومات بلغة واضحة ومفهومة لغير المتخصصين.
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة