في الثلاثين من أغسطس 2026، وجّه الرئيس عبد المجيد تبون بتعديل قانون العقوبات لإعادة تنفيذ حكم الإعدام بحق من تثبت إدانتهم بإضرام الحرائق عمدًا. وبعد أسبوع واحد فقط، اتسعت الدائرة: لم يعد الأمر مقتصرًا على مفتعلي الحرائق ومدبريها، بل أضيف إليهم مختطفو القاصرين والمنكّلون بهم، وفق بيان مجلس الوزراء الصادر في السادس من سبتمبر.
المشكلة ليست في بشاعة هذه الجرائم، ولا في حق المجتمع في حماية أطفاله ومعاقبة من يحرق الغابات ويعرّض حياة الناس للخطر. المشكلة في الطريقة التي يُعاد بها فتح باب الإعدام: إعلان رئاسي في أعقاب كارثة وطنية، ثم توسيع سريع لنطاقه، من دون نقاش عام جدي، ولا استشارة مستقلة للحقوقيين والمجتمع المدني، ولا دراسة معلنة للعواقب القانونية والإنسانية.
الأشد خطورة أن السلطات نفسها كانت قد أكدت، بعد اندلاع الحرائق، أن التحقيقات الأمنية والعلمية ما تزال جارية وأن نتائجها ستُعلن لاحقًا. أي إن الحكم السياسي سبق اكتمال التحقيق في الأسباب و المسؤوليات. وبدل أن يكون السؤال الأول هو: لماذا وقعت الكارثة، وهل كانت وسائل الوقاية والإنذار والتدخل كافية؟ جرى دفع النقاش مباشرة نحو المشنقة.
ثم إن الأمر لا يتعلق بعقوبة عادية يمكن تصحيح آثارها بعد ظهور خطأ قضائي. الإعدام قرار نهائي لا رجعة فيه. والجزائر، التي لم تنفذ حكمًا بالإعدام منذ عام 1993، تستعد اليوم للتراجع عن مسار امتد أكثر من ثلاثة عقود. قد يقال إن التنفيذ سيظل محصورًا في حالتين استثنائيتين. لكن ما الضمان؟ خلال أسبوع واحد، انتقل الخطاب من فئة واحدة إلى فئتين. وإذا كان توسيع النطاق ممكنًا بقرار سياسي سريع اليوم، فما الذي يمنع توسيعه غدًا تحت عنوان الإرهاب، أو أمن الدولة، أو حماية النظام العام؟
لا يوجد اليوم دليل يسمح بالجزم بأن معتقلي الرأي أو المعارضين السياسيين سيُعدمون في الجزائر. لكن وظيفة التحذير ليست انتظار وقوع الكارثة. ففي نظام تضيق فيه الحريات، وتُستعمل فيه اتهامات فضفاضة ضد ناشطين وصحفيين، يصبح منح السلطة أداة لا رجعة فيها مخاطرة لا يجوز الاستهانة بها.
والنموذج المصري حاضر أمامنا. فقد وثقت منظمات حقوقية تنفيذ أحكام إعدام في قضايا ذات طابع سياسي، وصدور أحكام جماعية عقب محاكمات وصفت بأنها بالغة الجور. وما تزال منظمة العفو الدولية تسجل في مصر أحكامًا بالإعدام، بعضها في جرائم لا تتضمن قتلًا عمديًا، بعد محاكمات افتقرت إلى ابسط شروط العدالة.
الجزائر ليست مصر بعد. لكن الطريق إلى التجربة المصرية لا يبدأ دائمًا بإعدام معارض سياسي. قد يبدأ بإعلان استثنائي يحظى بالتصفيق، ثم باستثناء ثانٍ يبدو مقبولًا، قبل أن تتسع الدائرة كلما احتاجت السلطة إلى عدو جديد. ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال: من يستحق الموت؟ بل: من يملك في دولة بلا رقابة سياسية حقيقية سلطة تحديد من يجب أن يموت؟
بقلم: سمير بلعطاش
كاتب مساهم / رأي
نشر ومراجعة: هيئة التحرير



