الرئيسيةالسياسةالعلاقات الدوليةماذا أرسلت الجزائر مقاتلات لدعم جيش النيجر؟ تحول جديد في معادلة الساحل

ماذا أرسلت الجزائر مقاتلات لدعم جيش النيجر؟ تحول جديد في معادلة الساحل

أرسلت الجزائر، صباح الأحد 30 أغسطس 2026، دوريتين من طائرات سوخوي-30 المقاتلة، أي أربع طائرات بمجموعها، إلى مطار ديوري حماني الدولي في نيامي، دعما لجيش النيجر بعد تمرد عسكري استهدف الليلة السابقة العاصمة النيجرية. الخطوة، التي وصفتها وزارة الدفاع الجزائرية بأنها "مهمة دعم" بناء على طلب السلطات النيجرية، هي الأولى من نوعها في تاريخ الجزائر التي طالما التزمت بمبدأ عدم التدخل العسكري خارج حدودها.

القرار يأتي في أعقاب مباشرة لتمرد عسكري كاد يطيح بنظام الجنرال عبد الرحمن تياني في نيامي، ويكشف عن تحول ملموس في العلاقة بين الجزائر والنيجر بعد أزمة دبلوماسية استمرت قرابة عام. الجزائر تشترك مع النيجر بحدود تمتد لنحو ألف كيلومتر، ما يجعل استقرار نيامي مسألة أمنية مباشرة على حدودها الجنوبية. المحللون، من جهتهم، يصفون العملية بأنها سابقة تكسر عقيدة عسكرية جزائرية قديمة، وإن ظلت الجزائر رسميا تصر على أن الأمر لا يتجاوز حدود الدعم اللوجستي والتقني.

بحسب بيان وزارة الدفاع الوطنية الجزائرية الصادر مساء الأحد، أمر الفريق أول سعيد شنقريحة، نائب وزير الدفاع الوطني ورئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، بناء على تعليمات الرئيس عبد المجيد تبون، القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع الوطني، بإرسال دوريتين من طائرات سوخوي-30 المقاتلة لمساندة الجيش النيجري في مواجهة ما وصفه البيان بـ”محاولة زعزعة استقرار” البلد الجار. رافقت الطائرات المقاتلة طائرة نقل عسكري من طراز إليوشن-76 وطائرة تزود بالوقود من طراز إليوشن-78، ووصلت جميعها إلى مطار نيامي في ساعات صباح الأحد. استقبل رئيس وزراء النيجر، محمان لامين زين، الطائرات الجزائرية شخصيا في المطار، ووجه بحسب البيان الرسمي شكره لتبون وللشعب الجزائري على هذا الدعم.

ماذا أرسلت الجزائر إلى النيجر؟

الدعم الجزائري الذي وصل الأحد لم يكن مقتصرا على المقاتلات وحدها. فقد تضمنت المهمة أربع طائرات سوخوي-30 موزعة على دوريتين، مع طائرتي إليوشن للنقل والتزود بالوقود، في عملية استغرقت أقل من ثمان وأربعين ساعة من وقوع أحداث نيامي إلى هبوط الطائرات على أرض النيجر. ولم يكن هذا الدعم الجوي الأول من نوعه خلال الأسابيع الأخيرة. ففي التاسع من أغسطس، أي قبل ثلاثة أسابيع فقط من إرسال المقاتلات، سلمت الجزائر الجيش النيجري أربع مروحيات، اثنتين من طراز مي-171 للنقل واثنتين من طراز مي-24 للهجوم، إلى جانب ذخائر ومعدات لوجستية، انطلقت من قاعدة عين قزام في الجنوب الجزائري. جاء إرسال المقاتلات إذن كخطوة ثانية في تسليح متدرج، أعقب زيارة رئيس وزراء النيجر إلى الجزائر يومي 26 و27 أغسطس، حيث التقى الرئيس تبون ومسؤولين جزائريين آخرين. ووصفت وزارة الدفاع الجزائرية العملية في بيانها بأنها ترجمة لـ”العلاقات الاستراتيجية” بين البلدين، خصوصا في المجال العسكري، من دون أن تحدد مدة بقاء الطائرات في الأراضي النيجرية أو طبيعة مهامها اليومية هناك.

