نشرت إدارة العمل السياسي في اللجنة العسكرية المركزية الصينية، بالاشتراك مع هيئة الفضاء الإلكتروني الصينية ومجموعة الإعلام الصيني، مقطع فيديو الثلاثاء يُظهر القاذفة وهي تحلق ضمن تشكيل جوي محمي. ولم يكشف الجيش الصيني عن تاريخ التقاط اللقطات ولا عن اسم التدريب الذي جرى خلاله التحليق، وهو ما يتوافق مع سياسة السرية التي تحيط عادة بمنظومات الردع النووي الصينية.
لقطات تُظهر للمرة الأولى صاروخا نوويا معلقا تحت قاذفة حية
يختلف هذا العرض عن سابقه: ففي استعراض بكين العسكري في الثالث من سبتمبر 2025، عُرض صاروخ جيه إل-1 على منصة نقل ثابتة، فيما حلقت قاذفات إتش-6 إن فوق الميدان من دون أن تحمل أي صاروخ ظاهر. أما اللقطات الجديدة فهي أول مرة يظهر فيها سلاح ضخم يشبه جيه إل-1 معلقا فعليا تحت جسم قاذفة تحلق في الجو، وفق ما ذكرته منصة زامين المتخصصة في الشؤون الدفاعية. ولم تؤكد بكين رسميا أن السلاح الظاهر في الفيديو هو بالضبط جيه إل-1، إذ يرى محللون غربيون أنه قد يكون طرازا آخر من الصواريخ الباليستية الجوية، بينها نسخة تقليدية غير نووية.
تندرج اللقطات ضمن سيناريو قتالي محاكى يصور ضربة منسقة تستهدف تشكيلا بحريا معاديا، ضمن حلقة أخيرة من سلسلة وثائقية بثتها قناة التلفزيون المركزي الصيني تحت عنوان النصر. ويظهر في المشهد ذاته مدمرة من طراز تايب-052D وهي تطلق صاروخا فرط صوتي مضادا للسفن من طراز واي جيه-20، إلى جانب صاروخين باليستيين مضادين للسفن من طراز دونغ فينغ-21 دي، وصاروخ واي جيه-12 الأسرع من الصوت المطلق من الجو. وبحسب وكالة الأنباء الصينية الرسمية شينخوا، يهدف هذا العرض المشترك إلى إبراز قدرة القوات الصينية على تبادل معلومات الاستهداف في الزمن الحقيقي بين منصات جوية وبحرية وبرية مختلفة، لا الاعتماد على سلاح منفرد.
من عرض تذكاري إلى قدرة تشغيلية معلنة
يعود ظهور صاروخ جيه إل-1، الذي يعني اسمه الصيني جينغ لي أو الرعد الصاعق، إلى استعراض عسكري أقيم في بكين في الذكرى الثمانين لانتصار الحلفاء على اليابان الإمبراطورية، حيث عُرض للمرة الأولى إلى جانب صاروخ جو لانغ-3 المطلق من الغواصات، وثلاثة طرز من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات البرية، هي دونغ فينغ-31 بي جيه، ودونغ فينغ-61، ودونغ فينغ-5 سي. قبل ذلك العرض، لم تكن القوات الجوية الصينية تمتلك منصة جوية معلنة قادرة على حمل رأس حربي نووي، وهي فجوة وصفها مراقبون عسكريون بأنها الحلقة المفقودة في منظومة الردع الصينية.
يمنح الجمع بين قاذفة إتش-6 إن، القادرة على التزود بالوقود جوا، وصاروخ جيه إل-1 الذي تقدر تقارير غربية مداه بنحو 8 آلاف كيلومتر، بكين خيارا استراتيجيا لتنفيذ ضربات بعيدة المدى من دون الاعتماد حصرا على الصوامع الأرضية أو الغواصات النووية. فإطلاق الصاروخ من ارتفاع وسرعة القاذفة يمنحه مدى إضافيا يفوق ما تحققه صواريخ مماثلة تطلق من الأرض أو من البحر، وهو ما يجعل هذه المنصة أداة ردع أكثر مرونة من الناحية الجغرافية.
رسالة إلى حاملات الطائرات الأمريكية في المحيط الهادئ
تكتسب مشاهد الضربة المحاكاة ضد التشكيل البحري المعادي دلالة إضافية في سياق التوترات المتصاعدة حول مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي. ويرى محللون عسكريون غربيون أن الجمع بين صواريخ مضادة للسفن تطلق من البر والبحر والجو يندرج ضمن استراتيجية صينية طويلة الأمد تُعرف بمنع الوصول وحرمان المنطقة، تهدف إلى إبعاد حاملات الطائرات الأمريكية عن السواحل الصينية ورفع كلفة أي تدخل عسكري محتمل قرب تايوان. ولا تثبت اللقطات المنشورة نشر هذه المنظومات على نطاق واسع عبر القوات الصينية، لكنها تؤكد، بحسب الخبراء أنفسهم، أن بكين باتت تملك على الأقل جزءا تشغيليا من هذه القدرة، وهو ما يعقّد حسابات القيادة الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
بكين توسّع ترسانتها في وقت تتزايد فيه التقديرات الأمريكية
لا ينفصل هذا الكشف عن مسار أوسع لتحديث الترسانة النووية الصينية. فبحسب تقرير نشرته مجلة نشرة العلماء الذريين في يوليو 2026، يقدَّر مخزون الصين من الرؤوس النووية بنحو 620 رأسا، موزعة بين منصات برية وبحرية وجوية، مقارنة بتقدير رسمي لوزارة الدفاع الأمريكية وضعها في الستمائة المنخفضة حتى نهاية 2024. وتتوقع تقارير البنتاغون أن يتجاوز هذا المخزون الألف رأس نووي بحلول عام 2030، في ما وصفه مسؤولون أمريكيون بأنه أسرع توسع نووي تشهده أي دولة منذ نهاية الحرب الباردة.
يضاف هذا التطور الجوي إلى تحديثات موازية في الذراعين البرية والبحرية، إذ تعمل الصين على استبدال غواصاتها من طراز تايب-094 بجيل جديد يحمل اسم تايب-096، فيما واصلت الأقمار الصناعية الأمريكية رصد إنشاء حقول جديدة من صوامع الصواريخ العابرة للقارات في غرب البلاد. ولا تكشف بكين رسميا عن تفاصيل عقيدتها النووية، لكن التقارير الغربية تجمع على أن هذا التوسع يهدف إلى تعزيز قدرة الصين على تنفيذ ضربة ثانية موثوقة، أي القدرة على الرد بعد تعرضها لهجوم نووي مباغت.
غموض تقني يحيط بمواصفات الصاروخ الجديد
لم تنشر وزارة الدفاع الصينية أي بيانات تقنية رسمية عن جيه إل-1، لا في ما يخص وزنه أو نوع الرأس الحربي الذي يحمله أو مداه الدقيق، مكتفية بوصفه في الإعلام الرسمي بأنه صاروخ باليستي يشكل جزءا من المكون الجوي للردع النووي الصيني. ويبقى عدد النسخ التي دخلت الخدمة الفعلية، وتاريخ بدء تشغيلها العملياتي الكامل، من بين المعلومات التي لم تُعلن حتى الآن. ويرجّح خبراء عسكريون أن يمنح تعليق هذا الصاروخ على قاذفة حية بكين قدرة على إعادة نشر أسلحتها الجوية بين قواعد مختلفة.
تكتسب هذه الخطوة دلالة إضافية في ضوء توقيت نشرها، إذ تأتي بعد أقل من شهر من إعلان البحرية الصينية اختبار صاروخ باليستي عابر للقارات أطلق من غواصة نووية في المحيط الهادئ، في يوليو 2026. ويشير هذا التتابع إلى أن بكين تسعى إلى إظهار تقدم متزامن في مكونات ردعها الثلاثة، لا في مكون واحد بمعزل عن الآخرين، بما ينسجم مع هدف معلن للرئيس الصيني شي جين بينغ ببناء جيش عالمي المستوى بحلول عام 2049.
ولم تصدر وزارة الدفاع الأمريكية حتى الآن أي تعليق رسمي على اللقطات الجديدة. وتبقى المرحلة المقبلة مرهونة بما إذا كانت بكين ستكشف عن مزيد من التفاصيل التقنية لهذا الصاروخ، أو ستكتفي بعرضه بشكل متقطع ضمن أشرطة وثائقية موجهة لإظهار جاهزية قواتها، على غرار ما جرى هذا الأسبوع.
المصادر
- China Daily – PLA’s airborne nuclear strike system shown
https://www.chinadaily.com.cn/a/202608/06/WS6a73c4c4a310986e2b4692b3.html – تم الاطلاع عليه في 7 أغسطس 2026 - آر تي عربي – الصين تكشف لأول مرة قدرتها على شن ضربة نووية جوية
https://rtarabic.com/world/1817648-الصين-تكشف-لأول-مرة-قدراتها-على-شن-ضربة-نووية-جوية-فيديو/ – تم الاطلاع عليه في 7 أغسطس 2026 - Zamin.uz – Bomber and Stealth Fighter in Frame: What Signal Did China Send?
https://zamin.uz/en/world/216125-bomber-and-stealth-fighter-in-frame-what-signal-did-china-send.html – تم الاطلاع عليه في 7 أغسطس 2026 - Bulletin of the Atomic Scientists – Chinese nuclear weapons, 2026
https://thebulletin.org/premium/2026-07/chinese-nuclear-weapons-2026/ – تم الاطلاع عليه في 7 أغسطس 2026 - الشرق للأخبار (Asharq) – الصين تستكمل ثالوثها النووي بصاروخ «جيه إل-1»
https://al-ain.com/article/china-full-nuclear-triad-jl1-missile – تم الاطلاع عليه في 7 أغسطس 2026
سارة خليل



