الرئيسيةحقوق الإنسانالحرياتكيف تحوّلت أغنية الراب لزكرياء قارة سليمان عن الحڤرة والحرقة إلى تهمة...

كيف تحوّلت أغنية الراب لزكرياء قارة سليمان عن الحڤرة والحرقة إلى تهمة إهانة الرئيس؟

حكمت محكمة تلمسان، في جلسة استعجالية عُقدت يوم 29 أغسطس 2026، بسجن مغني الراب زكريا قارة سليمان، المعروف باسمه الفني ZD4، لمدة سنة نافذة، على خلفية أغنية نشرها في يونيو من العام نفسه. وجاء الحكم بعد توقيفه بيوم واحد فقط، ضمن سلسلة متصاعدة من الملاحقات القضائية التي طالت فنانين جزائريين بسبب أعمالهم الفنية خلال الأشهر الأخيرة.

يكتسب هذا الحكم أهمية خاصة لأنه يطال فنانا شابا تناول في أغنيته قضايا اجتماعية مشتركة بين الجزائريين والمغاربة، من الفقر إلى الهجرة غير النظامية. كما يأتي الحكم بعد شهر واحد فقط من إيداع مغني الراب أمين بوقندورة الحبس لأسباب مشابهة، وهو ما يعيد إلى الواجهة نقاشا متكررا حول حدود حرية التعبير الفني في الجزائر. وبحسب منظمة شعاع لحقوق الإنسان، فإن توجيه تهمة جنائية لفنان بسبب كلمات أغنية يطرح إشكالية استخدام العقوبات السالبة للحرية لمعاقبة التعبير الفني والسياسي.

أفتح الخبر في ليلة أغسطس حارة، وأول ما يستوقفني ليس التهمة، بل الاسم الذي اختاره الشاب لنفسه: ZD4، أربعة حروف وأرقام، لا اسم قبيلة ولا لقب عائلة، فقط رمز يشبه رموز الشوارع التي كتب عنها. زكريا قارة سليمان يصف نفسه، في صفحته على إنستغرام، بعبارة إنجليزية قصيرة هي TLEMCEN STREET، أي تقريبا شارع تلمسان. لم يكن يعلم، حين كتبها، أن هذا الشارع نفسه سيقوده، بعد أشهر قليلة، إلى قاعة محكمة.

في 28 أغسطس 2026، أوقفت الشرطة الشاب في تلمسان. استُجوب، وأودع الحراسة النظرية حتى صباح اليوم التالي، ثم قُدّم إلى وكيل الجمهورية لدى محكمة المدينة، الذي أحاله فورا على المحاكمة وفق إجراء المثول الفوري. في اليوم نفسه صدر الحكم: سنة سجنا نافذا، مع إيداعه الحبس على الفور. من التوقيف إلى زنزانة السجن، لم يمر سوى يوم واحد. هل يكفي يوم واحد لمحاكمة أغنية؟

الأغنية التي أوصلته إلى هناك نُشرت في يونيو الماضي، ولم تكن أغنية عن الشعارات ولا عن الزعماء. كانت عن الحڤرة، تلك الكلمة الجزائرية التي لا تحتاج إلى ترجمة لأن كل شاب يعرف وزنها: الإحساس بأن البلاد لا مكان فيها لك. وكانت عن الحرقة، عن الشباب الذين يركبون قوارب الموت بحثا عن أفق لا يجدونه على اليابسة. وكانت، فوق ذلك كله، عن المغرب أيضا، لا بوصفه خصما، بل بوصفه مرآة: شعب آخر يعاني، بحسب كلمات الأغنية، الحڤرة نفسها والحرقة نفسها.

في زمن تتوتر فيه العلاقة بين الجزائر والمغرب على مستوى الحكومتين، اختار زكريا أن يقول العكس: إن الشعبين يتشابهان في الألم أكثر مما يفترقان في السياسة. حرص، بحسب مضمون الأغنية كما نقلته منظمة شعاع لحقوق الإنسان، على التوضيح بأن انتقاده موجّه إلى أنظمة الحكم، لا إلى الشعبين. لم يكن يكتب خطاب عداء، بل كان يكتب، ربما دون أن يقصد ذلك بمصطلحات القانون، خطاب تقارب. فكيف تحوّلت دعوة إلى التقارب إلى تهمة إهانة رئيس الجمهورية؟

هنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف. العقوبة السالبة للحرية التي بررتها التهم الموجهة إلى زكريا تفترض أن كلماته شكّلت خطرا يستوجب الزجر. غير أن المعايير الدولية لحرية التعبير، كما ذكّرت بذلك منظمة شعاع لحقوق الإنسان في بيانها، تمنح حماية واسعة للخطاب السياسي، بما في ذلك العبارات التي قد تبدو لاذعة أو صادمة تجاه الشخصيات العامة. الفن الملتزم، من طبيعته، لا يكتب بلغة الدبلوماسيين. سليمان لم يكن دبلوماسيا، بل كان مغني راب يكتب بلغة الشارع، وهذا بالتحديد ما يمنح صوته قيمته: أنه صوت غير مصفّى، غير محسوب، ينقل الشارع كما هو لا كما ينبغي أن يكون.

حين تُستخدم تهمة إهانة رئيس الجمهورية لمحاسبة كلمات أغنية، لا تصبح المسألة قانونية بحتة فحسب، بل تتحول أيضا إلى سؤال عن طبيعة العلاقة بين السلطة والفن في بلد لا يزال الغناء الملتزم فيه يحمل ذاكرة أجيال من المطربين الذين غنّوا للثورة قبل أن يغنّوا للاحتجاج. من مقاطع لطفي دوبل كانون في التسعينيات إلى أغاني الحراك بعد 2019، ظل الراب الجزائري صوتا مواكبا للشارع أكثر منه صوتا موجّها ضد أشخاص بعينهم. وهذا بالضبط ما تشير إليه منظمة شعاع لحقوق الإنسان حين تعتبر أن وصف كلمات زكريا بأنها إهانة شخصية، لا نقدا سياسيا، يستحق أن يُطرح للنقاش.

قضية زكريا ليست الأولى من نوعها هذا العام، وربما لن تكون الأخيرة. قبل شهر واحد فقط، أودع مغني الراب أمين بوقندورة، المعروف باسمه الفني Guns، الحبس بثلاث سنوات سجنا نافذا من محكمة عين البيضاء، بعد أغنية انتقد فيها الوضع السياسي والاجتماعي، وطالت الانتخابات التشريعية التي جرت في يوليو الماضي. وقبله، عاشت الناشطة والمغنية جميلة بن طويس مسارا مشابها: أوقفت في مطار العاصمة وهي قادمة لحضور جنازة والدتها، وحُكم عليها لاحقا بسنتين سجنا نافذا بسبب أغنية عن الحراك، قبل أن يُفرج عنها ضمن تدابير عفو رئاسي. ثلاث قضايا، ثلاثة أصوات فنية مختلفة، وخيط واحد يربط بينها: كلمة غنّاها صاحبها فوجد نفسه خلفها في زنزانة.

أتساءل أحيانا كم أغنية تلزم لتغيير قانون، وكم صوتا يجب أن يخفت قبل أن يُطرح السؤال بصراحة. ليس زكريا قارة سليمان أول من غنّى عن الحڤرة، ولن يكون الأخير، لأن الحڤرة نفسها لم تختف من الشارع الذي غنّى له. اعتقاله لا يغلق الملف، بل يفتحه من جديد: ملف الحدود بين النقد الفني والتجريم، بين كلمة في أغنية وتهمة في محضر شرطة.

منذ 29 أغسطس، يقضي زكريا عقوبة السجن التي صدرت بحقه، بتهمة أغنية نُشرت قبل ذلك بنحو شهرين. وهذا وحده يكفي لطرح السؤال: ما الذي تغيّر بين يوم نشر الأغنية ويوم صدور الحكم بشأنها؟

المصادر

  1. منظمة شعاع لحقوق الإنسان (SHOAA for Human Rights) – بيان “الرابور زكريا قارة سليمان المعروف بـ ZD4 مسجون بسبب أغنية” – تم الاطلاع عليه في 7 سبتمبر 2026
    https://shoaa.org/fr/le-rappeur-zakaria-kara-slimane-connu-sous-le-nom-de-zd4-emprisonne-en-raison-dune-chanson/
  2. الحساب الرسمي لـ ZD4 على إنستغرام (للتحقق من هوية الفنان ومكان إقامته) – تم الاطلاع عليه في 7 سبتمبر 2026
    https://www.instagram.com/zd4_officiel/
  3. منظمة شعاع لحقوق الإنسان – بيان حول إدانة أمين بوقندورة “Guns”، محكمة عين البيضاء، 30 يوليو 2026 – تم الاطلاع عليه في 7 سبتمبر 2026
    https://x.com/shoaa_org/status/2082961714455228512
  4. لجنة العدالة (Committee for Justice) – بيان حول إدانة أمين بوقندورة بثلاث سنوات سجنا – تم الاطلاع عليه في 7 سبتمبر 2026
    https://www.cfjustice.org/fr/algerie-committee-for-justice-la-condamnation-du-rappeur-amin-bougandoura-a-trois-ans-de-prison-est-une-atteinte-grave-a-la-liberte-dexpression-artistique/
  5. منظمة شعاع لحقوق الإنسان – بيان إدانة الناشطة جميلة بن طويس بعامين حبسا نافذا، 4 يوليو 2024 – تم الاطلاع عليه في 7 سبتمبر 2026
    https://shoaa.org/ar/activist-djamila-bentouis-sentenced-to-two-years-in-prison-ar/
  6. وكالة أنباء الأمم المتحدة بالعربية – دعوة خبراء أمميين إلى إلغاء حكم السجن الصادر بحق جميلة بن طويس – تم الاطلاع عليه في 7 سبتمبر 2026
    https://news.un.org/ar/story/2024/09/1135201

ليلى منصور – مجلة الأحرار

ليلى منصور – مجلة الأحرار

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

ليلى منصور
ليلى منصور
ليلى منصور صحفية عربية تهتم بقضايا المجتمع وحقوق الإنسان والمرأة والهجرة والتحولات الاجتماعية في المنطقة العربية. تركز في عملها على القصص الإنسانية والموضوعات التي تعكس أثر السياسات العامة في الحياة اليومية للمواطنين. تكتب بأسلوب يجمع بين الدقة الصحفية والاهتمام بالشهادات الميدانية، وتسعى إلى تقديم القضايا الاجتماعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والتناول السطحي
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة