الرئيسيةالبيئة والمناخالتنمية المستدامةإل نينيو يعود في أسوأ توقيت: قد تصل الصدمة إلى أسعار الغذاء...

إل نينيو يعود في أسوأ توقيت: قد تصل الصدمة إلى أسعار الغذاء العربية

تتجه ظاهرة إلنينيو المناخية نحو أن تصبح واحدة من أقوى نسخها منذ عقود بحلول خريف 2026، وفق تقديرات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، في وقت يحذر فيه برنامج الأغذية العالمي من أنها قد تدفع نحو 49 مليون شخص إضافي إلى الجوع الحاد بحلول نهاية 2027. وتستورد دول عربية كبرى، على رأسها مصر والجزائر، ملايين الأطنان من القمح سنويا، ما يجعل أسعار الغذاء العربية مرشحة للتأثر المباشر بهذه الصدمة المناخية.

وتسجل أسعار القمح والأسمدة العالمية في الوقت نفسه ارتفاعات حادة بفعل اضطرابات الطاقة والحرب في أوكرانيا. أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، في تحديثها الصادر أواخر يونيو 2026، أن ظاهرة إلنينيو دخلت طور التقوّي السريع، مع توقعات ببلوغها ذروتها كحدث قوي خلال الفترة الممتدة من أغسطس إلى أكتوبر 2026، وتجاوز الحرارة الشاذة لسطح المحيط الهادئ عتبة 2.9 درجة مئوية في مناطق الرصد الرئيسية. وبالتوازي، حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، في تقرير نشره في 5 أغسطس 2026، من أن هذه النسخة من الظاهرة قد تكون من بين الأقوى منذ عام 1950. وستضاف، بحسب البرنامج، إلى ضغوط قائمة بالفعل على أسعار الغذاء العالمية الناجمة عن اضطرابات الشحن في البحر الأسود وارتفاع تكاليف الطاقة.

طوابير الخبز المدعوم تطول في القاهرة كلما صدرت نشرة مناخية جديدة

في الأحياء الشعبية بالقاهرة، يبدأ الازدحام أمام المخابز المدعومة منذ ساعات الصباح الأولى، حيث يصطف عشرات المواطنين لشراء رغيف الخبز البلدي بسعره الرمزي. مصر، التي تُعد غالبا أكبر مستورد للقمح في العالم، تحتاج إلى نحو 8.6 مليون طن من القمح سنويا لتغذية برنامج دعم الخبز وحده، بحسب أرقام مشروع الموازنة العامة للسنة المالية 2026-2027. هذا الاعتماد الكثيف على الاستيراد، الذي بنته البلاد على مدى عقود لضمان استقرار اجتماعي هش، يجعلها من أكثر الاقتصادات العربية حساسية لأي اهتزاز في أسواق الحبوب العالمية.

الأمر لا يقتصر على مصر. فالجزائر، ثاني أكبر مستهلك للخبز للفرد في العالم بمعدل يقارب 110 كيلوغرامات سنويا، تستورد نحو 9.2 مليون طن من القمح خلال الموسم التسويقي 2025-2026 وحده، بحسب تقرير لوزارة الزراعة الأمريكية. ويستحوذ الغذاء على أكثر من 40 % من إنفاق الأسرة الجزائرية المتوسطة، وهي نسبة تجعل أي قفزة في فاتورة الاستيراد قابلة للانتقال بسرعة إلى موائد المواطنين.

كيف يتحول احترار المحيط الهادئ إلى ارتفاع في أسعار الغذاء العربية

تنطلق سلسلة التأثير من ظاهرة طبيعية بحتة: ارتفاع غير معتاد في حرارة سطح المحيط الهادئ الاستوائي يغيّر مسارات الرياح والأمطار على نطاق الكوكب. تاريخيا، ترتبط ظاهرة إلنينيو بموجات جفاف في جنوب شرق آسيا وأستراليا وجنوب أفريقيا، مقابل فيضانات في أمريكا الجنوبية، ما يهدد في آن واحد محاصيل الأرز في آسيا وقصب السكر والزيوت النباتية في عدة قارات.

هذا الاضطراب المناخي لا يصل إلى الأسواق العربية مباشرة، بل عبر سلسلة طويلة. فتراجع الحصاد في بلد منتج يرفع الأسعار في بورصات شيكاغو وباريس، فترتفع بدورها فاتورة الاستيراد لدول تعتمد على الخارج لتغطية حاجتها من الحبوب والزيوت. مؤشر أسعار الغذاء الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة بلغ 131.1 نقطة في يوليو 2026، وهو أعلى مستوى له منذ ثلاث سنوات. ودفع هذا الارتفاع بشكل أساسي صعود أسعار القمح 5.8 % وأسعار السكر 5.6 % في شهر واحد فقط، وسط إشارة صريحة من المنظمة إلى دور إلنينيو في تهديد محاصيل آسيا.

الغاز الطبيعي والأسمدة: الحلقة الخفية في سلسلة الغذاء

ما يجعل هذه الدورة أشد قسوة هذه المرة هو ارتباطها المباشر بأزمة الطاقة. فالأسمدة الآزوتية، وعلى رأسها اليوريا، تُصنَّع أساسا من الغاز الطبيعي، ما يجعل تكلفتها مرتبطة بشكل شبه آلي بأسعار الطاقة. توقعات البنك الدولي الصادرة في أبريل 2026 تشير إلى ارتفاع أسعار الأسمدة العالمية بنسبة 31 % خلال العام. وجاء ذلك في ظل اضطرابات الشحن عبر مضيق هرمز التي رفعت أسعار الغاز المسال واليوريا والفوسفات إلى أعلى مستوياتها منذ 2022.

وهنا تكمن المفارقة: المزارع الذي يواجه تكلفة أعلى لشراء الأسمدة يميل إلى تقليص المساحة المزروعة، ما يقلّص العرض العالمي في السنة التالية بالضبط حين يبدأ إلنينيو في التأثير على الحصاد. حلقة الطاقة وحلقة المناخ تتقاطعان في التوقيت نفسه، وهو ما يفسر لماذا يصف اقتصاديون في بنك شرودرز البريطاني هذا المزيج بأنه يحمل مخاطر مضاعفة. لخّص ديفيد ريس، رئيس الاقتصاد العالمي في شرودرز، هذا الخطر بالقول إن الارتباطات التاريخية تعني احتمال «مضاعفة أسعار الغذاء العالمية خلال العام المقبل تقريبا» إذا تكرر النمط نفسه.

قرابة 49 مليون شخص إضافي مهددون بالجوع الحاد بحلول 2027

في تقريره الصادر أوائل أغسطس 2026، قدّر برنامج الأغذية العالمي أن العدد الإجمالي للأشخاص الذين يعانون انعداما حادا في الأمن الغذائي عبر 45 دولة معرضة بشدة لتأثيرات إلنينيو قد يقفز من نحو 225 مليون شخص إلى 274 مليون شخص بحلول نهاية 2027. وتمثل هذه القفزة زيادة تقارب 22 %. ويتوقع التقرير أن يضاف نحو 6 ملايين شخص إلى قوائم الجوع الحاد في غرب أفريقيا ووسطها وحدهما، أي ارتفاع بنسبة 12 %.

«إلنينيو يمثل تهديدا هائلا للأمن الغذائي لملايين ممن هم أصلا في وضع هش»، قال كارل سكاو، القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، في البيان المرافق للتقرير. ولم يُدرج أي بلد عربي ضمن قائمة الدول الخمس والأربعين الأكثر عرضة التي حللها البرنامج. غير أن ارتفاع الأسعار العالمية للحبوب والزيوت يصل إلى الأسواق العربية عبر قنوات الاستيراد، بصرف النظر عن أي تصنيف مباشر ضمن خرائط الجوع الأممية.

