لماذا هذا مهم: يكتسب هذان التوقيفان دلالة خاصة في ظل الصعوبات المتكررة التي تواجهها فرنسا في ملاحقة الأشخاص الفارّين من عدالتها نحو دول شمال أفريقيا. فوفق تحليل أعدّته الفرقة الوطنية للبحث عن الفارّين، التابعة للمكتب المركزي لمكافحة الجريمة المنظمة في فرنسا، ونقلته وكالة فرانس برس، تُعدّ الجزائر ثاني أكثر الوجهات استقبالاً للأشخاص المطلوبين للقضاء الفرنسي، بواقع 124 شخصاً محدَّداً، مباشرة بعد المغرب. وتقدّم عملية “فينيكس” في هذا السياق نموذجاً نادراً لتعاون أمني دولي مباشر أسفر عن نتيجة ملموسة على هذا الملف الذي طالما شكّل مصدر توتر بين الجانبين.
توقيف الأول في مطار هواري بومدين والثاني عند الحدود مع تونس
وبحسب ما نقلته صحيفة لوفيغارو الفرنسية عن الإنتربول، كان الفارّان قد فرّا من سجون فرنسية وأُدرجا على قائمة النشرات الحمراء الدولية قبل أن يُلقى القبض عليهما بشكل منفصل داخل الأراضي الجزائرية. وتتيح النشرة الحمراء لأجهزة الشرطة في الدول الأعضاء بالإنتربول طلب تحديد مكان وجود شخص مطلوب وتوقيفه بشكل مؤقت تمهيداً لتسليمه، دون أن تُشكّل في حد ذاتها أمر توقيف دولياً ملزماً قانونياً بذاته.
جرى توقيف الفارّ الأول لحظة وصوله إلى مطار هواري بومدين الدولي في الجزائر العاصمة، فيما ألقي القبض على الثاني عند معبر حدودي بري يفصل الجزائر عن تونس. وكان هذا الأخير قد أُدين سابقاً بارتكاب جريمة قتل، وصدر بحقه حكم بالسجن خمس عشرة سنة. أما الفارّ الأول، الموقوف في المطار، فتشتبه السلطات الفرنسية في وقوفه خلف عملية إطلاق نار وقعت عام 2022 في مدينة تولوز جنوب فرنسا، وكان قد فرّ من السجن في وقت سابق بعدما صدر بحقه حكم بالسجن ثماني سنوات في قضايا اتجار بالمخدرات وانتماء إلى عصابة إجرامية وحيازة أسلحة. ووصفت الإنتربول القضيتين بأنهما “لقيتا تغطية إعلامية واسعة” في فرنسا.
عملية “فينيكس”: سابقة نسائية بالكامل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
نُفّذت عملية “فينيكس” بالكامل على يد ضابطات شرطة، في ما تصفه الإنتربول بأنه سابقة من نوعها في منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. واستمرت المهمة ثلاثة أسابيع، وتركّزت على خمس دول هي الجزائر والأردن والمغرب وفلسطين وتونس، حيث خضعت نقاط العبور الحدودية فيها لتدقيق مشترك بين فرق الشرطة المحلية والإنتربول. وتندرج مشاركة الضابطات النسائية بالكامل في “فينيكس” ضمن مسار أوسع تسعى الإنتربول من خلاله إلى توسيع أدوار المرأة في العمل الأمني بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو ما ظهر أيضاً في ورشة عمل نظّمتها المنظمة في تونس مطلع عام 2026، جمعت سبعين ضابطة من 11 دولة ضمن جهود مكافحة الإرهاب. واستضافت وزارة الداخلية التونسية تلك الورشة بتمويل من كندا وألمانيا، بهدف تعزيز الشراكات الأمنية بين الإنتربول ودول المنطقة. وسبق لهذه المنطقة أن شهدت عمليات مماثلة نسّقتها الإنتربول، إذ أسفرت عملية “رمز” الموجّهة لمكافحة الجرائم الإلكترونية العابرة للحدود، في مايو/أيار 2026، عن توقيف 201 شخصاً في 13 دولة من المنطقتين ذاتيهما.
وأسفرت العملية، وفق بيان الإنتربول، عن تسجيل نحو 48 عملية توقيف، ثمانٍ منها طالت أشخاصاً مطلوبين للمنظمة الدولية نفسها بموجب نشرات حمراء سارية. واستهدفت “فينيكس” بحسب الإنتربول شبكات مرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة عند نقاط العبور الحدودية التي تصنَّف حساسة في المنطقة. واعتبرت المنظمة أن حصيلة العملية تعكس فعالية التعاون الشرطي الدولي في هذا النوع من نقاط العبور.
ضبط ذهب وأقراص كبتاغون وسيارات فاخرة خلال العملية
ولم تقتصر حصيلة “فينيكس” على توقيف الفارَّين المطلوبين لفرنسا، إذ سجّلت الإنتربول عمليات ضبط متعددة خلال المهمة نفسها. فقد صادرت فرق الشرطة إحدى عشرة سيارة فاخرة، ومبلغ 16300 دولار أمريكي نقداً، إضافة إلى 9900 يورو نقداً، وكمية من الذهب بلغت 1.8 كيلوغرام.
