تكمن أهمية هذا العمل في كونه يستند، للمرة الأولى بهذا الاتساع، إلى شهادات مباشرة من داخل جهاز الاستخبارات والجيش الإسرائيليين أنفسهما، لا إلى روايات فلسطينية أو تقارير منظمات حقوقية دولية وحدها. ويأتي عرضه بعد أسابيع قليلة من فتح السلطات الإسرائيلية تحقيقا جنائيا في مقتل الطفلة هند رجب، التي تناول فيلم آخر قصتها في الدورة الماضية من المهرجان، في وقت يؤكد فيه صانعا “ناظا” أن عمليات القتل التي يوثقها الشريط لا تزال مستمرة.
في العتمة، فوق أحد أسطح تل أبيب، تتحول وجوه أربعة وعشرين عسكريا واستخباراتيا إسرائيليا إلى ظلال سوداء، وتُستبدل أصواتهم الحقيقية بنبرات معدلة لا تحمل بصمة أصحابها. هكذا يبني فيلم “ناظا”، الذي حمل اسمه من مصطلح عسكري إسرائيلي يُستخدم للإشارة إلى عدد المدنيين المتوقع سقوطهم في غارة جوية واحدة، مشهده الافتتاحي: رجال يتحدثون من العتمة عن آلية عمل كانوا جزءا منها، بينما يجلس المخرج يوفال أبراهام، 31 عاما، في مواجهتهم يطرح الأسئلة.
عرض الفيلم للمرة الأولى الخميس 10 سبتمبر 2026 في الدورة الثالثة والثمانين لمهرجان البندقية، وهو من إخراج الصحفيين الاستقصائيين يوفال أبراهام وريتشل سور، اللذين سبق أن أخرجا معا فيلم “لا أرض أخرى” الحائز على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي عام 2024. ونال العرض الأول لـ”ناظا” تصفيقا واقفا استمر خمسا وعشرين دقيقة، متجاوزا بذلك التصفيق الذي حظي به العام الماضي فيلم “صوت هند رجب”، وهو عمل روائي وثائقي تناول مقتل الطفلة الفلسطينية هند رجب البالغة من العمر خمس سنوات على يد قوات إسرائيلية، والذي استمر تصفيقه ثلاثا وعشرين دقيقة قبل أن يفوز بالجائزة الثانية في المهرجان. ويتنافس “ناظا” حاليا على جائزة الأسد الذهبي، وهو الفيلم الوثائقي الوحيد ضمن المتنافسين الأحد والعشرين هذا العام.
أنتجت صحيفة “الغارديان” البريطانية الفيلم بالاشتراك مع المنتج جيمس ويلسون عبر شركته “جاي دبليو فيلمز”، بينما تولى المخرج البريطاني جوناثان غليزر، الحائز على جائزة الأوسكار عن فيلم “منطقة الاهتمام” حول الهولوكوست، مهمة الإنتاج التنفيذي. وسبق لويلسون وغليزر أن أنتجا، بالصفتين نفسيهما، فيلم “صوت هند رجب” في الدورة الماضية من المهرجان. أما “لا أرض أخرى”، الذي أخرجه أبراهام وسور سابقا ضمن فريق من أربعة مخرجين إسرائيليين وفلسطينيين، فقد استغرق تصويره أربع سنوات كاملة بين 2019 و2023، وتناول هدم الجيش الإسرائيلي لتجمع فلسطيني في الضفة الغربية المحتلة، وانتهى تصويره قبل أيام قليلة من هجوم السابع من أكتوبر الذي أشعل الحرب في غزة. وقد انطلق مشروع “ناظا” لاحقا في أعقاب تحقيقات استقصائية أجرتها مجلة “+972” الإسرائيلية الفلسطينية وموقع “لوكال كول” العبري و”الغارديان” نفسها بين عامي 2023 و2025، قبل أن يتحول حصاد هذه التحقيقات إلى شهادات مصورة يرويها أصحابها بأنفسهم أمام الكاميرا.
يروي الشهود، الذين تحدثوا بشرط إخفاء هويتهم، كيف مكّنت منظومات تقنية، بينها برمجيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، الجيش الإسرائيلي من تحديد مواقع أفراد يُشتبه بانتمائهم إلى حركة حماس وعائلاتهم عبر هواتفهم، قبل استهدافهم في منازلهم دون تمييز. وتكشف مقاطع أرشيفية ضمن الفيلم أن منظومة المراقبة الجماعية للفلسطينيين، التي تسيطر عليها إسرائيل عبر بنيتها التحتية للاتصالات، كانت قائمة قبل السابع من أكتوبر 2023 بوقت طويل.
“بطريقة ما، هم يعرفون الكثير”، هكذا تصف المخرجة ريتشل سور، 32 عاما، إدراك عناصر الاستخبارات لما كان يجري فعليا في غزة، مستدركة أن هذه الشهادات تكسر الصورة الشائعة عن ضابط استخبارات يجلس بعيدا عن الحدث وهو لا يعلم عنه شيئا. وتوضح المخرجة أن السيطرة على الفلسطينيين لا تقتصر على الجانب المادي، بل تمتد إلى البنية التحتية للاتصالات والمراقبة والبيانات، في إشارة إلى استخدام برمجيات تجسس لاختراق هواتف السكان والاستماع إلى ما يجري داخل المنازل قبل قصفها.
يذهب أحد العسكريين الذين استُجوبوا في الفيلم أبعد من ذلك، فيصف كيفية استهداف مبان بأكملها لمجرد الاشتباه بوجود هدف واحد فيها، مؤكدا أن العدد المرتفع من الضحايا المدنيين لم يكن يمثل عائقا أمام تنفيذ الضربة. ويقول شاهد آخر إن ضربات استهدفت أحيانا حتى خمسمئة شخص من أجل القضاء على فرد واحد، فيما تحدث شهود عن نسبة خطأ تصل إلى 15 في المئة كانت مقبولة في الضربات الموصوفة بـ”الدقيقة”، قبل أن تتحول السياسة، بحسب أحد الشهود، إلى ما وصفه بـ”منطقة إبادة” هدفها تدمير كل شيء بأسرع وقت ممكن.
حين سأل المخرج أحد العسكريين إن لم يكن ما يصفه مجزرة جماعية، جاء الرد مقتضبا: “كان الأمر لعبة”. وتتكرر في شهادات أخرى عبارات دفاعية مشابهة، من قبيل أن دور صاحبها كان تقنيا بحتا، أو أنه لم يكن سوى ترس صغير في منظومة أكبر ينتمي إليها. وتتردد في هذه العبارات، رغم بعد المسافة الجغرافية والزمنية، صدى ما وصفته الفيلسوفة حنه أرندت قبل عقود بـ”تفاهة الشر”: موظف يؤدي مهمة محددة بدقة، دون أن يواجه، في نظر نفسه على الأقل، الجريمة التي يشارك في ارتكابها.
وربط المخرج يوفال أبراهام، في حديثه لوكالة فرانس برس، بين ما تكشفه هذه الشهادات وهدف أوسع وصفه بأنه سياسات ذات طابع إبادي، تسعى إلى دفع سكان غزة نحو ثلاثين في المئة فقط من مساحة القطاع لا تزال خارج السيطرة الإسرائيلية المباشرة، تمهيدا لإخراجهم من القطاع بالكامل. وتقول السلطات الصحية في غزة إن أكثر من 73 ألف فلسطيني قُتلوا في القطاع منذ بدء الحملة العسكرية الإسرائيلية في أكتوبر 2023 ردا على هجوم حركة حماس الذي أودى بحياة نحو 1200 شخص في إسرائيل، بحسب حصيلة إسرائيلية رسمية، علما أن وزارة الصحة في غزة لا تميز في حصيلتها بين المدنيين والمقاتلين. وقال أبراهام إن العدد الحقيقي قد يكون أعلى من ذلك بكثير بحسب بعض التقديرات، مضيفا أن عمليات قتل المدنيين في غزة لا تزال مستمرة حتى تاريخ عرض الفيلم.
في المقابل، تؤكد إسرائيل، في موقفها المعلن من الحرب على غزة، أن حملتها العسكرية استهدفت حركة حماس، وأنها حاولت تجنب قتل المدنيين بينما اختبأ مقاتلو الحركة وسط السكان، بحسب الرواية الرسمية الإسرائيلية، وهو ما تنفيه حماس.
الأسد الذهبي الذي يتنافس عليه “ناظا” لن يغيّر شيئا فيما يجري على الأرض في غزة. لكن الظلال التي تحدثت في تلك الليلة فوق أسطح تل أبيب تركت وراءها ما لا يمكن التراجع عنه: اعترافا، من داخل الجهاز الذي نفّذ، بأن من قتلوا كانوا يعرفون تماما ماذا يفعلون.
المصادر
- وكالة فرانس برس (عبر أورانج فرنسا) – “Mostra de Venise: NAZA, le documentaire choc…”
https://actu.orange.fr/monde/mostra-de-venise-quot-naza-quot-le-documentaire-choc-sur-les-quot-mecanismes-de-mise-a-mort-quot-israeliens-dans-la-bande-de-gaza-CNT000002rPH5W.html
تم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2026 - ليبراسيون – “Naza à la Mostra: un documentaire fondamental sur le système de tueries de masse à Gaza”
https://www.liberation.fr/culture/cinema/naza-a-la-mostra-un-documentaire-fondamental-sur-le-systeme-de-tueries-de-masse-a-gaza-raconte-par-larmee-israelienne-20260910_Z2OMIBLGMFDNPHDABMAWSXOFUQ/
تم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2026 - رويترز (عبر Internazionale) – “Venice adds Gaza documentary by Oscar-winning team to main competition”
https://www.internazionale.it/ultime-notizie-reuters/2026/08/24/venice-adds-gaza-documentary-by-oscar-winning-team-to-main-competition
تم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2026 - أسوشيتد برس (عبر WTOP) – “Venice Film Festival adds Gaza doc ‘NAZA’ to competition lineup”
https://wtop.com/national/2026/08/venice-film-festival-adds-gaza-doc-naza-to-competition-lineup/
تم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2026 - تروا كولور – “Vu à la Mostra de Venise 2026: le sidérant documentaire NAZA témoigne du massacre à Gaza”
https://www.troiscouleurs.fr/cinema/critique-naza/
تم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2026
ليلى منصور – مجلة الاحرار



