لماذا هذا مهم
تأتي الزيارة بعد ثلاثة أيام فقط من إعلان الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، وقبل أسابيع من أول منتدى أعمال جزائري أميركي مقرر نهاية نوفمبر. تكرار حضور بولس إلى الجزائر ثلاث مرات منذ يوليو 2025 يضعها ضمن محطات ثابتة في تحركاته الإفريقية، في وقت توسع فيه واشنطن انخراطها في ملفي ليبيا والساحل عبر القناة الدبلوماسية نفسها.
زيارة ثالثة إلى الجزائر في أقل من 14 شهرا
استقبل الوزير الأول سيفي غريب مسعد بولس الأحد نفسه، بحضور وفدين رفيعي المستوى من البلدين، بحسب بيان رسمي نشره الموقع الحكومي. وأكدت السفارة الأميركية بالجزائر، في بيان منفصل، أن الزيارة تندرج ضمن التزام واشنطن بمواصلة التعاون مع الجزائر ودعم الاستقرار في المنطقة. وأشارت السفارة إلى أن الشراكة المتنامية بين البلدين في مجال الطاقة تسهم في تحقيق ازدهار مشترك. وسبق بولس زيارتان سابقتان إلى الجزائر، في يوليو 2025 ويناير 2026. وفي تصريحات بثها التلفزيون الرسمي ونقلتها وكالة الأنباء الجزائرية، وصف بولس الجزائر بأنها “شريك مهم للولايات المتحدة في تعزيز الأمن الإقليمي” وتوسيع الفرص الاقتصادية.
من هو مسعد بولس؟
ولد مسعد بولس عام 1971 في قرية كفرعقا بقضاء الكورة شمال لبنان، لعائلة مسيحية أرثوذكسية معروفة في المنطقة. انتقل في شبابه إلى تكساس حيث درس القانون في جامعة هيوستن، وبنى مسيرة أعمال في نيجيريا قبل أن يصبح مستشارا غير رسمي لحملة ترامب الانتخابية. ابنه مايكل بولس متزوج من تيفاني ترامب، ما يجعله نسيبا للرئيس الأميركي. عينه ترامب في ديسمبر 2024 مستشارا أول للرئيس لشؤون العرب والشرق الأوسط، ثم أضافت وزارة الخارجية الأميركية إلى مهامه في أبريل 2025 صفة مستشار أول لشؤون إفريقيا. قاد بولس قبل زيارته الأخيرة اتفاق سلام بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، ويشرف منذ منتصف 2025 على مبادرة أميركية لتوحيد المؤسسات الليبية.
الساحل يتصدر الأجندة بعد مصالحة الجزائر مع باماكو ونيامي
يأتي التركيز الأميركي على الأمن الإقليمي في وقت توسع فيه الجزائر انخراطها المباشر في ملف الساحل. أرسلت الجزائر في أواخر أغسطس أربع مقاتلات من طراز سوخوي سو-30 إلى نيامي لدعم الجيش النيجري في مواجهة محاولة زعزعة استقرار. جاء ذلك بناء على تعليمات الرئيس تبون وطلب السلطات النيجرية، بحسب وزارة الدفاع الجزائرية، وهي المرة الأولى التي تنشر فيها الجزائر مقاتلات بأطقمها في بلد أجنبي منذ الاستقلال. كما استعادت الجزائر علاقاتها مع مالي بعد قطيعة بدأت في أبريل 2025 إثر إسقاط طائرة مسيرة مالية. وسعت إلى إحياء لجنة الأركان العملياتية المشتركة التي أسستها في تمنراست عام 2010 مع مالي والنيجر وموريتانيا. هذا التحول في العقيدة العسكرية الجزائرية، من الدفاع عن الحدود إلى التدخل المحسوب خارجها، يفسر جزئيا اهتمام واشنطن بالتنسيق مع الجزائر في الملف نفسه.
ليبيا بين توحيد المؤسسات ورفض المجلس الأعلى للدولة
يشرف بولس منذ صيف 2025 على مبادرة أميركية لإنهاء الانقسام الليبي، تقوم على توحيد السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية بين شرق البلاد وغربها. تتضمن الخطة، بحسب ما تداولته تقارير عربية، تشكيل مجلس رئاسي جديد برئاسة صدام حفتر نائب قائد الجيش الليبي، ودمج الحكومتين المتنافستين تحت قيادة عبد الحميد الدبيبة. وقع الطرفان بالفعل اتفاقية لتوحيد ميزانية الدولة في 10 أبريل 2026، وشاركا في مناورات “فلينتلوك 2026” التي أشرفت عليها القيادة الأميركية في إفريقيا بمدينة سرت. لكن المجلس الأعلى للدولة رفض في بيان أي تسوية سياسية تبرم خارج نصوص الاتفاق السياسي الليبي المعتمد. ويصف بولس نفسه المبادرة بأنها “حل قصير لا يتعدى العامين إلى ثلاث سنوات” كمرحلة انتقالية. يرى الباحث فريدريك ويري من مؤسسة كارنيغي أن الجديد في التحرك الأميركي هو الانتقال من دعم جهود الأمم المتحدة عن بعد إلى وساطة مباشرة يقودها مستشار رئاسي.
