واصل الاقتصاد الجزائري النمو خلال العقد الأخير، لكنه لم ينتقل بعد إلى نموذج اقتصادي جديد. فبين عامي 2015 و2024 بلغ متوسط النمو الحقيقي 2.1% سنويا، بينما لم يرتفع الناتج الحقيقي للفرد سوى 1.7% طوال عشر سنوات. وتكشف الأرقام أن الجزائر تستثمر بكثافة، لكن هذا الاستثمار لا يتحول بالقدر نفسه إلى إنتاجية أو وظائف ذات قيمة مضافة أو تدفقات أجنبية، فيما يبقى الاقتصاد شديد الارتباط بالمحروقات والإنفاق العمومي.
الناتج ينمو.. لكن دخل الفرد لا يتحرك بالوتيرة نفسها
غالبا ما يُستدعى حجم الناتج المحلي أو ترتيب الجزائر أفريقيا أو قيمته بالدولار بوصفه دليلا على قوة الاقتصاد. لكن هذه المؤشرات قد تعطي صورة لافتة ومضللة في آن واحد. فالناتج الاسمي يتأثر بأسعار النفط والغاز وبسعر صرف الدينار؛ وقد ترتفع قيمته لمجرد صعود أسعار الطاقة، من دون زيادة مماثلة في حجم الإنتاج أو إنتاجية العمل أو الدخل الحقيقي للأسر.
أما الناتج الحقيقي، الذي يستبعد أثر تغير الأسعار، فيرسم مسارا أكثر تحفظا. فقد بلغ النمو 3.2% في 2015 و3.9% في 2016، قبل أن يتراجع إلى 0.9% في 2019. وبعد انكماش بنسبة 5% خلال سنة الجائحة، استعادت الدورة الاقتصادية مستوى ما قبل الأزمة، لكنها لم تفتح فجوة مستدامة مع النمو السكاني. والنتيجة أن نصيب الفرد الحقيقي في 2024 لم يكن أعلى بكثير من مستواه قبل عشر سنوات.
النمو الحقيقي في الجزائر
التغير السنوي في الناتج المحلي الحقيقي والناتج الحقيقي للفرد. مرّر المؤشر أو المس المنحنيات لعرض القيم.
المصدر: البنك الدولي، WDI، السلسلتان NY.GDP.MKTP.KD.ZG وNY.GDP.PCAP.KD.ZG.
لماذا لا يكفي معدل النمو وحده؟
| المؤشر الأكثر تداولا | ما الذي يقيسه فعليا؟ | ما المؤشر الذي يجب إضافته؟ |
|---|---|---|
| الناتج الاسمي بالدولار | حجم الاقتصاد محوّلا بسعر الصرف الجاري، وهو حساس لأسعار الطاقة وتقلب العملة. | الناتج الحقيقي للفرد ومؤشرات حجم الإنتاج. |
| معدل نمو الناتج | تغير الإنتاج الإجمالي، بما فيه المحروقات. | النمو خارج المحروقات، النمو للفرد، ومساهمة القطاعات. |
| القيمة الإجمالية للصادرات | إيرادات تتغير بقوة مع الأسعار العالمية. | الكميات، حصة الصادرات خارج المحروقات، وعدد المنتجات والأسواق. |
| معدل الاستثمار | حجم رأس المال الموظف من القطاعين العام والخاص. | الإنتاجية، حصة القطاع الخاص، الاستثمار الأجنبي، ومردودية رأس المال. |
| معدل البطالة | نسبة النشطين الذين لا يعملون ويبحثون عن وظيفة. | المشاركة في سوق العمل، تشغيل النساء والشباب، العمل غير الرسمي، وجودة الوظائف. |
| الدين العمومي | رصيد التزامات الدولة. | العجز خارج المحروقات، مصادر التمويل، السيولة المصرفية، والقدرة على الصمود أمام انخفاض أسعار النفط. |
وتظهر مشكلة القياس بوضوح في ملف البطالة. فبحسب البنك الدولي، لم ينشر الديوان الوطني للإحصائيات مسحا وطنيا جديدا للتشغيل والبطالة منذ 2019. وتوفر تقديرات منظمة العمل الدولية سلسلة قابلة للمقارنة، لكنها لا تعوض مسحا ميدانيا حديثا يقيس العمل غير الرسمي والبطالة المقنعة ونوعية الوظائف.
نمو خارج المحروقات.. ديناميكية حقيقية تقودها الخزينة
في 2024 نما الناتج خارج المحروقات بنسبة 4.8%، في حين انكمشت القيمة المضافة لقطاع المحروقات بنسبة 1.4%. ويؤكد هذا التباين وجود نشاط اقتصادي غير نفطي فعلي، لكنه لا يكفي للقول إن التنويع قد تحقق. فالبنك الدولي يعزو قسما مهما من هذا النمو إلى الاستثمار والاستهلاك اللذين دعمهما الإنفاق العمومي. واستفادت قطاعات البناء والتجارة والفندقة والمطاعم وغيرها من الخدمات المحلية، وهي أنشطة لا تولد بالضرورة صادرات أو عملة صعبة أو مكاسب إنتاجية مرتفعة.
لذلك لا يكفي الفصل بين المحروقات وخارج المحروقات. فالتمييز الأهم هو بين نشاط سوقي قادر على رفع الإنتاجية والتصدير وجذب رأس المال، ونشاط يبقى مرتبطا بالطلب العمومي والتحويلات والمواد المستوردة.
استثمار ضخم وتحول إنتاجي محدود
خصصت الجزائر، في المتوسط، 38.1% من ناتجها المحلي لتكوين رأس المال الثابت بين 2015 و2024، وهي نسبة تفوق بوضوح ما سجله المغرب وساحل العاج وكينيا ورواندا. ومع ذلك، لم يزد الناتج الحقيقي للفرد سوى 1.7%، فيما ارتفع إنتاج العامل بنسبة 7.4% فقط.
المشكلة، إذن، ليست في نقص الأموال المستثمرة بقدر ما هي في طبيعة الاستثمار واختياره ومردوديته. فقد بلغ متوسط تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر 0.5% فقط من الناتج، بينما لم يتجاوز الائتمان الموجه إلى القطاع الخاص 19% من الناتج في 2024، مقابل نحو 78% في المغرب. كما يقدّر البنك الدولي أن البنوك العمومية تمنح 85% من الائتمان الاقتصادي، وأن المؤسسات العمومية تمثل قرابة 40% من النشاط. ويسمح هذا النظام بتمويل المشاريع الكبرى، لكنه أقل قدرة على نشر رأس المال والتكنولوجيا والانضباط التنافسي في الاقتصاد.
الاستثمار والزيادة الحقيقية في دخل الفرد
المحور الأفقي: متوسط الاستثمار نسبة إلى الناتج. المحور العمودي: الزيادة التراكمية في الناتج الحقيقي للفرد بين 2015 و2024.
المصدر: البنك الدولي، WDI. لا تثبت العلاقة السببية بمفردها، لكنها تكشف الفارق في المردودية الاقتصادية الكلية.
التنويع الإنتاجي لم يكتمل بعد
ارتفعت حصة الصناعة التحويلية من الناتج الجزائري من 7.1% في 2015 إلى 9.5% في 2024. وهو اتجاه إيجابي، لكنه يظل دون مستوى المغرب البالغ 15.3% وساحل العاج البالغ 12.9%. كما أن اتساع الحصة الصناعية لا يكفي إذا لم يصاحبه تحسن في الإنتاجية والصادرات وتشغيل اليد العاملة المؤهلة.
ومثلت صادرات السلع والخدمات 19.9% من الناتج في 2024، أي أقل بقليل من مستواها في 2015. ويبين تفصيل البنك الدولي أن صادرات 2024 خارج المحروقات لم تتجاوز 3% من الناتج، مقابل 16.9% لصادرات المحروقات. وهذا يعني أن قاعدة التصدير غير الطاقوية لا تزال أضيق من أن تموّل الواردات بصورة مستقرة عندما تتراجع عائدات النفط والغاز.
هيكل الاقتصاد: 2015 مقارنة بآخر سنة متاحة
المصدر: البنك الدولي، WDI. تنتهي سلسلتا الصناعة والصادرات في 2024، بينما تعود آخر ملاحظة مشتركة لريع الموارد الطبيعية إلى 2021. ويقيس الريع الفارق بين قيمة الإنتاج والتكاليف التقديرية للاستخراج.
العقدة الأعمق: الإنتاجية وسوق العمل
يخلص البنك الدولي إلى أن مساهمة الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج في النمو المحتمل خارج المحروقات كانت سلبية بين 2014 و2023. وخلال الفترة نفسها أُنشئ أقل من مليون منصب عمل، مقابل 3.2 ملايين وظيفة بين 2004 و2013. واتجه التشغيل أكثر نحو البناء والخدمات ضعيفة القيمة المضافة، بينما ظل تقدم الصناعة التحويلية والخدمات ذات القيمة المضافة المرتفعة محدودا.
وتضع تقديرات منظمة العمل الدولية معدل البطالة في الجزائر عند 11.7% في 2024، وبطالة الفئة بين 15 و24 عاما عند 29.9%، فيما لا تتجاوز مشاركة النساء في سوق العمل 14.3%. وهذا المؤشر الأخير بالغ الدلالة، لأن جزءا واسعا من القدرة الإنتاجية للمجتمع يبقى خارج سوق العمل. لكن المقارنات الأفريقية تحتاج إلى الحذر: ففي الاقتصادات التي يقل فيها العمل المأجور الرسمي، قد يخفي انخفاض البطالة عملا غير رسمي أو زراعيا أو شديد الهشاشة.
سوق العمل: مؤشّران يخفيهما معدل البطالة العام
مشاركة النساء في سوق العمل وبطالة الشباب، وفق تقديرات منظمة العمل الدولية لسنة 2024.
المصدر: تقديرات منظمة العمل الدولية المنشورة عبر البنك الدولي. تختلف بنية التشغيل وحجم الاقتصاد غير الرسمي اختلافا كبيرا بين الدول.
عودة الضغط الخارجي والمالي
أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى تسجيل فائض في الحساب الجاري يعادل 8.6% من الناتج في 2022. وبعد عامين فقط عاد الرصيد إلى العجز. وتكشف سرعة هذا التحول أن التوازن الخارجي ما يزال يتحرك مع دورة المحروقات أكثر مما يستند إلى قاعدة صادرات متنوعة.
وتظهر الآلية نفسها في الميزانية. فبحسب تقرير البنك الدولي لربيع 2025، بلغ العجز المالي 13.9% من الناتج في 2024، وهو أعلى مستوى منذ 2015، بينما وصل العجز خارج المحروقات إلى 25.1%. وظل الدين العمومي، ومعظمه داخلي ومحرر بالدينار، عند مستوى يمكن التحكم فيه نسبيا بلغ 48.5% من الناتج. غير أن تمويل العجز استنزف ما تبقى من صندوق ضبط الإيرادات، وقد يقلص الموارد المتاحة لإقراض القطاع الخاص.
الحساب الجاري واحتياطي الصرف
رصيد الحساب الجاري نسبة إلى الناتج، والاحتياطي محسوبا بعدد أشهر الواردات.
المصدر: البنك الدولي، WDI. قد تختلف القيم قليلا عن تقرير متابعة الاقتصاد بسبب المراجعات وتواريخ إقفال البيانات.
ماذا تقول المقارنة الأفريقية؟
لا تمثل الدول الأربع المختارة ترتيبا لـ«أفضل الاقتصادات»، بل نماذج مرجعية مختلفة: المغرب في الاندماج الصناعي والتصديري، وساحل العاج في النمو المرتفع والمستمر، وكينيا في الخدمات والإنتاجية، ورواندا في الارتفاع السريع لدخل الفرد انطلاقا من مستوى أولي أدنى بكثير.
الناتج الحقيقي للفرد: أساس 100 في 2015
يقارن المؤشر مسارات التطور، لا مستويات الدخل بين الدول.