ما الذي وقع في نيامي ليلة التمرد؟

اندلع التمرد مساء الجمعة 28 أغسطس واستمر حتى مساء اليوم التالي، حين حاولت مجموعة من الضباط، غالبيتهم من عناصر القوات الخاصة الشابة، السيطرة على مواقع استراتيجية في العاصمة النيجرية، أبرزها القاعدة الجوية 101 الملاصقة لمطار ديوري حماني، إضافة إلى محيط القصر الرئاسي والتلفزيون الوطني. تمكن المتمردون من السيطرة المؤقتة على القاعدة الجوية قبل أن يستعيدها الحرس الرئاسي الموالي للجنرال تياني، بمساعدة عناصر من “فيلق أفريقيا” الروسي، بعد ساعات من الاشتباكات. وأسفرت المواجهات عن اعتقال العشرات من الجنود المتمردين، بينما أشارت مصادر دبلوماسية نقلتها وكالة فرانس برس إلى مقتل عدد منهم. عاد الهدوء تدريجيا إلى نيامي مساء السبت، لكن الحادثة كشفت هشاشة النظام العسكري الحاكم منذ الانقلاب على الرئيس محمد بازوم في يوليو 2023، خصوصا أنها تأتي بعد هجومين سابقين استهدفا المطار نفسه في يناير ويونيو من العام ذاته، ونفذتهما جماعات جهادية لا علاقة لها بالتمرد الأخير.

لماذا يهم استقرار النيجر الجزائر؟

العلاقة بين الجزائر والنيجر مرت بمنعطف حاد قبل أن تصل إلى هذا التقارب العسكري. ففي أبريل 2025، أسقط الجيش الجزائري طائرة مسيرة مالية قرب تينزاوتين، ما دفع دول تحالف الساحل الثلاث، مالي والنيجر وبوركينا فاسو، إلى استدعاء سفرائها من الجزائر تضامنا مع باماكو، وردت الجزائر بالمثل تجاه نيامي وباماكو. استمرت القطيعة الدبلوماسية عشرة أشهر تقريبا، قبل أن تشهد العلاقات بين الجزائر والنيجر تحديدا انفراجا بدأ في فبراير 2026، حين زار الجنرال عبد الرحمن تياني الجزائر يومي 15 و16 من الشهر، تلتها في مارس دورة ثانية للجنة المختلطة الجزائرية النيجرية عقدت في نيامي. لم يقتصر هذا التقارب على الجانب السياسي، إذ أعيد إحياء مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء الرابط بين نيجيريا والجزائر عبر الأراضي النيجرية. في المقابل، نظرت باماكو إلى هذا التقارب بريبة واضحة، إذ تشتبه في احتفاظ الجزائر بعلاقات مع جماعات مسلحة موالية لتنظيم “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” الناشط في مالي، وهو ما يضع الجزائر في موقع حساس داخل تحالف الساحل نفسه الذي يضم النيجر.

هل تغيرت عقيدة الجزائر العسكرية في الساحل؟

يجمع عدد من المحللين المتابعين للشأن الأمني في الساحل على أن إرسال طائرات مقاتلة جزائرية بطواقمها إلى دولة أجنبية سابقة لم تشهدها الجزائر من قبل. فالبلد طالما قصر تعاونه العسكري الخارجي على تدريبات مشتركة محدودة مع مصر وتونس، ولم يرسل قواته القتالية إلى خارج حدوده. أكرم خريف، المحلل الجزائري المتخصص في الشؤون الدفاعية، سئل عما إذا كانت هذه الخطوة تعكس بروز بنية أمنية جديدة في الساحل محورها النيجر. فأجاب في تصريحات لقناة فرانس 24 أن «الأمر يتعلق، إلى حد ما، بالأمرين معا»، مشيرا إلى أن الجزائر تنسق مع الجيش النيجري تحديدا أكثر من سعيها لبناء ترتيب إقليمي جديد. ولفت إلى أن قوات روسية وإيطالية وتركية موجودة أصلا على الأراضي النيجرية من دون أي تنسيق معلن بين الجزائر وهذه الأطراف. الوزارة الجزائرية نفسها لم تستخدم في بيانها الرسمي أي وصف يتجاوز عبارة “مهمة دعم”، وتفادت أي إشارة إلى تغيير في السياسة الدفاعية المعلنة للبلاد.