الطاقة والتجارة: أجندة مكتظة حتى نهاية نوفمبر
بلغت المبادلات السلعية بين الجزائر والولايات المتحدة 3.5 مليارات دولار خلال 2025. ووضع مجلس الأعمال الأميركي الجزائري أجندة اقتصادية تمتد من 15 أكتوبر إلى 30 نوفمبر 2026. تشمل الأجندة منتدى للطاقة في مدينة ليك تشارلز بولاية لويزيانا بالتزامن مع قمة أميركية للغاز المسال، وبعثة لمتعاملين زراعيين جزائريين إلى جورجيا، ثم أول منتدى أعمال جزائري أميركي مشترك مع بعثة تجارية متعددة القطاعات. وناقش وزير المحروقات محمد عرقاب، في لقاءات سابقة مع مسؤولين أميركيين، توسيع شراكة سوناطراك مع إكسون موبيل وشيفرون وأوكسيدنتال بتروليوم في استكشاف الحقول وتطويرها. وأبدت شركة كا بي آر الهندسية اهتمامها بإنشاء قاعدة محلية في الجزائر.
الصحراء الغربية: غياب عن البيانات الرسمية وحضور على منصة إكس
لم تتطرق بيانات الرئاسة والوزير الأول والسفارة الأميركية الصادرة عقب الزيارة إلى ملف الصحراء الغربية بصورة علنية. في المقابل، كتب المستشار الأميركي للشؤون العربية والإفريقية على حسابه في منصة إكس يوم 11 سبتمبر أن الجانبين أكدا ضرورة العمل من أجل حل دائم ومقبول من الطرفين. أضاف بولس أن هذا الحل يجب أن يتماشى مع قرار مجلس الأمن رقم 2797. اعتمد مجلس الأمن هذا القرار في 31 أكتوبر 2025 بتأييد 11 صوتا وامتناع روسيا والصين وباكستان، ودون مشاركة الجزائر في التصويت، وهو يستند إلى مبادرة الحكم الذاتي المغربية لعام 2007 كأرضية للتفاوض. الفارق بين ما ورد في البيانات الرسمية للزيارة وما نشره بولس على حسابه الشخصي يبقى ملحوظا. ولا تتوفر حتى الآن تفاصيل عن مضمون النقاش المغلق بين تبون وبولس حول هذه النقطة تحديدا.
لماذا الآن؟ ما هو مؤكد وما يبقى تفسيرا مطروحا
المؤكد أن الزيارة الثالثة لبولس تتزامن مع نضج عدة ملفات في وقت واحد. هناك دفعة أميركية جديدة في الملف الليبي، وتوسع جزائري ميداني في الساحل، وأجندة اقتصادية ثنائية مكتظة حتى نهاية العام. وقد سبقت هذه الزيارة بثلاثة أيام فقط قطيعة الجزائر مع الإمارات. بعض التعليقات ربطت التوقيت برسالة أميركية ضمنية بشأن هذه القطيعة. غير أن هذا الربط يبقى تأويلا لم يصدر عنه أي تأكيد رسمي من واشنطن أو الجزائر، ولا يستند إلى أكثر من تزامن التواريخ. الثابت وحده هو المحطات القادمة على الأجندة: منتدى الطاقة في لويزيانا يوم 15 أكتوبر، ومنتدى الأعمال الجزائري الأميركي الأول يومي 29 و30 نوفمبر. هذان الموعدان هما الاختباران اللذان سيظهران ما إذا كان الدفء السياسي سيتحول إلى مكاسب اقتصادية ملموسة.
المصادر
- السفارة الأميركية بالجزائر – بيان حول زيارة مسعد بولس
https://www.awras.com/السفارة-الأمريكية-تكشف-تفاصيل-زيارة-ب/
تم الاطلاع عليه في 14 سبتمبر 2026 - الموقع الحكومي الجزائري – بيان استقبال الوزير الأول سيفي غريب لمسعد بولس
https://elmawkie.dz/الوزير-الأول-يستقبل-مسعد-بولس/
تم الاطلاع عليه في 14 سبتمبر 2026 - يبيلادي – تصريحات مسعد بولس حول الصحراء الغربية وقرار مجلس الأمن 2797
https://ar.yabiladi.com/articles/details/202745/مسعد-بولس-في-الجزائر-لقاء.html
تم الاطلاع عليه في 14 سبتمبر 2026 - صحيفة الشرق الأوسط – خطة مسعد بولس لإعادة توحيد ليبيا
https://aawsat.com/العالم-العربي/شمال-افريقيا/5296849
تم الاطلاع عليه في 14 سبتمبر 2026 - أفريكا برس – إرسال الجزائر مقاتلات سوخوي إلى نيامي
https://www.africa-press.net/ar/articles/الجزائر-والنيجر-هل-بدأ-زمن-الوجود-العس
تم الاطلاع عليه في 14 سبتمبر 2026 - تادامسا نيوز – الأجندة الاقتصادية الجزائرية الأميركية حتى نهاية نوفمبر 2026
https://tadamsanews.dz/شركات-أميركية-تتجه-إلى-الجزائر-3-مواعي/
تم الاطلاع عليه في 14 سبتمبر 2026 - ويكيبيديا العربية – نص قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025
https://ar.wikipedia.org/wiki/قرار_مجلس_الأمن_التابع_للأمم_المتحدة_رقم_2797
تم الاطلاع عليه في 14 سبتمبر 2026
أحمد ناصر – مجلة الاحرار



