Homeحقوق الإنسانالحرياتالامام و الأكاديمي نور الدين أوساط: لماذا مُنع من الظهور في باريس...

الامام و الأكاديمي نور الدين أوساط: لماذا مُنع من الظهور في باريس خلال زيارة البابا ليون الرابع عشر؟

بمناسبة زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى فرنسا، بين 25 و28 سبتمبر 2026، تلقت شخصيات مسلمة عدة، من بينها الإمام السابق د. نور الدين أوساط، إخطارات فردية تمنعها من «الظهور» في أجزاء من باريس خلال أيام الزيارة. الإجراء الجديد، المستند إلى نص قانوني أُقر في مارس 2026، يعيد إلى الواجهة منطق التقييدات الاستثنائية التي طُبّقت على مسلمين خلال أولمبياد باريس 2024.

هذه الإخطارات تصدر عن وزير الداخلية وحده، دون أي رقابة قضائية مسبقة، وتستهدف أشخاصا لم يُدانوا بأي جريمة، استنادا إلى «أسباب جدية» تقدّرها الأجهزة الأمنية وحدها. وهي، بحسب محامية متخصصة في قضايا الحريات العامة، أول تطبيق واسع لهذا النص القانوني منذ إقراره قبل ستة أشهر. وتعيد هذه الموجة، التي تتزامن مع تجمع ديني حاشد، إلى الأذهان الجدل الذي رافق استخدام إجراءات مشابهة ضد مسلمين خلال الألعاب الأولمبية قبل عامين.

صباح السبت الموافق 12 سبتمبر، طُرق باب منزل في ضواحي باريس مبكرا. الرجل الذي فتحه ليس غريبا عن الأضواء؛ فقد أمضى أكثر من ثلاثة عقود إماما وواعظا ومحاضرا في عدد من مساجد منطقة باريس الكبرى، قبل أن يتحول في السنوات الأخيرة إلى أحد الأصوات الأكثر ظهورا في المشهد الإسلامي الفرنسي. في يده الآن ورقة رسمية تحمل ختم وزارة الداخلية، تُبلغه بأنه ممنوع من «الظهور» في أجزاء من العاصمة بين 25 و28 سبتمبر، أي طوال أيام الزيارة الرسمية التي يقوم بها البابا ليون الرابع عشر إلى فرنسا.

يتساءل المرء كم مرة يمكن لدولة أن تُطالب مواطنا بإثبات براءته من نية لم تثبت بعد، قبل أن تتحول هذه المطالبة نفسها إلى ضرب من العقاب. سؤال يعيد إلى الذهن ذلك الإحساس الذي وصفه الكاتب ألبير كامو بالغربة أمام قانون لا يشرح نفسه لمن يخضع له: أن تكون مذنبا بالاشتباه، لا بالفعل.

الزيارة التي يُنتظر أن تجلب إلى باريس وسان دوني، يومي 25 و26 سبتمبر، مئات آلاف المؤمنين، رصدت لها السلطات الفرنسية جهازا أمنيا استثنائيا يضم نحو 15 ألف عنصر من الشرطة والدرك. وأصدرت محافظة شرطة باريس، الاثنين 14 سبتمبر، عدة قرارات عامة تنظم نقل الوقود والمفرقعات وحمل الأسلحة، وتُقيّد ركن السيارات في عشرات الشوارع حتى الأول من أكتوبر. لكن إلى جانب هذه التدابير العامة التي تسري على الجميع دون تمييز، لجأت وزارة الداخلية، هذه المرة أيضا، إلى أداة مختلفة تماما: إخطارات فردية تحمل اسم كل شخص بعينه.

الرجل هو د. نور الدين أوساط. في فيديو بثه مباشرة عبر فيسبوك مساء ذلك السبت، روى أن عناصر الشرطة حضروا إلى منزله صباحا لتسليمه إخطارا يمنعه من التنقل في باريس خلال أيام الزيارة البابوية، ويُلزمه إضافة إلى ذلك بالتوقيع دوريا لدى مركز شرطة لإثبات وجوده. وصف “أوساط” الإجراء بأنه «اعتداء خطير على حرية أساسية في التنقل»، مؤكدا أنه سيطعن فيه أمام المحكمة الإدارية بباريس، وأنه سينشر بيانا رسميا مفصلا خلال الأيام التالية.