ما الذي يمكن أن يحد من الصدمة قبل نهاية 2026

تتوقع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن تبلغ ظاهرة إلنينيو ذروتها بين أغسطس وأكتوبر 2026 قبل أن تبدأ في التراجع تدريجيا. غير أن تأثيراتها على المحاصيل والإمدادات الغذائية ستمتد، بحسب برنامج الأغذية العالمي، إلى عمق سنة 2027 بسبب التأخر الطبيعي بين اضطراب الطقس ونضج المحاصيل. في مصر، تسعى الحكومة إلى تعزيز مخزونها الاستراتيجي من القمح عبر تمويل يصل إلى 1.4 مليار دولار من قروض خليجية وتمويل إسلامي، إلى جانب هدف بعيد المدى لبلوغ الاكتفاء الذاتي من قمح الخبز المدعوم بحلول 2028.

في المقابل، تحرص الجزائر على توسيع طاقتها التخزينية للحبوب إلى 9 ملايين طن، في محاولة لامتصاص أي صدمة مفاجئة في أسواق التوريد. هذه الاستعدادات لا تلغي الهشاشة البنيوية لدول تستورد الجزء الأكبر من غذائها الأساسي. لكنها تمنحها هامش مناورة أوسع مما كان متاحا خلال أزمة الغذاء العالمية لعام 2022.

في انتظار أن تتضح حصيلة موسم الحصاد في نصف الكرة الجنوبي خلال الأشهر المقبلة، يبقى رغيف الخبز المدعوم في القاهرة والجزائر مؤشرا مباشرا على مدى نجاح هذه الاستعدادات. فكل نقطة مئوية تُضاف إلى مؤشر أسعار الحبوب العالمية تعني، عمليا، فاتورة استيراد أثقل على موازنات تتحمل أصلا أعباء دعم غذائي بمليارات الدولارات.


المصادر

  1. برنامج الأغذية العالمي (WFP) – “Strengthening El Niño to push 49 million more people into acute hunger”
    https://www.wfp.org/news/world-food-programme-ramps-preparedness-and-response-plans-el-nino-threatens-push-tens – تم الاطلاع عليه في 15 أغسطس 2026
  2. منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) – “FAO Food Price Index”، تحديث يوليو 2026
    https://www.fao.org/worldfoodsituation/foodpricesindex/en/ – تم الاطلاع عليه في 15 أغسطس 2026
  3. المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) – “Strong El Niño expected to intensify”
    https://wmo.int/news/media-centre/strong-el-nino-expected-intensify – تم الاطلاع عليه في 15 أغسطس 2026
  4. مدونات البنك الدولي – “When risks stack up: Threats to global food markets in 2026”
    https://blogs.worldbank.org/en/developmenttalk/when-risks-stack-up–threats-to-global-food-markets-in-2026 – تم الاطلاع عليه في 15 أغسطس 2026
  5. وزارة الزراعة الأمريكية، المصلحة الزراعية الخارجية (USDA FAS) – “Grain and Feed Annual: Algeria”
    https://apps.fas.usda.gov/newgainapi/api/Report/DownloadReportByFileName?fileName=Grain+and+Feed+Annual_Algiers_Algeria_AG2025-0002 – تم الاطلاع عليه في 15 أغسطس 2026
  6. Middle East Online – “Egypt targets wheat self-sufficiency by 2028 in bold food security drive”
    https://middle-east-online.com/en/egypt-targets-wheat-self-sufficiency-2028-bold-food-security-drive – تم الاطلاع عليه في 15 أغسطس 2026
  7. Family Wealth Report – “Stronger El Niño In 2026 Risks Food Inflation – Schroders”
    https://www.familywealthreport.com/article.php/Stronger-El-Ni%C3%B1o-In-2026-Risks-Food-Inflation-%E2%80%93-Schroders?id=207977 – تم الاطلاع عليه في 15 أغسطس 2026

بقلم يوسف عبد الله
ALAHRAR.NET

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

يوسف عبد الله
يوسف عبد اللهhttps://alahrar.net/
يوسف عبد الله صحفي اقتصادي يتابع قضايا الأسواق والطاقة والاستثمار وريادة الأعمال والتنمية المستدامة. يهتم بتحليل المؤشرات الاقتصادية وشرح أثر القرارات المالية في الشركات والأسر والمجتمعات، كما يتابع التحولات المرتبطة بالطاقة النظيفة والأمن الغذائي والمياه. يحرص في كتاباته على تقديم الأرقام في سياق واضح، بعيداً عن المصطلحات المعقدة والمبالغة.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة