رفضت الولايات المتحدة منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأشيرة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، للعام الثاني على التوالي. ويعيد القرار طرح سؤال يتجاوز شخص الرئيس: ما حدود سلطة الدولة المضيفة عندما يصبح دخول أراضيها شرطاً للوصول إلى منظمة دولية؟ .
صدر الموقف الأمريكي مساء الأربعاء 16 سبتمبر، ونُشر الخبر في اليوم التالي، وفق أسوشيتد برس. ويأتي قبل انطلاق المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة في 22 سبتمبر، بحسب. تملك واشنطن وسائل منع الوصول إلى نيويورك عملياً. أما تقرير من يشارك في أعمال الأمم المتحدة، فتحكمه قواعد المنظمة والتزامات الدولة المضيفة. وتوضح السوابق أن تعطيل السفر قد يفرض ترتيبات استثنائية، من دون أن يمنح الولايات المتحدة سلطة إلغاء التمثيل الفلسطيني.
ما الذي يشمله القرار الأمريكي؟
ربطت الخارجية الأمريكية القيود بما تعتبره إخلالاً بالتزامات السلام، وأشارت إلى التحركات الفلسطينية أمام محكمتي العدل الدولية والجنائية الدولية، وإلى مخصصات لعائلات أسرى أدينوا بتنفيذ هجمات. هذه مبررات تنسبها واشنطن إلى سياستها، وليست حكماً قضائياً على مشروعية مشاركة الفلسطينيين في الأمم المتحدة. ويستمر التمثيل عبر الدبلوماسيين الفلسطينيين المعتمدين أصلاً لدى المنظمة. من جانبها، وصفت الخارجية الفلسطينية القرار بأنه غير مبرر، واعتبرته مناقضاً لجهود إعادة بناء الثقة مع الولايات المتحدة وتهيئة الظروف لحل الدولتين. وتتمسك واشنطن بسلطات تتعلق بالأمن والسياسة الخارجية في قرارات الدخول. لكن هذا الموقف يثير نزاعاً حول حدود تلك السلطات عندما تكون الزيارة مخصصة لأعمال الأمم المتحدة، لا لعلاقات ثنائية مع الحكومة الأمريكية..
ماذا يفرض اتفاق المقر؟
ينظم اتفاق المقر، المبرم عام 1947 بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة، الوصول إلى المنظمة. ويحظر القسم 11 وضع عراقيل أمام انتقال الفئات المشمولة إلى المقر ومنه، ومنها الأشخاص المدعوون لأعمال رسمية. ويقرر القسم 12 تطبيق هذه الحماية بصرف النظر عن طبيعة العلاقات بين حكوماتهم وواشنطن.
وينص القسم 13 على عدم تطبيق قوانين دخول الأجانب بما يعطل تلك الضمانات، وعلى منح التأشيرات المطلوبة مجاناً وبأسرع وقت ممكن. ويمكن حصر صلاحيتها في العبور إلى المقر ومحيطه، فلا يستلزم حضور الاجتماعات حرية التنقل في الولايات المتحدة كلها. وضع فلسطين كدولة مراقب غير عضو لا يكفي، بحد ذاته، لاستبعاد مسؤوليها من الحماية؛ فالنص يشمل المدعوين لأعمال المنظمة، ولا يقتصر على ممثلي الدول الأعضاء. وهذه قراءة للنص، لا إشارة إلى حكم قضائي صدر بشأن قرار 2026..
عندما انتقلت مناقشة فلسطين إلى جنيف
في عام 1988، رفضت الولايات المتحدة منح ياسر عرفات، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية آنذاك، تأشيرة للمشاركة في الجمعية العامة. وبعد عدم تراجع واشنطن عن موقفها، اتخذت الجمعية قراراً بنقل جلساتها المخصصة للقضية الفلسطينية إلى جنيف بين 13 و15 ديسمبر.
استند القرار 43/49 إلى حق المدعوين لأعمال الأمم المتحدة في الوصول إليها بموجب اتفاق المقر. وكان الانتقال محدداً بموضوع وجلسات بعينها؛ فلم يُنقل المقر الدائم، ولم تغادر أعمال المنظمة كلها نيويورك. تثبت السابقة إمكان معالجة عائق الدخول بقرار من الجمعية العامة. لكنها لا تجعل الانتقال إلى مدينة أخرى إجراءً تلقائياً كلما رُفضت تأشيرة. ويتطلب تكرارها قراراً وترتيبات تنظيمية جديدة، وهو ما يميزها عن مطالبة فردية بتغيير مكان الاجتماع. .
هل تكفي سابقة الفيديو في 2025؟
في 19 سبتمبر 2025، اعتمدت الجمعية العامة القرار 80/1 بأغلبية 145 صوتاً، مقابل خمسة أصوات معارضة وستة امتناعات. وأتاح لعباس تقديم كلمة مسجلة مسبقاً، يعرضها الاجتماع بعد تقديمها من ممثل فلسطيني موجود في القاعة. كما أجاز ترتيبات عن بُعد لبعض الاجتماعات الرفيعة المستوى المشمولة بالقرار.
وشدد النص على أن الترتيب استثنائي، ولا يمس حق الحضور الشخصي. والأهم أنه حصر تطبيقه في الدورة الثمانين. لذلك لا يشكل تفويضاً مفتوحاً يُنقل تلقائياً إلى الدورة الحادية والثمانين. هنا تكمن نقطة عملية حاسمة: القدرة التقنية على بث خطاب لا تعني وجود إذن إجرائي دائم ببثه. وتحتاج مشاركة عباس بهذه الصيغة في الدورة الجديدة إلى اعتماد ترتيبات مناسبة لها. كما أن إتاحة كلمة مسجلة لا تعوض المشاركة الشخصية في اللقاءات والمفاوضات الجانبية..
ما المسار القانوني للاعتراض؟
يتيح القسم 21 من اتفاق المقر إحالة الخلافات المتعلقة بتفسيره أو تطبيقه إلى التحكيم إذا لم تُحل بالتفاوض أو بوسيلة متفق عليها. وهو مسار بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة؛ وليس طعناً فردياً في رفض التأشيرة، ولا ضمانة لحل عاجل قبل موعد الخطاب. ولهذا المسار سابقة فلسطينية مختلفة. ففي عام 1988، تناولت محكمة العدل الدولية النزاع الناشئ عن مسعى أمريكي لإغلاق بعثة منظمة التحرير لدى الأمم المتحدة، وخلصت في رأي استشاري إلى التزام الولايات المتحدة بالدخول في التحكيم وفق الاتفاق.
تعلقت تلك القضية بمصير البعثة وبآلية تسوية النزاع، لا بمنح عرفات تأشيرة، ولا بالقرار الصادر هذا العام. وتفيد السابقة في بيان أن خلاف الدولة المضيفة مع المنظمة يمكن أن يُحال إلى مسار قانوني مستقل عن الخلاف السياسي. ولا يعني ذلك أنها أصدرت أمراً بمنح عباس تأشيرة هذا العام. وبحسب تقرير رويترز المنشور في 17 سبتمبر، كانت مشاركة عباس بالفيديو مطروحة للتصويت. وحتى التحقق من اعتماد قرار جديد، تبقى صيغة مشاركته عن بُعد مسألة غير محسومة، ولا يصح تقديم ترتيبات 2025 على أنها سارية تلقائياً.
- رويترز، 17 سبتمبر 2026: خبر الرفض والمشاركة المطروحة بالفيديو.
- أسوشيتد برس، 17 سبتمبر 2026: توقيت الإعلان والمبررات الأمريكية ووضع الدبلوماسيين المعتمدين.
- اتفاق مقر الأمم المتحدة، 1947، الأقسام 11 و12 و13 و21.
- قرار الجمعية العامة 43/49، 2 ديسمبر 1988، النص الأممي معاد النشر.
- قرار الجمعية العامة 80/1، 19 سبتمبر 2025، النص الأممي معاد النشر.
- معهد ماكس بلانك للقانون الدولي: عرض الرأي الاستشاري المتعلق بالتحكيم في نزاع بعثة منظمة التحرير عام 1988
أحمد ناصر – جريدة الأحرار