حالة أوساط ليست معزولة. بحسب ما نشره موقع «ميزان إنفو» (Mizane.info)، المنبر الإعلامي الفرنسي المعني أساسا بشؤون الجالية المسلمة في البلاد، طالت إخطارات مشابهة شخصيات مسلمة أخرى ومواطنين عاديين. ويصف الموقع هذه الموجة بأنها استعادة لمنطق الرقابة الإدارية الفردية الذي طُبّق على نطاق واسع خلال أولمبياد باريس 2024.

ما يميز إخطار أوساط عن سابقاته أنه لا يستند إلى الإطار القانوني المعروف بـ«ميكاس» (Micas)، أي تدابير المراقبة الإدارية الفردية التي قامت عليها أغلب قيود أولمبياد 2024. فمصدره نص جديد كليا: المادة L226-2 من قانون الأمن الداخلي، التي أدخلها قانون صدر في 20 مارس 2026 يتعلق أصلا بتنظيم الألعاب الأولمبية والبارالمبية لعام 2030. وبخلاف «ميكاس»، التي تشترط خضوع الشخص المعني مسبقا لإجراء تحديد إقامة جغرافي، يسمح هذا النص لوزير الداخلية بمنع أي شخص من «الظهور» في الأماكن التي يُقام فيها «حدث كبير» يُحدَّد بمرسوم. يكفي لذلك توفر أسباب جدية تدفع إلى الاعتقاد بأن سلوك الشخص المعني يشكل تهديدا بالغ الخطورة للأمن العام، دون أي شرط مسبق.

يمكن أن يمتد هذا المنع لغاية شهرين، في حدود مدة الحدث المعني، ويجب إخطار الشخص المستهدف به قبل 72 ساعة على الأقل من دخوله حيز التنفيذ، إلا في حالات الاستعجال المبرر. ويمكن أن يُقرَن المنع بإلزام صاحبه بالتوقيع مرة واحدة يوميا لدى الشرطة أو الدرك طوال مدة الحدث. وينص النص القانوني على أن هذا الإجراء يُتخذ «لغايات منع ارتكاب أعمال إرهابية فقط»، أما مخالفته فتُعرّض صاحبها لعقوبة تصل إلى ثلاث سنوات سجنا وغرامة قدرها 45 ألف يورو، وهي العقوبة نفسها المقررة لمخالفة تدابير «ميكاس». وبحسب محامية متخصصة في قضايا الحريات العامة والإرهاب، فإن هذا النص، رغم أنه سُنّ أصلا استعدادا لأولمبياد 2030، هو بالتحديد ما استُخدم في سبتمبر 2026 بمناسبة زيارة البابا إلى باريس وسان دوني.

والمقارنة مع صيف 2024 ليست اعتباطية. فقبيل افتتاح الألعاب الأولمبية في باريس، أعلن وزير الداخلية آنذاك جيرالد دارمانان أن 155 تدبيرا من نوع «ميكاس» اتُّخذ ضد أشخاص اعتُبروا «خطرين جدا» أو «قابلين لارتكاب فعل»، إلى جانب 164 عملية تفتيش منزلي. لم تُفصح الوزارة حينها عن الانتماء الديني للمستهدفين. لكن محامين ومنظمات حقوقية وثّقوا حالات عديدة طالت مسلمين ملتزمين دينيا لم يسبق أن أُدينوا بأي جريمة، واعتبروا أن هذه التدابير، القائمة على تقدير أمني بحت بمعزل عن أي حكم قضائي مسبق، تمس بحرية التنقل دون ضمانات كافية.

ليس أوساط غريبا عن هذا النوع من الإجراءات الإدارية. فقد سبق أن اقتحمت الشرطة منزله في فبراير 2025، في إطار تحقيق يتعلق، بحسب السلطات، باحتمال التحريض على الإرهاب. نفى الرجل ذلك جملة وتفصيلا، مؤكدا أن التفتيش جاء بسبب مواقفه المؤيدة للفلسطينيين في غزة. وبحسب نص منشور في الجريدة الرسمية الفرنسية، خضعت أموال أوساط وموارده الاقتصادية لتجميد صادر في 29 سبتمبر 2025 لمدة ستة أشهر، جُدد لاحقا بقرار مؤرخ في 31 مارس 2026 لستة أشهر إضافية.

يملك الاستاذ أوساط، كغيره ممن يتلقون مثل هذا الإخطار، حق الطعن أمام القضاء الإداري، بل وحق اللجوء إلى الدعوى الاستعجالية لحماية الحرية، التي يُفترض أن يفصل فيها قاض خلال 48 ساعة فقط. لكن هذا الضمان القضائي يأتي دائما بعد صدور القرار، لا قبله. فالقرار يُتخذ أولا من طرف وزير وحده، بناء على معطيات استخباراتية لا يطّلع عليها المعني بالأمر نفسه. ثم يُترك له أن يُثبت، في مهلة قصيرة وأمام قاض لا يعرفه، أن حريته في المشي في شوارع مدينته لا تزال حقا لا امتيازا. وهذا بالضبط ما يجعل من قصة صباح ذلك السبت أكثر من حادثة معزولة: إنها تذكير بأن الانتماء إلى مدينة، أو إلى بلد، يمكن أن يظل، لبعض مواطنيها، مشروطا بموافقة لا تُشرح ولا تُناقش، حتى حين لا تُوجَّه إليهم أي تهمة.

المصادر

  1. ميزان إنفو (Mizane.info) – «زيارة البابا: د. نور الدين أوساط مستهدف بـ”منع من الظهور” في باريس» (منبر إعلامي فرنسي معني بشؤون الجالية المسلمة، يُشار إلى خطه التحريري)
    https://www.mizane.info/visite-du-pape-noureddine-aoussat-vise-par-une-interdiction-de-paraitre-a-paris
    تم الاطلاع عليه في 15 سبتمبر 2026
  2. Village de la Justice – مقال قانوني بقلم المحامية لويز كونتوجيانيس حول الإطار القانوني لإجراءات «منع الظهور» ومادة L226-2 من قانون الأمن الداخلي
    https://www.village-justice.com/articles/les-interdictions-paraitre-prononcees-par-ministere-interieur-cadre-juridique,59048.html
    تم الاطلاع عليه في 15 سبتمبر 2026
  3. الجريدة الرسمية الفرنسية (Légifrance) – قرار تجميد أموال د. نور الدين أوساط المؤرخ في 29 سبتمبر 2025
    https://www.legifrance.gouv.fr/jorf/id/JORFTEXT000052340331
    تم الاطلاع عليه في 15 سبتمبر 2026
  4. الجريدة الرسمية الفرنسية (Légifrance) – قرار تجديد تجميد الأموال المؤرخ في 31 مارس 2026
    https://www.legifrance.gouv.fr/jorf/id/JORFTEXT000053748940
    تم الاطلاع عليه في 15 سبتمبر 2026
  5. France Info – تصريحات وزير الداخلية آنذاك جيرالد دارمانان حول تدابير «ميكاس» خلال أولمبياد باريس 2024
    https://www.franceinfo.fr/les-jeux-olympiques/paris-2024/video-paris-2024-155-personnes-considerees-comme-tres-dangereuses-ou-pouvant-passer-a-l-acte-maintenues-a-distance-grace-a-des-mesures-administratives-annonce-darmanin_6671592.html
    تم الاطلاع عليه في 15 سبتمبر 2026
  6. France 24 بالعربية – برنامج الزيارة الرسمية للبابا ليون الرابع عشر إلى فرنسا بين 25 و28 سبتمبر 2026
    https://www.france24.com/ar/أوروبا/20260516
    تم الاطلاع عليه في 15 سبتمبر 2026

مجلة الاحرار

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

هيئة التحرير
هيئة التحرير
هيئة التحرير في «الأحرار» تشرف على إعداد الأخبار والتقارير ومراجعتها ونشرها، وفق الميثاق التحريري ومعايير الدقة والاستقلالية والشفافية المعتمدة في الصحيفة.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة