الرئيسيةالتحليلاتقراءة في الأحداثهل جندت الاستخبارات الجزائرية مهدي العريبي، زعيم "مافيا دي زد"؟

هل جندت الاستخبارات الجزائرية مهدي العريبي، زعيم “مافيا دي زد”؟

اعتقلت السلطات الجزائرية أواخر يوليو 2026 مهدي العريبي، الملقب بـ"تيك" وأحد مؤسسي شبكة "مافيا دي زد" الإجرامية النشطة في مرسيليا، وأودعته السجن فعليا مطلع أغسطس، إلا أن الإعلان عن كل مرحلة من مراحل الملف لم يصدر عن الجزائر بل جاء حصريا من باريس. هذا الصمت الرسمي، الذي يعيد إلى الأذهان نمطا تاريخيا في تعامل الجزائر مع الملفات الأمنية الحساسة، يفتح الباب أمام تساؤلات محللين حول طبيعة العلاقة التي جمعت الأجهزة الأمنية الجزائرية بهذه الشبكة على مدى سنوات.

كشف وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان، الأربعاء 5 أغسطس 2026، أن السلطات الجزائرية ألقت القبض على العريبي تنفيذا لمذكرة توقيف دولية أصدرها قاضيا تحقيق في مرسيليا. الملف يحمل اسم “أوكتوبوس”، وهو مخصص لملاحقة قيادات شبكة “مافيا دي زد”. وكتب دارمانان على منصة إكس أنه يشكر السلطات الجزائرية على هذا التعاون. في المقابل، لم يصدر عن الجزائر أي بيان رسمي مواز يؤكد العملية أو يوضح ظروفها. جميع التفاصيل المتداولة اقتصرت على مصادر قضائية فرنسية، نقلتها وسائل إعلام فرنسية حصرا.

إعلان صادر من باريس وحدها

يكشف تسلسل الأحداث أن كل معلومة متعلقة بالملف، من تاريخ التوقيف إلى وضعية العريبي القانونية، مصدرها فرنسي بالكامل. فوكالات الأنباء والصحف الفرنسية، ومن بينها موقع أوراس الجزائري الناطق بالفرنسية، نقلت الخبر عن مصادر قضائية فرنسية، فيما لم تصدر وزارة العدل الجزائرية ولا الخارجية الجزائرية أي تعليق رسمي حتى إعداد هذا المقال. ووفق ما أكده لصحيفة لوموند الفرنسية وكيل الجمهورية في مرسيليا نيكولا بيسون، فإن التوقيف نُفذ بناء على طلب مباشر من القضاء الفرنسي. الجزائر تصرفت هنا كطرف منفذ، لا كجهة معلنة. وهذا الفارق بين التنفيذ والإعلان هو بالضبط ما يثير تساؤلات المراقبين.

يندرج هذا النمط في سياق أوسع. فالملفات الأمنية في الجزائر، من التوقيفات ذات الطابع السياسي إلى العمليات المضادة للجريمة المنظمة او المتعلقة بالارهاب، عادة ما تُدار بعيدا عن الأضواء، ولا تُكشف تفاصيلها إلا حين يفرضها طرف خارجي، كما حدث هنا. ويرى مراقبون أن هذا التكتم ليس استثناء، بل امتداد لأسلوب تعامل معتاد مع القضايا الامنية الحساسة، يبقي المبادرة في يد الدولة ويحد من إمكانية مساءلتها إعلاميا.

من هو “تيك”، ولماذا لم يعد يقود الشبكة؟

يبلغ العريبي من العمر 36 عاما، ويحمل الجنسية الفرنسية والجزائرية معا. وهو ما يحول قانونا دون تسليمه إلى باريس، بما أن الجزائر لا تسلم رعاياها لقضاء أجنبي. غير أن مصادر متابعة للملف تشير إلى أن العريبي لم يعد يتحكم فعليا في قيادة “مافيا دي زد” منذ ما يقارب عامين. انتقلت السيطرة الميدانية إلى قياديين آخرين، من بينهم أمين والان وغابرييل أوري، اللذان يشتبه في مواصلتهما إدارة أنشطة الشبكة من داخل السجن الفرنسي. كما تطورت بنية الشبكة نفسها، وتوسعت إلى فروع محلية جديدة، من بينها تجمع نشط في مدينة غرونوبل. النتيجة تحول واضح، من تنظيم هرمي مركزي إلى مجموعة عنقودية من الخلايا شبه المستقلة.

هذا التحول التنظيمي يفسر جزئيا سبب توقيت الاعتقال. فالعريبي، رغم رمزيته التأسيسية، لم يعد يمثل تهديدا عملياتيا مباشرا، ما يجعل توقيفه أقرب إلى مكسب رمزي ودبلوماسي منه إلى ضربة استراتيجية فعلية ضد الشبكة. وبعد أيام قليلة من توقيفه، أعلن دارمانان في 6 أغسطس اعتقال تاجر مخدرات آخر مقرب من الشبكة، يدعى جمال جحا، في عملية جزائرية ثانية.

ثم جاء تطور جديد يوم الاثنين 10 أغسطس، حين أعلن دارمانان أن العريبي وجحا لم يعودا خاضعين لمجرد الرقابة القضائية، بل أودعا السجن فعليا بناء على طلب من نيابة الجزائر العاصمة نفسها. اللافت أن قرار السجن صدر هذه المرة عن جهة قضائية جزائرية محددة، لكن الإعلان العلني عنه بقي حكرا على الوزير الفرنسي، فيما التزم القضاء الجزائري صمته المعتاد حيال قراره. هذا التكرار، خلال أسبوع واحد، يرسخ الفارق بين اتخاذ القرار الجزائري وإعلانه للرأي العام.

قراءة تحليلية: هل اخترقت الاستخبارات الجزائرية الشبكة؟

يقدم الجيوسياسي “ميشال فياض” قراءة تحليلية مغايرة لتوقيت الاعتقال وسياقه. وهو يستند إلى موجة الهجمات التي استهدفت سجونا فرنسية عديدة في أبريل 2025، والتي شملت إطلاق نار على واجهات مؤسسات عقابية وحرق مركبات. وربطت التحقيقات الفرنسية جزءا من تلك الهجمات بعناصر مقربة من “مافيا دي زد”، من دون أن تحدد جهة موجهة رسميا. ويرى فياض أن تنسيق هذا المستوى من الهجمات يحمل بصمة عمل استخباراتي منظم. ويرجح أن تكون أجهزة استخبارات جزائرية قد اخترقت الشبكة لرصد تحركاتها، تماما كما تفعل أجهزة الاستخبارات عادة مع التنظيمات الإجرامية الكبرى.

يذهب فياض أبعد من ذلك. فيطرح احتمال أن يكون العريبي نفسه قد ساهم، ولو بشكل غير مباشر، في تسهيل هذا الاختراق. ويستدل على ذلك بأنه أمضى فترة طويلة حرا في الجزائر، ونشر خلالها مقاطع فيديو على منصتي تيك توك وإنستغرام أظهرت مكان تواجده بوضوح، قبل أن تقرر السلطات توقيفه فجأة. هذه القراءة تبقى في حدود التحليل الشخصي. ولم تؤكدها أي مصادر قضائية أو استخباراتية مستقلة حتى الآن، وينبغي التعامل معها بوصفها فرضية تفسيرية لا واقعة مثبتة.

يعتبر فياض أيضا أن غياب طلب تسليم رسمي من باريس أمر إيجابي. فأي طلب من هذا النوع قد تقابله الجزائر بطلب مقابل يشمل تسليم معارضين وصحفيين جزائريين مقيمين في فرنسا، بينهم ناشطون و أصوات معارضة حصلت على حق اللجوء في فرنسا. ويحذر من أن مثل هذا التبادل قد يعرضهم لخطر السجن، أو ما هو أسوأ. وهي قراءة تتقاطع مع ملفات سابقة مثيرة للجدل بين البلدين، أبرزها قضية الناشط المعارض “أمير بوخورس” المعروف بأمير دي زد.

قراءة مغايرة: تعاون محدود لا انفراج حقيقي

في المقابل، يقدم السفير الفرنسي السابق في الجزائر “كزافييه دريانكور” المعروف بمواقفه اليمينية, قراءة أكثر تحفظا. ويرى أن العملية، رغم طابعها الإعلامي اللافت، لا تعكس تقاربا دبلوماسيا حقيقيا بين البلدين. ويصفها بأنها “تهدئة زائفة” تخدم مصالح الجزائر الآنية أكثر مما تعبر عن تحول استراتيجي في العلاقة الثنائية. ويشدد دريانكور على أن التعاون الأمني بين باريس والجزائر يبقى محدودا وانتقائيا، ويُدار وفق حسابات جزائرية داخلية بحتة، لا وفق منطق شراكة متكافئة.

هذا التباين بين قراءة فياض وقراءة دريانكور يعكس انقساما أوسع بين المحللين حول قراءة السلوك الأمني الجزائري. فريق يرى فيه استراتيجية استخباراتية استباقية طويلة المدى، وفريق آخر يرى فيه ببساطة تعاونا ظرفيا محسوبا بدقة. ما يجمع القراءتين هو الإقرار بأن الصمت الجزائري ليس عرضيا، بل خيار واع يخدم هامش المناورة الدبلوماسية للجزائر.

أسئلة مفتوحة حول سنوات الغض الأمني

يبقى السؤال الأكثر حساسية معلقا: هل تركت الأجهزة الأمنية الجزائرية هذه الشبكة تعمل بحرية على أراضيها لسنوات، قبل أن تقرر التحرك في التوقيت الذي يخدمها سياسيا؟ لا تسمح المعطيات المتاحة حاليا بحسم هذا السؤال في اتجاه واحد. فمن جهة، تشير عناصر ملموسة إلى أن الجزائر لم تكن غائبة تماما عن الملف. شقيق أحد الموقوفين الأخيرين، محمد جحا الملقب بـ”ميمو”، معتقل في الجزائر منذ يونيو 2023. أي أن السلطات الجزائرية كانت تحتجز عناصر مرتبطة بشبكات مرسيليا الإجرامية قبل الموجة الحالية من التوقيفات بسنوات.

ومن جهة أخرى، يظل التساؤل قائما حول سبب بقاء شخصية بحجم العريبي حرة وظاهرة على مواقع التواصل الاجتماعي لفترة طويلة قبل توقيفه، في وقت كانت فيه باريس تطالب علنا بملاحقة عناصر الشبكة. هذا التناقض الظاهري، بين الاحتجاز الانتقائي لبعض العناصر والتساهل الطويل مع عناصر أخرى، هو ما يغذي فرضيات الاختراق الاستخباراتي. لكنه لا يرقى بعد إلى مستوى الدليل القاطع.

جاء الإعلان عن الاعتقال بُعيد زيارة قام بها دارمانان إلى الجزائر في مايو الماضي، التقى خلالها الرئيس عبد المجيد تبون. توقيت هذا الإعلان لم يكن بريئا من حسابات التقارب الأمني الحذر الذي تسعى إليه باريس مع نظيرتها الجزائرية. وهذا صحيح بمعزل عن مسألة ما إذا كانت الاستخبارات الجزائرية قد اخترقت الشبكة فعلا أم لا.

يبقى ملف “مافيا دي زد” مفتوحا على تطورات قضائية إضافية، مع استمرار التحقيقات ضمن عملية “أوكتوبوس” في مرسيليا. العريبي بات الآن مسجونا فعليا في الجزائر (حسب ما اعلنته الجهات الامنية الجزائرية) بتهمة قيادة تنظيم لتهريب المخدرات، لا مجرد خاضع للرقابة القضائية كما كان الحال في الأيام الأولى بعد توقيفه. أما احتمال تسليمه إلى فرنسا فيبقى شبه مستبعد قانونيا. مصير الملف إذن رهين بمسار التعاون الأمني بين البلدين، أكثر من رهانه بأي إجراء قضائي منفرد.


المصادر

  1. أوراس – “اعتقال أحد مؤسسي شبكة مافيا دي زد في الجزائر بطلب من القضاء الفرنسي”
    https://www.awras.net/un-fondateur-presume-de-la-dz-mafia-arrete-en-algerie-a-la-demande-de-la.html – تم الاطلاع عليه في 11 أغسطس 2026
  2. فرانس 24 (النسخة الإنكليزية) – “اعتقال أحد مؤسسي شبكة مافيا دي زد المشتبه بهم في الجزائر”
    https://www.france24.com/en/france-s-dz-mafia-suspected-founder-captured-in-algeria – تم الاطلاع عليه في 11 أغسطس 2026
  3. فرانس 24 (النسخة الفرنسية) – “توقيف قيادي آخر مشتبه به في شبكة مافيا دي زد بالجزائر”
    https://www.france24.com/fr/france/20260806-dz-mafia-nouveau-cadre-pr%C3%A9sum%C3%A9-narcotrafic-france-arr%C3%AAt%C3%A9-alg%C3%A9rie-rachid-djeha – تم الاطلاع عليه في 11 أغسطس 2026
  4. فرانس 24 (تحديث 10 أغسطس) – “إيداع اثنين من قياديي مافيا دي زد السجن فعليا في الجزائر”
    https://www.france24.com/fr/france/20260810-dz-mafia-les-deux-narcotraficants-interpell%C3%A9s-ont-%C3%A9t%C3%A9-incarc%C3%A9r%C3%A9s-en-alg%C3%A9rie – تم الاطلاع عليه في 11 أغسطس 2026
  5. أتلانتيكو – مقال تحليلي لكزافييه دريانكور بعنوان “اعتقال زعيم مافيا دي زد لا يشكل سوى تهدئة زائفة بين باريس والجزائر”
    https://atlantico.fr/article/decryptage/xavier-driencourt-larrestation-du-chef-de-la-dz-mafia-ne-signe-quune-vraie-fausse-detente-entre-paris-et-alger – تم الاطلاع عليه في 11 أغسطس 2026
  6. أكتو17 (نقلا عن تصريح وكيل جمهورية مرسيليا لصحيفة لوموند) – “توقيف شخصيتين من عالم المخدرات المرسيلي في الجزائر: ما الذي نعرفه”
    https://actu17.fr/international/deux-figures-du-narcotrafic-marseillais-interpellees-en-algerie-ce-que-lon-sait.html – تم الاطلاع عليه في 11 أغسطس 2026
  7. Michel Fayad : «Les services de renseignements algériens se sont infiltrés dans la DZ Mafia» CNEWS https://www.youtube.com/watch?v=Hd2kC4Dwe74

ليلى منصور

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

ليلى منصور
ليلى منصورhttps://alahrar.net/
ليلى منصور صحفية عربية تهتم بقضايا المجتمع وحقوق الإنسان والمرأة والهجرة والتحولات الاجتماعية في المنطقة العربية. تركز في عملها على القصص الإنسانية والموضوعات التي تعكس أثر السياسات العامة في الحياة اليومية للمواطنين. تكتب بأسلوب يجمع بين الدقة الصحفية والاهتمام بالشهادات الميدانية، وتسعى إلى تقديم القضايا الاجتماعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والتناول السطحي
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة