وقع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف، نص اتفاقية مكة للدفاع المشترك في الديوان الملكي بقصر الصفا في مكة المكرمة. وأوضح بيان مشترك صدر عن الدول الثلاث عقب التوقيع أن الاتفاقية تهدف إلى تعزيز الردع الجماعي في مواجهة أي عمل عدواني، وتطوير مختلف أوجه التعاون الدفاعي والعسكري بين الأطراف الموقعة. جاء الحدث في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تصعيدا عسكريا واسعا، ما يمنح الاتفاق بعدا يتجاوز الرمزية الدبلوماسية المعتادة لمثل هذه القمم.
نص الاتفاقية: هجوم على واحدة يعني هجوما على الثلاث
علقت الرئاسة التركية على التوقيع ببيان نشرته دائرة الاتصال الرئاسي عبر منصة إن سوسيال، جاء فيه: «أي هجوم مسلح على أي من الدول تركيا والسعودية وباكستان يعد هجوما عليها جميعا». ولم تكشف الأطراف الثلاثة عن تفاصيل الالتزامات التنفيذية التي يرتبها هذا البند على كل دولة في حال وقوع اعتداء فعلي، تاركة آليات التنسيق العسكري المشترك دون تحديد صريح في النص المعلن. ووصفت وزارة الخارجية الباكستانية الاتفاقية بأنها تعبير عن التزام مشترك بتعزيز الأمن والسلم في المنطقة وخارجها، فيما شددت الأطراف الثلاثة مجتمعة على أن الصياغة تكرس مبدأ الردع الجماعي أمام أي تهديد يستهدف سيادتها.
من اتفاق ثنائي إلى تحالف موسّع: خلفية اتفاق الرياض
لم يولد هذا التحالف من فراغ. ففي 17 سبتمبر 2025، وقع ولي العهد السعودي ورئيس الوزراء الباكستاني في الرياض اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك بين البلدين، التي نصت هي الأخرى على أن عدوانا على أحد الطرفين يعادل عدوانا على الآخر. جاء ذلك حينها في أعقاب الضربات الإسرائيلية على الدوحة، وفي أعقاب القمة العربية الإسلامية الاستثنائية التي عقدت لبحث تداعياتها. ومنذ ذلك التاريخ، انخرطت تركيا في مفاوضات موازية مع الرياض وإسلام آباد لتوسيع الإطار الثنائي، وهو ما أكده وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني رضا حياة حراج قبيل التوقيع، مشيرا إلى أن الدول الثلاث أعدت مسودة الاتفاق بعد مفاوضات استمرت قرابة عام. وفي مطلع 2026 كان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد صرح بأن بلاده تجري محادثات لإبرام اتفاقية دفاعية مع الرياض وإسلام آباد، في مؤشر مبكر على اتجاه الأطراف الثلاثة نحو صيغة جماعية.
لماذا هذه الدول الثلاث تحديدا
يجمع اتفاق مكة ثلاث قوى تكمل بعضها البعض أكثر مما تتشابه. فالسعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والسياسي والموقع الجغرافي في قلب الخليج والعالم العربي. أما تركيا فتوفر قاعدة صناعية عسكرية متقدمة، إذ ارتفعت صادرات قطاعها الدفاعي والجوي من نحو 7.1 مليارات دولار عام 2024 إلى أكثر من 10 مليارات دولار عام 2025، بحسب بيانات رئاسة الصناعات الدفاعية التركية. وتضيف باكستان بعدا ردعيا مختلفا يتمثل في ترسانة نووية تقدرها تقارير متخصصة بأكثر من 170 رأسا حربيا، إلى جانب منظومات صواريخ باليستية مثل شاهين وغوري، وميزانية دفاعية بلغت نحو 10.8 مليارات دولار، بزيادة تقارب 18% عن العام السابق. بذلك تنتقل الرياض من اعتماد شبه حصري على المظلة الأمنية الأميركية إلى نسج شبكة ردع موازية تجمع الثقل المالي الخليجي بالصناعة الدفاعية التركية والقدرة النووية الباكستانية.
من تحالف وساطة إلى إطار ردع جماعي
ولم يظهر هذا التقارب الثلاثي فجأة، فمنذ اندلاع العمليات العسكرية في فبراير 2026، توطدت العلاقة بين الرياض وأنقرة والقاهرة وإسلام آباد ضمن تحالف رباعي غير معلن سعى للاضطلاع بدور الوساطة بين طهران من جهة وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى. ورغم نجاح تلك الوساطات في التوصل إلى اتفاقات سابقة لوقف إطلاق النار ومذكرات تفاهم جزئية، فإن استئناف المواجهات الميدانية وغياب أي اختراق ملموس في ملف البرنامج النووي الإيراني أبقيا الاستقرار البحري والتجاري في المنطقة مهددا، وهو ما دفع الأطراف الثلاثة نحو صياغة إطار ردع أكثر التزاما من مجرد الوساطة الظرفية. ووصف المحلل العسكري الباكستاني عبدالله خان الاتفاقية بأنها تطور طبيعي يضفي طابعا رسميا على عقود من العلاقات الاستراتيجية بين الدول الثلاث، مرجعا الحاجة المتزايدة إلى تعاون أوثق إلى تغير بيئة الأمن الإقليمي وتطور طبيعة الحروب الحديثة.
سياق إقليمي مشتعل: حرب إيران وتوترات أنقرة وتل أبيب
يأتي توقيع اتفاق مكة في ظل حرب مندلعة منذ فبراير 2026 بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، خلفت اضطرابات متكررة في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الممر الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية. وتزامن ذلك مع تصعيد الحوثيين في اليمن، وهجمات نفذتها جماعات مسلحة مرتبطة بإيران في العراق استهدفت مصالح سعودية. وفي موازاة الجبهة الخليجية، تشهد العلاقة بين أنقرة وتل أبيب توترا متصاعدا بسبب الحرب في غزة ونزاعات إقليمية أخرى، وهو ما يمنح الاتفاق الثلاثي بعدا يتجاوز الترتيبات الدفاعية التقنية إلى مصاف الرسائل السياسية الموجهة لأطراف الصراع.
تطمينات رسمية وأسئلة مفتوحة عن مستقبل التحالف
سارعت الرياض إلى نفي أي بعد طائفي عن التحالف الجديد. وقال مسؤول سعودي: «لا تمثل الاتفاقية أي توجه لبناء تكتل على أساس طائفي»، موضحا أنها لا تأتي على حساب علاقات المملكة مع دول الخليج والدول العربية والمجتمع الدولي. من جهتها، نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤول حكومي تركي وصفه للاتفاقية بأنها دفاعية بحتة، مؤكدا أن الجانبين تعهدا بتقديم دعم متبادل في مجال الدفاع فقط دون أن يستهدف ذلك طرفا بعينه. وأكد التقرير ذاته أن الباب يبقى مفتوحا أمام انضمام دول إقليمية أخرى إلى الإطار، وأن الاتفاق لا يلغي أو يحل محل أي التزامات ثنائية أو متعددة الأطراف قائمة مسبقا. يترك هذا الانفتاح المعلن تساؤلات لم تحسم بعد، أبرزها كيف ستستوعب عضوية تركيا في حلف الأطلسي التزاما دفاعيا موازيا خارج بنية الحلف، وما إذا كانت دول أخرى في المنطقة مرشحة للانضمام لاحقا إلى إطار الردع الثلاثي.
الخطوة المقبلة المرتقبة هي كشف تفاصيل الآليات التنفيذية للاتفاق، وهو ما لم تحدد له الأطراف الثلاثة بعد موعدا معلنا. وغادر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان السعودية عقب التوقيع مباشرة، في وقت تتابع فيه العواصم الإقليمية تداعيات أول إطار دفاع جماعي من نوعه يجمع دولة عضوا في حلف الأطلسي، وقوة نووية آسيوية، وثقلا اقتصاديا خليجيا، في اتفاقية واحدة.
المصادر
- الجزيرة نت (موسوعة) – اتفاقية مكة للدفاع المشترك: تحالف ردعي بين السعودية وباكستان وتركيا
https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2026/8/7/اتفاقية-مكة-للدفاع-المشترك-تحالف-ردعي – تم الاطلاع عليه في 7 أغسطس 2026 - سي إن إن بالعربية – السعودية وتركيا وباكستان توقع اتفاقية مكة للدفاع المشترك: إليكم أبرز أهدافها
https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2026/08/07/saudi-arabia-turkey-pakistan-sign-mecca-agreement-for-joint-defense – تم الاطلاع عليه في 7 أغسطس 2026 - سكاي نيوز عربية – توقيع اتفاقية للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان
https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1884946 – تم الاطلاع عليه في 7 أغسطس 2026 - فيتوغيت (نقلا عن بيان الرئاسة التركية) – أنقرة عن اتفاقية مكة للدفاع المشترك: أي هجوم على السعودية أو باكستان أو تركيا يعد هجوما على الجميع
https://www.vetogate.com/5708298 – تم الاطلاع عليه في 7 أغسطس 2026 - فيتوغيت – بيانات صادرات الصناعات الدفاعية التركية والإنفاق العسكري الباكستاني
https://www.vetogate.com/5708301 – تم الاطلاع عليه في 7 أغسطس 2026 - الدستور (نقلا عن تقرير لوكالة أسوشيتد برس) – اتفاقية مكة للدفاع المشترك ليست موجهة ضد أحد ومفتوحة لانضمام آخرين
https://www.dostor.org/5659942 – تم الاطلاع عليه في 7 أغسطس 2026
أحمد ناصر



