هذا الرقم لا يقيس فقط حجم العنف بل طبيعته المتغيرة. فبين هجوم ونصف يوميا عام 2021 وما يقارب سبعة هجمات يوميا في الأشهر الثمانية الأولى من 2026، لم تتضاعف الوتيرة أربع مرات فحسب، بل اتسعت جغرافيا لتشمل 275 تجمعا، وهو رقم يقترب مما سُجّل خلال عام 2025 كاملا. مزيد من العائلات الفلسطينية بات يواجه خطر فقدان مصدر مياهه أو أرضه الزراعية أو وصول أبنائه إلى مدارسهم.
في المغيّر، شرق رام الله، قُتل فتى وشاب فلسطينيان مطلع سبتمبر برصاص الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية. المداهمة أعقبت محاولة مستوطنين مسلحين سرقة مواشي القرية، بحسب ما وثقته صحيفة «ميدل إيست آي» نقلا عن عضو المجلس المحلي مرزوق أبو نعيم، الذي يوثق اعتداءات المستوطنين في القرية منذ سنوات. الحادثة ليست استثناء معزولا. إنها عقدة واحدة في نسيج أوسع رسمته أوتشا رقما بعد رقم طوال العام: خريطة عنف اتسعت من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، بمعدل يقترب اليوم من سبعة هجمات كل يوم.
المصدر: مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)
من رام الله إلى الخليل: خريطة تتسع شهرا بعد شهر
كما تظهر الخريطة المرفقة، يوضح توزيع الهجمات الجغرافي أن الوتيرة الأعلى تتركز في محافظات نابلس ورام الله وسلفيت والخليل، حيث تحيط البؤر الاستيطانية بعشرات القرى الزراعية والرعوية. في قصرة جنوب نابلس، بقيت ثلاث عائلات محاصرة داخل منازلها لأكثر من شهر، بعد أن قطع مستوطنون مياهها وكهرباءها، وفق ما وثقته منظمة بتسيلم الإسرائيلية لحقوق الإنسان. وفي خربة الطبان بمسافر يطا جنوب الخليل، هدم الجيش الإسرائيلي في الرابع من سبتمبر كل منازل التجمع، تاركا نحو 70 شخصا، من بينهم 30 طفلا، بلا مأوى. وفي بيتا جنوب نابلس، تتكرر الاعتداءات على أراض فلسطينية أسبوعيا منذ إقامة بؤرة استيطانية قريبة. أما في محيط سلفيت، فقد سجل مركز الإعلام الفلسطيني، في الرابع عشر من سبتمبر وحده، اقتحامات لمنازل في قرية ياسوف، وأراض في أم صفا، وإطلاق مواشي على حقول بين سلواد ويبرود. نمط تكرر عشرات المرات هذا العام وحده.
من 1.5 إلى 6.7: كيف تسارعت الوتيرة في خمس سنوات
يبين الرسم البياني المرفق حجم هذا التسارع. من هجوم ونصف يوميا في المعدل عام 2021، إلى خمسة هجمات يوميا خلال عام 2025 بأكمله، وصولا إلى 6.7 هجمات يوميا في الأشهر الثمانية الأولى من 2026 وحدها. سجل عام 2025 نفسه 1835 هجوما بحسب أوتشا. وبلغت وتيرة الأشهر الأربعة الأولى من 2026 نحو 190 هجوما شهريا، ما وضع العام على مسار يتجاوز الألفي هجوم بحلول ديسمبر. وبحلول أواخر أغسطس، كانت أوتشا قد سجلت أكثر من 1540 هجوما، وهو رقم تجاوز الـ1600 مع نهاية الشهر ذاته. الذروة الشهرية المنفردة سُجلت في أكتوبر 2025 مع موسم قطف الزيتون، حين وثقت أوتشا 264 هجوما في شهر واحد، أي ثمانية هجمات يوميا، وهو أعلى معدل شهري منذ بدأت المنظمة توثيق هذه الحوادث عام 2006. وفي أسبوع واحد فقط، منتصف أغسطس، سجلت أوتشا 38 هجوما استيطانيا، أي ما يقارب هجوما كل أربع ساعات.
هذا التصاعد لا ينفصل عن سياق أوسع لتوسع الاستيطان نفسه. فالحكومة الإسرائيلية الحالية أقرت، منذ نهاية 2022، ما يقارب 104 مستوطنات جديدة، بحسب رصد منظمة السلام الآن الإسرائيلية. وبحلول ديسمبر 2025، كانت إسرائيل قد أقامت ما لا يقل عن 925 حاجزا ماديا في أنحاء الضفة الغربية، وهو أعلى رقم توثقه الأمم المتحدة منذ عقدين. كل بؤرة جديدة، وكل حاجز إضافي، يعيدان رسم حدود الحركة اليومية لعشرات آلاف الفلسطينيين.
لم تقتصر حصيلة هذا العنف على الممتلكات والأرض. فمنذ مطلع 2026 وحتى أواخر أغسطس، قتل 79 فلسطينيا، بينهم 19 طفلا، وأصيب نحو 1870 آخرون برصاص جنود إسرائيليين أو مستوطنين في الضفة الغربية، بحسب أوتشا. من بين هؤلاء، قتل 23 فلسطينيا وأصيب أكثر من 1040 في سياق اعتداءات نُسبت تحديدا إلى مستوطنين.
