في 16 سبتمبر 2026، احتفل مستوطنون بتدشين كنيس في حومش، قرب قرية برقة الفلسطينية في محافظة نابلس. ووثّق تقرير لأسوشيتد برس الاحتفال في موقع أخلته إسرائيل عام 2005، ثم وافقت رسمياً على إعادة الاستيطان فيه عام 2025، بما أتاح الإقامة والربط بشبكتي المياه والكهرباء الإسرائيليتين.
وراء هذا المشهد مسار امتد سنوات: حضور متكرر للمستوطنين بعد الإخلاء، ومدرسة دينية أبقت الوجود الإسرائيلي في الموقع، ثم قرارات أزالت عقبات أمام العودة. وتكشف متابعة هذا المسار فارقاً أساسياً بين ثلاثة أمور: السماح بدخول المكان، والترخيص بالبناء فيه، ومشروعية الاستيطان بموجب القانون الدولي.
إخلاء 2005 لم يحسم مصير الأرض
شملت خطة فك الارتباط الإسرائيلية عام 2005 إخلاء مستوطنات قطاع غزة وأربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية: حومش وصانور وغانيم وكاديم. وحظر القانون على الإسرائيليين دخول المناطق المخلاة من دون إذن القائد العسكري. ولم يكن إخلاء تلك المستوطنات انسحاباً إسرائيلياً من الضفة الغربية بأكملها.
أما بالنسبة إلى أصحاب الأرض في برقة، فكانت المسألة تتعلق باستعادة الانتفاع بممتلكاتهم. وتوضح منظمة «يش دين» الحقوقية، التي رافقت المالكين في دعاواهم، أن القيود العسكرية على دخولهم استمرت بعد الإخلاء، وأن أمر الاستيلاء أُلغي عام 2013 عقب معركة قضائية.
لكن إلغاء الأمر لم يضمن وصولاً آمناً ومنتظماً. فقد وثّقت المنظمة وجوداً إسرائيلياً متجدداً واعتداءات على فلسطينيين وممتلكاتهم، وقالت إن الخوف من التعرض للأذى حال دون انتفاع المالكين بحقوقهم. وفي أبريل 2019، عاد أصحاب أراضٍ إلى المحكمة العليا مطالبين بحماية ملكيتهم وإزالة التعديات وتأمين الوصول إلى حقولهم.
مدرسة دينية أبقت الوجود الاستيطاني
تسجل «يش دين» زيارات منتظمة لطلاب مدرسة «حومش المتجددة» الدينية منذ عام 2007، بهدف إبقاء حضور دائم في المكان. وقد استمر ذلك رغم الحظر المفروض آنذاك على دخول الإسرائيليين، ومن دون تسوية قانونية للبناء.
وفي يونيو 2022، أبلغت الدولة المحكمة بضرورة إخلاء البؤرة. ثم حملت الحكومة التي تولت السلطة نهاية ذلك العام توجهاً مختلفاً: السعي إلى إضفاء وضع قانوني على استمرار الدراسة الدينية في منطقة حومش. وخلال جلسة يناير 2023، طلب القضاة من الدولة تبرير عدم إزالة التعديات وتمكين المالكين الفلسطينيين من ممارسة حقوقهم.
في مارس 2023، عدّل الكنيست قانون فك الارتباط، فألغى حظر الدخول الوارد فيه بالنسبة إلى المستوطنات الأربع المخلاة في شمال الضفة. واقتصر التعديل على هذه المنطقة، ولم يشمل غزة. لكنه لم ينقل ملكية الأراضي الفلسطينية إلى المستوطنين، ولم يمنح تلقائياً تراخيص بناء..
وفي 29 مايو من العام نفسه، نُقلت المدرسة الدينية إلى قطعة مجاورة تصنفها السلطات الإسرائيلية ضمن «أراضي الدولة». وبحسب حركة «السلام الآن» المناهضة للاستيطان، تحيط بالموقع أراضٍ فلسطينية خاصة، وتمر طرق الوصول عبرها؛ لذلك ظل أثر الوجود الاستيطاني أوسع من مساحة المباني المنقولة..
المحكمة أغلقت التماساً ولم تُجز المشروع كله
في 2 أغسطس 2023، شطبت المحكمة العليا الالتماس الذي قدمه المالكون عام 2019، بعدما استندت الدولة إلى نقل المدرسة من الأرض الخاصة موضوع الدعوى. واعتبر القضاة أن الوقائع تغيرت، وأن الاعتراضات على الموقع الجديد تتجاوز نطاق الالتماس القائم.
لا يصح، بناء على ذلك، وصف القرار بأنه حكم بمشروعية المستوطنة الجديدة بكاملها. فقد بقيت مسائل التخطيط وتراخيص البناء، كما ظلت طريق الوصول ومواقع عسكرية على أراضٍ خاصة موضع اعتراض. وكان من الممكن طرح المنازعات المتعلقة بالوضع الجديد في التماس منفصل.
واعتمدت الدولة في دفاعها على القول إن أصحاب الأرض يستطيعون الوصول إليها، بينما اعترض ممثلوهم على تحقق ذلك فعلياً. وهنا يظهر حدّ القرار القضائي: إنهاء دعوى بصيغتها القائمة لا يثبت أن المالك استعاد الانتفاع بأرضه..
من إجراءات التخطيط إلى الموافقة الحكومية
تواصلت الإجراءات الإدارية بعد ذلك. ففي 21 ديسمبر 2023، وُقّع تفويض بالتخطيط لحومش، وفق وثائق رصدتها «السلام الآن». وأتاح هذا الإجراء إعداد مخطط وتقديمه إلى الجهات المختصة، مع بقاء مراحل اعتماد المخطط وإصدار تراخيص البناء لاحقة له. فتفويض التخطيط نفسه لا يساوي رخصة بناء..
وفي مايو 2025، أُعلنت موافقة الحكومة الإسرائيلية على إقامة 22 مستوطنة، شملت حومش وصانور. وضمت الحزمة بؤراً قائمة تقرر الاعتراف بها ومواقع جديدة، ما وضع إعادة حومش ضمن سياسة أوسع لتوسيع الاستيطان..
ودافع وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن هذه الحزمة باعتبارات أمنية وتاريخية، وربطها صراحة بمنع قيام دولة فلسطينية. ويبين هذا الموقف أن القرارات تتصل أيضاً بتصور الحكومة لمستقبل الأرض والسيادة عليها..
ماذا تغيّر الموافقة الإسرائيلية في القانون الدولي؟
تؤثر القرارات الإسرائيلية في كيفية إدارة الموقع وتمويله والبناء فيه، لكنها لا تمنح الاستيطان شرعية دولية. وتوضح اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن المادة 49، الفقرة السادسة، من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر نقل دولة الاحتلال أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها. وترى اللجنة أن سياسة الاستيطان الإسرائيلي في الضفة تخالف هذه القاعدة.
ولا يتوقف هذا الحكم على كون قطعة الأرض ملكاً خاصاً أو مصنفة إسرائيلياً «أرض دولة». فملكية القطعة مسألة، ونقل السكان المدنيين إلى أرض محتلة مسألة قانونية أخرى. كما أن الاحتلال لا يمنح الدولة القائمة به السيادة على الإقليم..
وفي رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو 2024، أكدت محكمة العدل الدولية مخالفة المستوطنات والنظام المرتبط بها للقانون الدولي، ووجوب إجلاء المستوطنين. والرأي الاستشاري غير ملزم بذاته كحكم في نزاع بين دولتين، لكنه يحدد موقف المحكمة من الالتزامات القانونية القائمة. وقد رفضت الحكومة الإسرائيلية استنتاجاته.
بالنسبة إلى برقة، يبقى أثر هذه التطورات قابلاً للقياس في الحياة اليومية: قدرة المالك على بلوغ حقله وزراعته بأمان. ويشرح تاريخ حومش كيف يمكن لوجود استيطاني متكرر أن يسبق الاعتراف الحكومي، ثم تحوله القرارات والبنية التحتية إلى إقامة أكثر رسوخاً، فيما يظل تنفيذ حقوق أصحاب الأرض موضع نزاع.
أحمد ناصر – جريدة الأحرار



