لماذا هذا مهم
تكشف قصة هذا الحساب كيف يمكن لخطاب بلا مصدر ولا دليل أن يتجاوز حدود صفحة واحدة على فيسبوك ليتحول إلى مفردة جاهزة يتداولها آلاف المستخدمين. مصطلح “الزواف”، الذي روّج له صاحب الحساب منذ سنة 2015 لوصف سكان منطقة القبائل، تحوّل لاحقا إلى أحد أبرز مفردات الخطاب المعادي للحراك الشعبي، بحسب ما وثّقته وسائل إعلام جزائرية و دراسة أكاديمية فرنسية. تطرح القصة أيضا سؤالا أوسع حول قدرة القارئ على التمييز بين المحتوى الجاد والمحتوى الذي ينتشر لمجرد أنه استفزازي.
من هو محمد الوالي ولماذا لُقّب بـ”المارشال القط”؟
وثّق موقع “تي إس إيه” الجزائري في تقرير نُشر في 26 ماي 2019 أن حسابا يحمل اسم محمد الوالي كان نشطا على فيسبوك منذ سنة 2015 على الأقل. بحسب التقرير، أصرّ صاحب الحساب دون أي دليل أو سند موثّق على وجود ما أسماه “مؤامرة قبائلية”، مستخدما مصطلح “الزواف” لوصفها. أطلق عليه متابعوه ومعجبوه لقب “المارشال القط”، ليصبح لاحقا أحد أبرز المراجع التي استندت إليها شبكات حسابات وهمية عُرفت باسم “القطط الذباب”، في إشارة إلى استخدام كثير من هذه الحسابات صورا لقطط كصور شخصية، وربطا بعبارة “الذباب الإلكتروني” التي شاع استعمالها في الجزائر لوصف الحسابات المناهضة للحراك الشعبي منذ انطلاقه في فبراير 2019.
بحسب المصدر ذاته، ارتبطت هذه الشبكات أيضا بمصطلح “عملية المنجل”، الذي كانت تستخدمه للإشارة الساخرة إلى موجة توقيف مسؤولين ورجال أعمال بارزين خلال تلك الفترة. انطلق الحراك الشعبي في الجزائر يوم 22 فبراير 2019 في البداية كاحتجاج على ترشح الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة لعهدة خامسة، قبل أن يفضي بعد أسابيع إلى استقالته. في هذا السياق الزمني بالذات، وجدت شبكات “القطط الذباب” في خطاب محمد الوالي مادة جاهزة تسبقها بسنوات، فأعادت توظيفها لتشويه مطالب الحراك وربطها بمؤامرة إقليمية مزعومة.
مصير مجهول بين رواية الوفاة والمنفى
تضاربت الروايات حول مصير صاحب الحساب: تقول رواية أولى إنه توفي سنة 2018، فيما تؤكد رواية ثانية أنه غادر الجزائر ونفى نفسه إلى بريطانيا. ولم يُعثر، حتى إعداد هذا المقال، على مصدر مستقل يؤكد إحداهما أو ينفيها. يبقى مصير محمد الوالي الحقيقي، بذلك، غير معروف رسميا إلى اليوم.
“الزواف”: مفردة تجاوزت صاحبها
وثّقت دراسة أكاديمية نشرت سنة 2020 أن مصطلح “الزواف” استُخدم من طرف أوساط وصفتها الدراسة بحمل “أطروحات عنصرية” تجاه سكان منطقة القبائل والأمازيغ عموما، واعتبرتها الدراسة “خطرا حقيقيا على تماسك الأمة الجزائرية وأمنها”. كما رصد تقرير لموقع “فرانس إنفو” الفرنسي ، نُشر في ماي 2019، انتشار مصطلحات مشابهة ضمن حملات منظمة استهدفت معارضين وناشطين وشخصيات دينية خلال الحراك الشعبي. تُظهر هذه الوثائق أن المصطلح الذي بدأ على حساب واحد تحوّل إلى جزء من مفردات شبكة أوسع من الحسابات، استمرت في استخدامه سنوات بعد اختفاء صاحبه الأول عن الأنظار.
شهادة شخصية: الوالي كما عرفته في الخاص
هنا أنتقل من موقع الصحفي إلى موقع الشاهد. كان محمد الوالي على تواصل معي بشكل منتظم عبر خدمة الرسائل الخاصة على فيسبوك، في فترة كان فيها نشطا على صفحته العامة. الملاحظة التي سجّلتها آنذاك هي الفارق الواضح بين خطابه العلني وحديثه الخاص: لم يكن في رسائلنا بنفس الحدة التي كان يظهر بها على صفحته العامة. كان ودودا معي، وكان يخصص جزءا من حديثنا للموسيقى، وهو موضوع يعرف جيدا شغفي به. كان يمازحني قائلا إنه يفضّل آلة العود العربية على آلة القمبري الكناوية، وهو يعلم تعلقي بموسيقى الكناوة الإفريقية. لم تتجاوز علاقتنا هذا المستوى من التواصل الخفيف، ولم تخل يوما من احترام متبادل رغم اختلاف مواقفنا.
خطاب بلا حجة استُهلك كحقيقة
قراءتي الشخصية لما كان يُنشر على صفحة محمد الوالي العامة لم تتغيّر منذ ذلك الوقت: كان خطابا مفككا، ضعيف الحجة، ولا يستند إلى أي أساس تاريخي أو جغرافي أو سياسي جدي. الأطروحات التي كان يروّج لها كانت من النوع الذي يحقق انتشارا واسعا على الشبكات الاجتماعية لا لأنه صحيح، بل لأنه استفزازي، تماما كما تنتشر منشورات أخرى لا معنى لها لمجرد أنها تثير الجدل. لم آخذ هذا الحساب يوما على محمل الجد، وكنت أقول له ذلك مباشرة في رسائلنا الخاصة، فلم يكن يتضايق من ذلك، ولم يتطور الأمر أبدا إلى ما هو أبعد من نقاش عابر بيننا.
المشكلة الحقيقية، من وجهة نظري، ليست في صاحب الحساب نفسه، بل في من بنوا مواقف سياسية أو منحوا مصداقية لما كان يُنشر على صفحته. من فعل ذلك لم يُحسن التمييز بين الجدي والتافه على الإنترنت وعلى شبكات التواصل، وهو تمييز أساسي لأي قارئ يريد أن يفهم ما يجري فعلا في بلده بدل الانجرار خلف عاصفة أثارها حساب مجهول الهوية من أول يوم إلى آخر يوم. حساب واحد، مهما بلغ عدد متابعيه، لا يصنع حقيقة تاريخية أو جغرافية أو سياسية بمجرد أنه يكرر ادعاء بثقة واستمرار. المسافة بين الانتشار الواسع لمنشور ما وصحة مضمونه تبقى، في كثير من الأحيان، مسافة شاسعة يتجاهلها من يبحث عن تأكيد لموقف اتخذه مسبقا.
حتى تاريخ نشر هذا المقال، لم تُحسم هوية محمد الوالي الحقيقية ولا مصيره بشكل رسمي أو موثّق. ما بقي، بحسب الوثائق والتقارير المتوفرة، هو المصطلح الذي أطلقه: “الزواف”، الذي واصل الانتشار في أوساط معادية للحراك الشعبي سنوات بعد اختفاء صاحبه الأول عن واجهة المشهد.
رأي – مقال يعبّر عن رأي كاتبه الشخصي ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري لمجلة الأحرار.
سمير بلعطاش – مجلة الاحرار
كاتب مساهم / رأي
نشر ومراجعة: هيئة التحرير