الخريطة توضح نماذج موثقة من الحوادث، وليست حصرا للتجمعات الـ275 المتأثرة
حين يتحول الاعتداء إلى نزوح: الماء والمدرسة والأرض
لا تقف تبعات هذا التوسع عند لحظة الاعتداء وحدها. ففي شرق رام الله، أدت هجمات متكررة على آبار عين سامية إلى قطع إمدادات المياه الرئيسية لثلاثة أيام متقطعة، ما أثر على نحو 100 ألف فلسطيني في شرق المحافظة، بحسب أوتشا. وفي مجال التعليم، باتت 84 مدرسة في الضفة الغربية، تخدم قرابة 13 ألف طالب وطالبة، مهددة بأوامر هدم أو وقف بناء، من بينها ثلاثة مبان مدرسية في مسافر يطا وحدها. أما الأرض الزراعية، فتقدر منظمة السلام الآن أن البؤر الاستيطانية الرعوية والزراعية سيطرت على نحو 20 بالمئة من مساحة الضفة الغربية. الوصول إلى الحقول والمراعي بات مهمة يومية محفوفة بالمخاطر لآلاف المزارعين.
وعلى صعيد النزوح، وثقت أوتشا تهجير أكثر من 6400 فلسطيني، بينهم أكثر من 3100 طفل، منذ يناير 2023 بسبب اعتداءات المستوطنين والقيود المرتبطة بها. أكثر من 2500 منهم هُجّروا خلال 2026 وحده. وفي تقرير نشرته في العشرين من أغسطس، وثقت هيومن رايتس ووتش تهجير 107 تجمعات فلسطينية، كليا أو جزئيا، منذ يناير 2023، بما يمس نحو 5900 فلسطيني. وتقول الباحثة في المنظمة سارة سنبر إن الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين يتشاركان هدفا واحدا يتمثل في السيطرة على أكبر مساحة من الأرض بأقل عدد ممكن من الفلسطينيين عليها. الضغط المالي يرافق هذا كله: أعلن برنامج الغذاء العالمي في الفترة نفسها خفض المساعدات الغذائية في الضفة الغربية من 400 ألف مستفيد إلى 200 ألف فقط، بسبب نقص التمويل.
وتخلص منظمة بتسيلم، في تقرير نشرته الاثنين، إلى أن هذه الوقائع ليست انتهاكات متفرقة بل جزء من آلية واحدة تجعل الحياة الفلسطينية على الأرض غير قابلة للاستمرار. معاقبة مستوطن بعينه، أو إعادة فتح طريق مغلق، لا تمس بحسب المنظمة البنية التي تنتج العنف والتهجير أصلا.
هذا الاتساع في الرقعة الجغرافية، أكثر من أي رقم إجمالي بمفرده، هو ما يميز عنف 2026 عن السنوات السابقة. الانتقال من اعتداءات متفرقة إلى نمط ممتد يعيد رسم خريطة الوجود الفلسطيني قرية بعد قرية، بئرا بعد بئر، ومدرسة بعد مدرسة.
في تقرير نشرته أوتشا مطلع سبتمبر، وثق المكتب 32 هجوما استيطانيا خلال فترة رصد واحدة فقط في الأيام الأولى من الشهر، شملت اعتداءات على منازل وأراض زراعية وبنى تحتية للمياه والكهرباء. موسم قطف الزيتون يبدأ خلال أسابيع. والرقم الذي لم يتوقف عن الصعود منذ 2021 قد يجد في هذا الموسم فصلا جديدا يضاف إليه.
المصادر
- مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) – تقارير الموقف الإنساني في الضفة الغربية، أغسطس – سبتمبر 2026
https://www.ochaopt.org/content/humanitarian-situation-report-4-september-2026
تم الاطلاع عليه في 14 سبتمبر 2026 - هيومن رايتس ووتش – “الضفة الغربية: عنف المستوطنين المدعوم إسرائيليا يدفع نحو التهجير”، 20 أغسطس 2026
https://www.hrw.org/news/2026/08/20/west-bank-israel-backed-settler-violence-drives-displacement
تم الاطلاع عليه في 14 سبتمبر 2026 - الجزيرة الإنجليزية – تقرير عن مشروع “الإقصاء” لمنظمة بتسيلم، 14 سبتمبر 2026
https://www.aljazeera.com/news/2026/9/14/how-israel-systematically-dismantles-palestinian-life-in-occupied-west-bank
تم الاطلاع عليه في 14 سبتمبر 2026 - ميدل إيست آي – تقرير عن اعتداء المغيّر وتصاعد وتيرة هجمات المستوطنين، أغسطس 2026
https://www.middleeasteye.net/news/settler-attacks-west-bank-take-dangerous-turn
تم الاطلاع عليه في 14 سبتمبر 2026 - أخبار الأمم المتحدة (UN News) – “عنف المستوطنين في الضفة الغربية يبلغ مستوى قياسيا”، 30 يوليو 2026
https://news.un.org/en/story/2026/07/1168045
تم الاطلاع عليه في 14 سبتمبر 2026 - المركز الفلسطيني للإعلام – “تصاعد هجمات المستوطنين في الضفة الغربية والقدس”، 13 سبتمبر 2026 (مصدر فلسطيني، يُستخدم للوقائع الميدانية اليومية وليس للأرقام الإجمالية)
https://english.palinfo.com/news/2026/09/13/370098/
تم الاطلاع عليه في 14 سبتمبر 2026
ليلى منصور – مجلة الاحرار