المصدر: البنك الدولي، WDI، السلسلة NY.GDP.PCAP.KD. حسابات الأحرار.
| الدولة | متوسط النمو الحقيقي | زيادة دخل الفرد الحقيقي | متوسط الاستثمار | متوسط الاستثمار الأجنبي | إنتاجية العامل |
|---|---|---|---|---|---|
| الجزائر | 2.1% | +1.7% | 38.1% من الناتج | 0.5% من الناتج | +7.4% |
| المغرب | 2.6% | +11.8% | 26.8% | 1.8% | +16.0% |
| ساحل العاج | 6.0% | +32.0% | 21.7% | 1.9% | +28.3% |
| كينيا | 4.6% | +24.8% | 19.2% | 0.6% | +30.0% |
| رواندا | 6.8% | +43.7% | 26.6% | 2.7% | +28.2% |
يظهر التباين الأكبر في كفاءة الاستثمار. فالجزائر تحشد رأسمالا أكبر من جميع الدول المقارنة، لكنها تسجل أضعف زيادة في دخل الفرد الحقيقي وفي الإنتاجية. وينمو المغرب بوتيرة أعلى بقليل فقط، لكنه رفع صادراته من 30% إلى 42% من الناتج، وحافظ على حصة للصناعة التحويلية تفوق 15%. وتنطلق ساحل العاج وكينيا ورواندا من مستويات دخل أدنى، ما يسهل بعض اللحاق، لكن مكاسبها في الإنتاجية ودخل الفرد تبقى أكبر بكثير.
الخلاصة: هوامش أمان قائمة وإنتاجية لم تنطلق
الاقتصاد الجزائري ليس في حالة انهيار، لكنه لم يدخل أيضا مرحلة إقلاع حقيقي. فهو يملك نقاط قوة كبيرة: موارد طاقوية، ودينا خارجيا شديد الانخفاض، واحتياطيات صرف مهمة، وبنية تحتية، وسوقا داخلية واسعة، ومستوى مرتفعا من الاستثمار. وهذه الهوامش هي التي تفسر قدرته على امتصاص الصدمات.
لكن مواطن الضعف بنيوية. فنمو دخل الفرد شبه معدوم خلال عشر سنوات، والاستثمار الذي تقوده الدولة لا يتحول بالقدر الكافي إلى إنتاجية. ويحصل القطاع الخاص على تمويل محدود، فيما تبقى تدفقات الاستثمار الأجنبي ضعيفة. وتتقدم الصناعة التحويلية، لكنها لا تزال ضيقة، ولا تكفي الصادرات خارج المحروقات لتثبيت الحساب الخارجي. كما تظل مشاركة النساء منخفضة وبطالة الشباب مرتفعة، بينما تعاني بيانات سوق العمل الوطنية من التقادم.
لذلك لن يكون معدل النمو المعلن وحده كافيا للحكم على الحصيلة المقبلة. الاختبار الفعلي سيكون في ارتفاع الناتج الحقيقي للفرد، وتحسن الإنتاجية القطاعية، واتساع الصادرات خارج المحروقات، وزيادة الاستثمار الخاص والأجنبي، ووصول التمويل إلى المؤسسات، وخلق وظائف رسمية للشباب والنساء، وتقليص العجز المالي خارج المحروقات. عندها فقط يصبح النمو أقل تبعية للريع وأكثر حضورا في الحياة الاقتصادية للجزائريين.
المصادر وحدود المقارنة
- البنك الدولي، مؤشرات التنمية العالمية، سلاسل سنوية للفترة 2015–2024، استخراج 16 سبتمبر/أيلول 2026.
- البنك الدولي، تقرير متابعة الاقتصاد الجزائري، ربيع 2025، ويضم بيانات الديوان الوطني للإحصائيات وبنك الجزائر ومنظمة العمل الدولية وتقديرات البنك الدولي.
- منظمة العمل الدولية، التقديرات النموذجية للبطالة، منشورة عبر قاعدة WDI.
- الصورة التوضيحية: Djalil Kun / Unsplash.
تصف المقارنات الدولية مسارات اقتصادية كلية، لكنها لا تلغي الفروق في مستويات الانطلاق والتركيبة السكانية وحجم الاقتصاد غير الرسمي وجودة الإحصاءات والظروف السياسية. وقد تخضع قيم 2024 للمراجعة. واستخدمت الرسوم المقارنة إصدارا واحدا من بيانات WDI لتجنب خلط مراجعات إحصائية مختلفة.
يوسف عبد الله - جريدة الأحرار



