جاء البيان، الذي نشرته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية إرنا وتناقلته قناة برس تي في، بعد يومين فقط من إعلان مجلس السلام الذي يرأسه ترامب التوصل إلى اتفاق مع حماس وفصائل فلسطينية أخرى بشأن خارطة طريق لنزع السلاح في قطاع غزة. وبحسب النص الذي اطلعت عليه وكالة الأنباء الهندية ANI، وصف الحرس الثوري المؤامرة الرامية إلى نزع سلاح حماس بأنها لن تذهب إلى أي مكان وقد فشلت بالفعل منذ منطلقها.
بيان الذكرى الثانية: تعهد إيراني متجدد بالرد
في نص البيان، اعتبر الحرس الثوري اغتيال هنية في طهران، في 31 يوليو 2024 خلال زيارته لحضور مراسم تنصيب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، جريمة كبرى وانتهاكا صارخا لمبادئ القانون الدولي وللسيادة الوطنية الإيرانية. ولم يكتف البيان بذلك، فقد ربط اغتيال هنية بمصير الزعيم الأعلى السابق علي خامنئي، الذي قُتل بدوره في 28 فبراير 2026 خلال ضربات جوية أمريكية إسرائيلية مشتركة استهدفت مجمعه في طهران، ضمن حملة عسكرية واسعة سعت واشنطن وتل أبيب من خلالها إلى تفكيك القدرات النووية والصاروخية الإيرانية.
وخلص البيان إلى أن الرد على اغتيال هنية وخامنئي حتمي وسيكون قاسيا وساحقا، من دون تحديد توقيت أو شكل لهذا الرد. هذه الصياغة تكرر نمطا دأب عليه الحرس الثوري منذ اغتيال هنية عام 2024، حين انتظرت طهران قرابة شهرين قبل أن تطلق أكثر من 80 صاروخا باليستيا على إسرائيل في أكتوبر من العام نفسه، فيما لا يزال الرد على اغتيال خامنئي، الذي خلفه نجله مجتبى خامنئي كزعيم أعلى ثالث للجمهورية الإسلامية في مارس 2026، معلقا حتى الآن.
خطة ترامب لنزع سلاح حماس تدخل مرحلة حرجة
يأتي بيان الحرس الثوري في توقيت لا يبدو عشوائيا. فقبل أيام قليلة، أعلن مجلس السلام الذي أنشأه ترامب بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 التوصل إلى ما وصفه الرئيس الأمريكي باتفاق تاريخي لنزع السلاح الكامل لحماس وسائر الفصائل المسلحة في غزة. وبحسب وثيقة اطلعت عليها قناة الجزيرة، يقضي الاتفاق بتسليم الأسلحة إلى لجنة وطنية مكلفة بإدارة القطاع، على أن يبدأ التسليم بأسلحة الشرطة أولا، وأن تُعد خارطة طريق دقيقة خلال 14 يوما قابلة للتمديد.
غير أن حماس اشترطت تنفيذ الاتفاق بوفاء إسرائيل بالتزاماتها، وفي مقدمتها الانسحاب التدريجي من الأراضي التي لا تزال قواتها منتشرة فيها. في المقابل، لم توافق إسرائيل علنا بعد على تفاصيل خارطة الطريق، ووصف مصدر سياسي إسرائيلي، في تصريحات لوكالة رويترز، الإعلان الأمريكي بأنه لا يزال بعيدا عن التطبيق الفعلي. هذا التباين بين الأطراف يفسر جزئيا حدة لهجة الحرس الثوري، الذي يسعى إلى تصوير أي اتفاق لنزع السلاح على أنه مشروع محكوم عليه بالفشل سلفا.
ثلاثة مواقف متباعدة حول مستقبل السلاح في غزة
تتوزع مواقف الأطراف المعنية بملف نزع السلاح على ثلاثة محاور متباينة. فواشنطن، عبر مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، تصر على أن حماس ملزمة بالامتثال الكامل لالتزاماتها، بما في ذلك إعادة آخر رفات لأحد الرهائن الإسرائيليين، محذرة من أن أي تقاعس سيحمل عواقب جسيمة. أما إسرائيل، فقد اعتبر رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو الإعلان الأمريكي عن دخول المرحلة الثانية إجراء رمزيا إلى حد بعيد، في مؤشر على تحفظه حيال الجدول الزمني المقترح.
من جهتها، تقف طهران على طرف ثالث من المعادلة، فهي لا تشارك مباشرة في مفاوضات نزع السلاح لكنها تحرص على تأكيد استمرار نفوذها في الملف الفلسطيني عبر بياناتها المتكررة. وهنا يكمن ما يستحق التوقف عنده في بيان الحرس الثوري الأخير: الأمر لا يتعلق فقط بإعادة تأكيد موقف تكرر مرارا منذ عامين، بل يمثل اختيارا مدروسا للتوقيت، إذ تعمد طهران إلى إصدار بيانها في اللحظة نفسها التي يُعلن فيها عن اتفاق نزع السلاح، لتذكّر بأنها لا تزال طرفا فاعلا في المعادلة الإقليمية رغم خسارتها زعيمها الأعلى قبل أشهر قليلة فقط.
الحرس الثوري يتحدث أيضا عن غزة ولبنان وواشنطن
لم يقتصر بيان الحرس الثوري على ملف نزع السلاح، إذ اتهم البيان الولايات المتحدة وعددا من الحكومات الغربية والإقليمية بالتواطؤ في الحرب التي تشنها إسرائيل، معتبرا أن استمرار الدعم العسكري والسياسي الشامل يجعل منها شريكة في ارتكاب الجرائم. وأشار البيان إلى امتداد ما وصفه بجرائم إسرائيل من قطاع غزة إلى جنوب لبنان، ثم إلى ما سماه الحربين المفروضتين على إيران نفسها، في إشارة إلى المواجهتين العسكريتين اللتين خاضتهما طهران مع إسرائيل والولايات المتحدة خلال عام 2025 ومطلع عام 2026.
وأضاف البيان أن استشهاد هنية لم يضعف حركة حماس بل عزز تماسكها ورسّخ حضورها الإقليمي والدولي، وهو ما يعكس الخط الرسمي الذي دأبت طهران على تبنيه منذ اغتيال هنية، والذي يصور كل خسارة قيادية بأنها محطة تراكمية في مسار المقاومة لا نهاية له.
ما الذي يمكن ترقبه في الأسابيع المقبلة
يبقى مصير خارطة الطريق التي أُعلن عنها نهاية يوليو 2026 معلقا على مدى التزام الأطراف بمهلة الأربعة عشر يوما المحددة لإعداد تفاصيلها التنفيذية، وهي المهلة القابلة للتمديد بموافقة الهيئة الدولية للتحقق وجميع الأطراف المعنية. كما تترقب الأوساط الدبلوماسية ما إذا كانت إسرائيل ستقدم موقفا رسميا أكثر وضوحا من الاتفاق، بعدما اكتفت حتى الآن بتصريحات متحفظة من رئيس وزرائها.
على الجانب الإيراني، لا يزال التساؤل قائما حول الشكل الذي سيتخذه الرد الذي تصفه طهران بالحتمي على اغتيال خامنئي وهنية، في ظل غياب أي مؤشر ملموس حتى الآن على عملية عسكرية وشيكة، وسط انشغال القيادة الإيرانية الجديدة بترتيب أوضاعها الداخلية بعد التحول القيادي الذي فرضته ضربات فبراير 2026.
المصادر
- وكالة إرنا (IRNA) – بيان الحرس الثوري الإيراني بمناسبة الذكرى الثانية لاغتيال إسماعيل هنية
https://www.globalsecurity.org/wmd/library/news/iran/2026/08/iran-260802-irna05.htm – تاريخ الاطلاع: 3 أغسطس 2026 - قناة برس تي في – تفاصيل بيان الحرس الثوري بشأن نزع سلاح حماس
https://www.presstv.co.uk/Detail/2026/08/02/773587/IRGC-Haniyeh-anniversary-statement-Hamas-disarmament – تاريخ الاطلاع: 3 أغسطس 2026 - وكالة الأنباء الهندية ANI (عبر Big News Network) – نص تصريحات الحرس الثوري
https://www.bignewsnetwork.com/news/279219975/irgc-says-hamas-disarmament-plan-will-not-go-anywhere – تاريخ الاطلاع: 3 أغسطس 2026 - الجزيرة – تفاصيل اتفاق نزع سلاح حماس عبر مجلس السلام
https://www.aljazeera.com/news/2026/7/31/gaza-board-of-peace-announces-hamas-disarmament-agreement-what-we-know – تاريخ الاطلاع: 3 أغسطس 2026 - الجزيرة – تفاصيل عملية اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي
https://www.aljazeera.com/news/2026/3/3/inside-the-us-israel-plan-to-assassinate-irans-khamenei – تاريخ الاطلاع: 3 أغسطس 2026 - مجلس العلاقات الخارجية (CFR) – دليل خطة ترامب لغزة من عشرين نقطة
https://www.cfr.org/articles/guide-trumps-twenty-point-gaza-peace-deal – تاريخ الاطلاع: 3 أغسطس 2026
أحمد ناصر