كما ضُبط 13 ألف قرص من مادة الكبتاغون المخدرة، و123 كبسولة من الميثامفيتامين على هيئة كريستال، إلى جانب 530 هاتفاً محمولاً و1525 كرتونة من السجائر المهرَّبة. وتوزّعت هذه المضبوطات على نقاط العبور الحدودية الخمس التي شملتها العملية، من دون أن يحدّد بيان الإنتربول توزيعها الدقيق بين الدول المعنية. ولم يوضح البيان أيضاً ما إذا كانت هذه المضبوطات مرتبطة مباشرة بالفارَّين الموقوفين في الجزائر، أم أنها حصيلة عامة لعمليات التفتيش على امتداد نقاط العبور الخمس.
124 فارّاً مطلوباً لفرنسا يقيمون في الجزائر وفق الشرطة القضائية الفرنسية
وتأتي هذه الاعتقالات في وقت تُظهر فيه معطيات الشرطة الفرنسية حجم الصعوبة التي تواجهها باريس في ملاحقة الأشخاص المطلوبين المقيمين خارج أراضيها. فقد رصد تحليل الفرقة الوطنية للبحث عن الفارّين، استناداً إلى فحص نحو 3600 نشرة حمراء لا تزال سارية ضمن قاعدة بيانات الإنتربول الآمنة المعروفة اختصاراً بـ”I24/7″، وجود 124 شخصاً مطلوباً للقضاء الفرنسي يقيمون في الجزائر.
ويضع هذا الرقم الجزائر في المرتبة الثانية بين الوجهات الأكثر استقطاباً للفارّين من فرنسا، خلف المغرب الذي يستضيف 218 شخصاً مطلوباً، وأمام إسرائيل التي تأتي في المرتبة الثالثة بواقع 87 شخصاً، وفق المعطيات نفسها التي نقلتها وكالة فرانس برس. ولا يوضح التحليل ما إذا كان الفارّان الموقوفان في عملية “فينيكس” من ضمن الأشخاص الـ124 المحصورين في هذا التحليل.
وتشير وثيقة الشرطة القضائية الفرنسية، بحسب ما نقلته محطة الإذاعة الفرنسية “آر تي إل”، إلى أن غالبية الدول تمتنع عموماً عن تسليم مواطنيها للقضاء الأجنبي، وهو مبدأ قانوني يُفسّر جزئياً محدودية عمليات التسليم الفعلي رغم آلاف النشرات الحمراء السارية. وفي هذا الإطار، تبقى عمليات التوقيف المباشر، على غرار ما جرى في إطار “فينيكس”، من الوسائل القليلة المتاحة لتقريب الفارّين من العدالة الفرنسية دون المرور بمسار التسليم القضائي الكامل. وتختلف طبيعة القضايا المرتبطة بهؤلاء الفارّين بحسب وجهتهم، إذ تشير الوثيقة نفسها إلى أن نحو نصف الفارّين اللاجئين إلى المغرب مطلوبون في قضايا اتجار بالمخدرات، في حين تغلب القضايا المالية على ملفات الفارّين اللاجئين إلى إسرائيل والإمارات العربية المتحدة.
المصادر
- لوجورنال دو ديمانش (Le JDD) – “Algérie : deux fugitifs recherchés par la France interpellés grâce à une opération d’Interpol”، بقلم Marianne Lecach
https://www.lejdd.fr/International/algerie-deux-fugitifs-recherches-par-la-france-interpelles-grace-a-une-operation-dinterpol-183678
تم الاطلاع عليه في 17 سبتمبر 2026 - لوفيغارو (Le Figaro) – “Algérie : deux fugitifs recherchés par la France arrêtés lors d’une opération internationale d’Interpol”
https://www.lefigaro.fr/international/algerie-deux-fugitifs-recherches-par-la-france-arretes-lors-d-une-operation-internationale-d-interpol-20260916
تم الاطلاع عليه في 17 سبتمبر 2026 - أوبسرفالجيري (Observalgerie)، نقلاً عن وكالة فرانس برس – “La France recense 124 fugitifs recherchés en Algérie”
https://observalgerie.com/2026/09/12/faits-divers/la-france-recense-124-fugitifs-recherches-en-algerie
تم الاطلاع عليه في 17 سبتمبر 2026 - بلادي.نت (Bladi.net)، استناداً إلى وثيقة للمكتب المركزي لمكافحة الجريمة المنظمة الفرنسي نقلتها إذاعة “آر تي إل” – “Le Maroc, refuge préféré des criminels français”
https://www.bladi.net/maroc-refuge-prefere-criminels-francais,121136.html
تم الاطلاع عليه في 17 سبتمبر 2026 - Homeland Security Today – “Women Police Officers Join Forces Against Terrorism at INTERPOL Workshop in Tunisia”
https://www.hstoday.us/subject-matter-areas/counterterrorism/women-police-officers-join-forces-against-terrorism-at-interpol-workshop-in-tunisia/
تم الاطلاع عليه في 17 سبتمبر 2026 - أو سي سي آر بي (OCCRP) – “Interpol Coordinates Arrests of Over 200 in Sweeping Middle East and Africa Cybercrime Crackdown”
https://www.occrp.org/en/news/interpol-arrests-over-200-in-sweeping-middle-east-and-africa-cybercrime-crackdown
تم الاطلاع عليه في 17 سبتمبر 2026
أحمد ناصر – مجلة الاحرار