ما حدود هذه المهمة الجزائرية؟

لا تحدد المعطيات المتاحة حتى الآن المدة التي ستقضيها المقاتلات الجزائرية في الأراضي النيجرية، ولا طبيعة مهامها اليومية هناك، سواء اقتصرت على الردع الجوي أم امتدت إلى عمليات ميدانية مباشرة ضد جماعات مسلحة. ويرجح مختصون أن طائرة التزود بالوقود انطلقت من قاعدة تمنراست، الواقعة على بعد نحو ألف وأربعمائة كيلومتر من نيامي، ما يمنح الدوريات مدى أطول للتحليق فوق الأراضي النيجرية. ولم تعلن الجزائر عن أي تنسيق رسمي مع القوات الروسية الموجودة في النيجر، رغم أن الطرفين يدعمان النظام نفسه في نيامي. تبقى هذه النقاط، إلى جانب مستقبل العلاقة مع مالي وبوركينا فاسو، من العناصر التي لم تحسمها المصادر المتاحة حتى تاريخ نشر هذا التقرير.

الدورة الثالثة للجنة المختلطة الجزائرية النيجرية، والتي لم يحدد لها موعد بعد، ستكون محطة مقبلة لقياس ما إذا كان هذا التقارب العسكري سيتحول إلى شراكة أمنية دائمة، أم أنه سيبقى استجابة ظرفية لأزمة نيامي الأخيرة.


المصادر

  1. وزارة الدفاع الوطنية الجزائرية (المصدر الرسمي) – بيان حول إرسال دوريتي طائرات مقاتلة لدعم الجيش النيجري
    https://www.mdn.dz/site_principal/sommaire/actualites/fr/2026/aout/niger30082026fr.php – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026
  2. وكالة الأنباء الجزائرية (واج) – الجزائر ترسل دوريتين من طائرات مقاتلة في مهمة دعم للجيش النيجري
    https://www.aps.dz/fr/algerie/actualite-nationale/mtg9blhq-l-algerie-envoie-deux-patrouilles-d-avions-de-chasse-en-mission-de-soutien-a-l-armee-nigerienne – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026
  3. فرانس 24 – تصريحات المحلل أكرم خريف حول أهداف الجزائر من نشر طائراتها في النيجر
    https://www.france24.com/fr/afrique/20260831-avions-combat-niger-alg%C3%A9rie-pr%C3%A9venir-%C3%A9ventuelles-attaques – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026
  4. جون أفريك – تفاصيل التمرد العسكري في نيامي ليلة 28 و29 أغسطس 2026
    https://www.jeuneafrique.com/1838805/politique/tentative-de-coup-detat-au-niger-ce-que-lon-sait-de-la-situation-a-niamey/ – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026
  5. ويبدو (webdo.tn) – تحليل حول تحول العقيدة العسكرية الجزائرية بعد نشر السوخوي في النيجر
    https://www.webdo.tn/fr/actualite/international/algerie-avec-ses-sukhoi-au-niger-alger-change-t-elle-de-doctrine-militaire/403452/ – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026
  6. زون ميليتير (opex360.com) – خلفية عن هبة المروحيات الجزائرية للنيجر وتوتر العلاقات مع تحالف الساحل منذ حادثة الطائرة المسيرة المالية
    https://www.opex360.com/2026/08/11/sahel-lalgerie-renforce-ses-liens-militaires-avec-le-niger-avec-un-don-de-quatre-helicopteres/ – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026

أحمد ناصر – مجلة الاحرار

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

أحمد ناصر
أحمد ناصر
أحمد ناصر صحفي يهتم بالشؤون السياسية والعلاقات الدولية والتحولات الجيوسياسية في العالم العربي والشرق الأوسط. يتابع الملفات الدبلوماسية والأمنية والانتخابات والحياة الحزبية، ويعمل على تقديم قراءة هادئة للأحداث تربط بين الخبر وسياقه السياسي والتاريخي. يركز في مقالاته على تحليل مواقف الفاعلين الرئيسيين وتوضيح انعكاسات القرارات الدولية على المنطقة.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة